من رفوف السوبر ماركت إلى زوايا الميكرو ويف ،الوجبات السريعة ازدهرت لأن الأمريكيين يكرهون الطبخ في سنة 1990 تعرضت مؤسسات الوجبات السريعة في أمريكا إلى عواصف من الانتقاد من جانب الهيئات الطبية الأمريكية، وكان السبب الذي ساقه الأطباء وقتها هو ارتفاع نسبة الكولسترول في الأطعمة السريعة التي تقدمها مطاعمها وخاصة في صنف المحمرات. في هذا السياق يحدثنا مؤلف الكتاب «ص 120 وما بعدها» يقول: إن مذاق محمرات الوجبات السريعة يتوقف أساسا على نوعية الزيت المستخدم في القلي والتحمير، ولقد ظلت كبرى تلك المؤسسات على مدى عقود من السنوات تستخدم في قلي البطاطا خلطة مؤلفة من 7 في المائة تقريبا من زيت الصويا و93 في المائة تقريبا من شحوم البقر. هذه الخلطة كانت تضفي علي البطاطا مذاقا فريدا ولذيذا، ولكن على حساب ارتفاع نسبة ما كانت تحتويه من دهون. جدوى النقد البناء لأن النقد المحترم النزيه وغير المغرض يفيد ولا يضر. ولأن الهيئات الطبية أدت دورها في توعية الجمهور المستهلك بحكاية الدهون والزيوت والكرلسترول.. عمدت كبرى مؤسسات الوجبات السريعة، وهو ما يحسب لصالحها إلى مواجهة تحديات جديدة تتمثل في سؤال: كيف يمكن الحفاظ على المذاق الفريد اللذيذ من دون استخدام مواد الشحم والدهون ؟ وكان الحل الذي رأوه سعيدا هو استخدام مواد مضافة يمكن تسميتها مكسبات الطعم وهو حل لا يوافق المؤلف على أنه حل سعيد في المطلق أو على طول الخط يقول الاستاذ إريك شلوسر: افتح ثلاجتك وتأمل رفوف مطبخك وأنظر إلى الباينات الملصقة أو الملحقة بأصناف الطعام، وسوف تقرأ عن «الطعم الطبيعي» و«الطعم الاصطناعي» تكاد تكون كل محتويات الأطعمة والأصناف الغذائية التي تحتويها الثلاجة ـ الفريزر أو الرف العتيد ـ كلها مواد مضافة من صنع «أو من تصنيع الإنسان» ووظيفتها أنها تضفي على الأطعمة المجهزة مذاقها المعروف والمميز. ثم يوافينا المؤلف بمعلومة يقول فيها أن الامريكيين هم أكثر الشعوب استهلاكا لهذه النوعية من الطعام السابق التجهيز «من حسن حظنا أننا في الوطن العربي وربما في أنحاء شاسعة من العالم الثالث مازلنا نطبخ في بيوتنا» نقول ذلك من باب التقاليد أحيانا ونفعله من باب ضيق ذات اليد أحيانا أخرى، في حين أن أكثر أهل الغرب وغالبيته من الامريكيين يتناولون طعامهم من رف السوبر ماركت إلى فرن الميكرو ويف، وكان الله بالسر عليما. في ضوء هذه الحقيقة ينبه المؤلف إلى أن الأطعمة المجهزة، تامة الصنع أو شبه التامة التصنيع، كما قد نسميها، تخضع بداهة لسلسلة عمليات مصنعية ما بين التجميد أو التبريد أو التجفيف ثم التعبئة والتغليف والتعليب.. والحاصل أن الأطعمة تفقد معظم مذاقها الطبيعي الذي فطرها الله سبحانه عليها حين أنبتها، ومن ثم نشأت الحاجة إلى المواد الإضافية لزوم إضفاء أو اكساب الطعم على تلك الألوان اللازمة لغذاء الإنسان. تلك صناعة نشأت منذ الحرب العالمية الثانية وازدهرت منذ ذلك الحين وحتى كتابة هذه السطور. ولكن يحرص المؤلف على أن يصفها بأنها «صناعة سرية» أو أنها محفوفة بغوامض الكتمان. ذلك لأن كبرى شركاتها لا تعلن عن نفسها في السوق ولا في دنيا الاعلام، ولا تزين واجهاتها بأضواء تخطف الابصار، على نحو ما تفعله شركات ومطاعم الوجبات السريعة، ذلك أن منتجي المواد المضافة المكسبة للمذاق يحرصون، كما يؤكد المؤلف، على عدم إذاعة سر وصفاتهم الخاصة ولا أساليبهم التحتية في أعداد مكسبات الطعم الطبيعي والسبب ؟ يجيب مؤلف الكتاب «ص 121» عن هذا السؤال بقوله إن السرية تعد أمرا أساسيا في هذا المجال تستلزمه حماية سمعة الماركات المفضلة من أغذية الوجبات السريعة التي يشغف بها جمهور المستهلكين، فمن المفهوم أن سلاسل الوجبات السريعة يهمها أن يتصور هذا الجمهور أن مذاق أطعمتها «اللذيذ طبعا» قد نشأ بين أحضان مطابخها، ولم ينشأ بين زوايا مصانع نائية تديرها مؤسسات أخرى لا يكاد أحد يعرف أسماءها. يبلغ حجم صناعة مضافات المذاق نحو 1.4مليار دولار في الوقت الحالي وتستند تصنيع وإنتاج المواد إلى عناصر كيميائية يتم تحضيرها وتهيئة التفاعل بينها. مذاق الطعام والكيمياء ليس لك أن تتصور أن المسألة بسيطة بل هى عملية كيميائية في غاية الصعوبة والتطويل والتعقيد. خذ مثلا كأسا من عصير الفراولة بالحليب «الفريز كما يسمونه في شرقي المتوسط» طعم لذيذ بغير شك ويقبل عليه الصغار والكبار على حد سواء وعندما يضاف إليه عنصر لإكساب الطعم فمعنى هذا أن هذا المشروب يحتوي على مواد وعناصر كيماوية مختلفة ومتعددة طبعا بكميات من أضأل ما يكون حتى تكون مأمونه الاستخدام والتناول وفي كل حال فقد أجهدنا مؤلف الكتاب ونحن نحصى على سبيل الحصر عدد هذه العناصر الكيميائية التي أولاها في هذا السياق بالذات «ص125 وص 126» فإذا بها تبلغ في كوب العصير اللذيذ كما أسلفنا 47 نعم، سبعة وأربعين عنصرا كيماويا بالتمام والكمال. من ناحية أخرى فمن حق مكسبات الطعم هذه أن نذكر مع المؤلف أن منتجيها باتوا يحرصون منذ السنوات العشرين الأخيرة على الاستخدام «المذاقات الطبيعية بمعنى غير الاصطناعية بالنسبة لها» وهو ما تحرص عليه، كما يضيف المؤلف، شركات ومطاعم الوجبات السريعة أيضا ومما يطمئن مثلا أن الهيئة الاتحادية الأمريكية المسئولة عن مراقبة الأغذية والعقاقير «إف.دي. إيه» قد اصدرت لوائح ملزمة لتلك الأطراف تقضي بضرورة أن تكون منتوجاتها مستمدة من مصادر طبيعية يعني أن يستقوها من الاعشاب والتوابل والفواكه والخضر ولحوم البقر والدواجن فضلا عن خميرة الطحين ولحاء الشجر والجذور النباتية وما إلى ذلك، وكله من فطرة الخالق تبارك وتعالى ومن خيرات الطبيعة.. أمنا الرؤوم. ولا تحسبن أن حكاية هذه المكسبات المذاقية هينة ميسورة، ذلك أن أمر إنتاجها موكل إلى نخب منتقاة من العلماء من تخصصات شتى ما بين البيولوجيا وعلم النفس والفسيولوجيا والكيمياء العضوية. وتجمعهم في ذلك صفة تطلق على عملهم وهى «المذاقيون» ويصف المؤلف الواحد منهم فيقول: ان «المذاقي» المتخصص هو في الأصل كيميائي يتمتع في آن واحد بأنف مدرب وحساسية مرهفة تليق بشاعر. من جانب آخر، وبما أن المواد الإضافية التي يقوم بتحضيرها المذاقيون المتمتعون بحساسية الشعراء تضفي طعما ألذ وعبيرا طيبا يفتتح الشهية، فإن الموقف يعبر بنا إلى الشاطئ الآخر، حيث الروائح خبيثة والزحام مكتظ والأحوال الصحية لا تسر أحدا، تلك كانت نتائج سياحة أو فلنقل معاناة جولته التي زار فيها المراعي والحظائر التي يربون فيها الماشية التي يستمدون من لحمها أشهى وجبات الطعام السريع. عمل مصانع اللحوم شملت جولة المؤلف مواقع كثيرة في ولايتي كولورادو ونبراسكا حيث دار وشاهد وعاين وعرف كيف أن أكبر شركات تعبئة اللحوم لا تتورع عن استخدام عمال مهاجرين، من المكسيك بالذات أغلبهم أميون، معظمهم لا يتمتعون بأي مهارات.. النسبة الأعلى منهم مهاجرون، غير شرعيين. يعيشون في حظائر بشرية أو بالأدق معازل جيتو غير إنسانية. أجورهم متدنية. ومستواهم الصحي منخفض ولا يطمئن أحدا خاصة وهم يتعاملون في ذبح الماشية وتقطيع واعداد وتجهيز وتعبئة وتغليف اللحوم التي لا تلبث أن تجد طريقها إلى مطاعم الأكل السريع.. والرخيص أيضا. في هذا السياق يضرب المؤلف المثل على ما يقول من مدينة وادعة، أو كانت كذلك، في نبراسكا اسمها لكسنتون شهدت في عام 1990 افتتاح مجزر على أرضها ولم يكن تعداد سكانها ليزيد وقتها على 7 آلاف نسمة تقريبا بعد سنة من وجود المجزر وعماله الذين سبق وصف أحوالهم، أصيبت المدينة بأعلى نسبة جرائم في نبراسكا، وفي عام 2000 الماضي اتضح أن نسبة الجرائم الخطيرة تضاعفت بقدر ما تضاعفت نسبة الحالات المرضية بل أصبحت مركزا لتجارة المخدرات ومرتعا للعصابات المسلحة. ولم يجد أهلها سوى النزوح منها وتركها لسكن عمال المكسيك وأمريكا اللاتينية الوافدين حتى أصبح أسمها المتعارف عليه هو مكسينجتون «والمشكلة أنهم عمال فقراء لا يعرفون حرفا من الانجليزية، يعصف بهم برد نبراسكا القارس ويكابدون أشد المعاناة ويتعرضون لاصابات عمل كما أدت حوادث السكاكين الآلية العملاقة إلى قتل بعضهم وإلى بتر أعضاء الآخرين» وكل ذلك من أجل لقمة عيش وبضعة دولارات يرسلونها لاقامة أود عائلاتهم المنتظرة العابرة في الوطن الأم. ثم هناك الرائحة الرهيبة الفظيعة التي باتت تفوح من أحياء المدينة، ويقول سكانها إنها رائحة مركبة مؤلفة من روائح ثلاث، هي احتراق الدم والشعر «بفتح الشين» .. زناخة مخلفات الشحم، رائحة البيض الفاسد. ويعلق مؤلف كتابنا قائلا: أن غاز كبريتيد الهيدروجين هو المسئول عن رائحة البيض الفاسد، أنه ينبعث من برك الماء الآسن المتخلف عن نفايات المجازر والغاز يسبب مشكلات تصيب الجهاز التنفسي وتنجم عنه حالات الصداع الحادة، فإذا ما زادت كمياته المنبعثة فيمكن أن يسبب تلفا في الجهاز العصبي، وعندما بلغ الأمر حدا لايمكن السكوت عليه قامت وزارة العدل الأمريكية في يناير سنة 2000 برفع دعوى على أكبر شركة لتعبئة اللحوم في المنطقة بتهمة أنها ارتكبت مخالفات جسيمة لقانون الهواء النظيف حيث كانت مصانعها نفخت في الهواء ما يبلغ طنا كاملا من كبريتيد الهيدروجين كل يوم، وقد وصل الطرفان إلى تسوية تفرض على الشركة المذكورة أن تقوم بتغطية جداول أو مسارب المياه الآسنة المتخلفة عن عملياتها. قبل ذلك بسنوات، كانت الشركة المذكورة قد عقدت جلسات استماع مفتوحة لسماع شكاوى مواطني المدينة المتذمرين، ونظمت الجلسات في المدرسة الثانوية بالمدينة،.. وعندما شكا السكان من نوعية العمال المستخدمين أجاب ممثل الشركة هادئا مطمئنا: لا تخشوا منهم شيئا، إننا نستخدمهم طيلة النهار في أعمال شاقة تهد الجبل وما أن يصلوا إلى مساكنهم فإنهم يرتمون على فراشهم وسرعان ما ينامون، ومن ثم فلن يدوروا في أنحاء المدينة يشربون أو يشمون أو يصخبون، وحين شكا الأهالي من الروائح الفظيعة، خف كبير مهندسي الشركة إلى تطمينهم بأن المجازر ومخلفات الذبح ونفايات اللحوم لن ينجم عنها أي روائح خبيثة ولا حتى غير مستحبة، ثم أضاف نائب رئيس الشركة معززا ومؤكدا فقال: أيها السادة، أن رائحة المجزر لن تختلف بحال عن الرائحة التي تشمونها في مطابخ منازلكم. فن التهرب مثل هذا الموقف الذي يعمد إلى التهوين من حجم أي مشكلة، أو فلنقل غض الطرف عنها، طبقته شركات تجهيز اللحوم الأمريكية في معاملتها لعمالها المساكين، كثير من هؤلاء العمال يغريهم الأجر المتصاعد الذي يمكن أن يناله العامل إذا زادت حصة ما يقدمه للشركة، وهو أسلوب العمل بالمقطوعية، كما يقول المصطلح المصري التقليدي، وهنا يتبارى العمال أيهم يصمد أكثر وأيهم يعمل ساعات أطول ولأن قدرة البشر لها حدودها.. فإن العمال يستعينون بالمخدرات التي انتشر استخدامها وتعاطيها، لا لجلب البهجة ولكن لابقاء العامل مفتوح العينين، واقفا على حيله أطول ساعات ممكنة في نشاط مصطنع لحساب شركة لا يهمها، كما يشير مؤلف الكتاب «ص 174» سوى المزيد من مراكمة الأرباح. وإلى جانب هذا العمل على أساس حصص الإنتاج، تعطي الشركة مكافآت وحوافز لمديري العنابر على أساس ما تسميه سلامة العنبر من وقوع الحوادث. ولما كان الأمر ينطوي بالضرورة على حوادث، بعضها خطير إلى حد الاعاقة فإن رؤساء النوبات ومن فوقهم ومن دونهم يجنحون إلى عدم الإبلاغ عن الحوادث لزوم الابقاء على الحوافز وهو ما يعرض العمال لمزيد من الضغوط يوضح المؤلف أن هذا كله يتم وفق قواعد غير مكتوبة، قواعد يتم التفاهم بل والتكتم على أمرها، ولو راعاها العامل، وهو طرف الاذعان الضعيف، فإنه يعامل باحترام، وقد يصل الأمر إلى أن تبعث الشركة بعاملها المصاب إلى بلده في المكسيك كي يعالج نفسه ويسترد أنفاسه ثم يعود إلى المجزر من جديد. أما الذين يتمردون على هذه القواعد غير المكتوبة، الذين يحاولون الشكوى فهم يلقون العقاب، بل يجعلون منهم أمثولة وعبرة للآخرين. وفي هذا ينقل المؤلف تعليقا لأحد العمال يقول فيه: انهم يحاولون أن يردعوك، هذا كل ما في الأمر، فلا تسول لك نفسك أن تذهب إلى الطبيب. والمشكلة الأدهى أن الضغوط التي يتعرض لها العمال في عملهم تزيد في حالة العاملات اللائي تضمهن مجازر ومصانع تجهيز وتعبئة اللحوم في أمريكا، وبديهى وسط هذا الجو المحموم أن يتعرضن لألوان من التحرش والإيذاء الجنسي باللفظ والسلوك على السواء ورغم إسدال ستائر الصمت، إلا أن سيدة عاملة فاض بها الكيل فرفعت قضية تشكو فيها من التحرش والملاحقة الجنسية وحكمت لصالحها المحكمة بمبلغ 2.4 مليون دولار تعويضا عما أصابها من أذى بدني وتضرر نفساني، وكان في ذلك إدانة بحكم القضاء للمشرفين ورؤساء الانفار ومنهم من يتصور نفسه، كما يقول المؤلف، كازانوفا ساحر النساء..ولو بين جدران مجزر آلي أو نصف آلي في أرياف أمريكا.