عقدت لجنة المتابعة الوزارية المنبثقة عن القمة العربية أمس اجتماعاً طارئاً بمقر الأمانة العامة للجامعة العربية بالقاهرة ترأسه للمرة الأولى عمرو موسى الأمين العام للجامعة في مستهل ممارسته لمهامه الرسمية، كمسئول أول عن ادارة الدبلوماسية العربية، وعقدت اللجنة ثلاثة اجتماعات بحضور تسعة وزراء خارجية للدول الأعضاء وهي السعودية التي مثلها نائب وزير الخارجية، ومصر وسوريا ولبنان والأردن والبحرين وتونس واليمن والمغرب، كما شارك في الاجتماع الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. وناقش الاجتماع التصعيد العسكري الاسرائيلي الخطير وغير المسبوق الذي تحول الى حرب بطائرات إف ـ 16 الأمريكية ضد الشعب الفلسطيني، وقدم عرفات في بداية الاجتماع عرضاً شاملاً. وتضمن جدول الاعمال المبادرة المصرية ـ الاردنية المقترحة واجراء تقويم لتقرير لجنة تقصى الحقائق فى الاراضى الفلسطينية برئاسة السيناتور الامريكى السابق جورج ميتشيل كما تضمن تحديد موعد الاجتماع الدورى العادى للجنة الذى سيخصص لمناقشة ومتابعة تنفيذ قرارات القمة العربية الاخيرة فى الاردن. وألقى عرفات أمام الاجتماع الذي عقد برئاسة عبد الاله الخطيب وزيرخارجية الاردن الرئيس الحالي للقمة كلمة اعرب فى بدايتها عن أشكره للاستجابة السريعة لعقد هذه الجلسة الاستثنائية الخاصة للجنة لمتابعة وتنفيذ المقررات وللتحرك الدائم فى مواجهة العدوان العسكرى الاسرائيلى المتصاعد والحرب الغادرة التى تشنها اسرائيل على الشعب الفلسطينى للشهر الثامن على التوالى وكان أخرها استخدام طائرات الـ اف 16 على مدن نابلس ورام الله وجنين وقطاع غزة بجانب البوارج الحربية ط بجانب طائرات الهليكوبتر الأباتشى وبجانب الدبابات والصواريخ الأرض أرض وغيرها. وقال عرفات انه سقط «أمس» فقط 16 شهيدا و 119 جريحا ولكن بالرغم من هذا فاخوانكم الفلسطينيون مؤمنون بنصر الله. واوضح عرفات ان ما يحدث فى الاراضى الفلسطينية يهدف ضرب ما أنجزته عملية السلام حتى الان توطئة لاجهاضها كليا مستغلا بعض المواقف الدولية ومتحديا قرارت الشرعية الدولية، مشيرا فى الوقت نفسه الى ان اريل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلى كان السبب فى اندلاع الانتفاضة عندما قام بزيارة للحرم القدسى الشريف. واتهم ضمنيا الولايات المتحدة بانها تعطى الضوء الاخضر لشارون لمواصلة اعتداءاته على الاراضى الفلسطينية وقال «ان احتلال اسرائيل غير المعلن للطرق الرئيسية داخل قطاع غزة ولمناطقها الحدودية لم يحظ بالاهتمام الذى أبدته أمريكا عندما أعلنت اسرائيل أنها سوف تحتفظ بمناطق «أ» فى بيت حانون شمال قطاع غزة، ولقد أدى الاهتمام الامريكى وقتها الى دفع اسرائيل للاعلان عن انسحابها من هذه المناطق واستمرت اسرائيل فى احتلالها للمناطق الاخرى وما زالت تقوم بالهجوم بين حين وآخر على بقية المناطق كما حدث أمس . واكد عرفات ان اسرائيل تدمر كل مظاهر السيادة التى انتقلت الى السلطة الفلسطينية بموجب الاتفاقيات الموقعة من قضايا المعابر والحدود ومصادر المياه وحركة الافراد والبضائع وحتى الادوية وسيارات الاسعاف. ووصف عرفات الاعتداءات الاسرائيلية على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الوطنية بالقذرة واكد ان الجرائم اليومية التى ترتكب بحق الشعب الفلسطينى تستهدف ضرب المشروع الوطنى والقومى لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وشدد عرفات على ان هذه الجرائم التى تبدا باستخدم اسلحة الدمار والقتل من البحر والجو والارض واغتيال القيادات وحجز الموارد المالية لن تزيد الشعب الفلسطينى الا وحدة واصطفافا لتحرير مقدساته المسيحية والاسلامية. واكد عرفات ان هناك جرائم اخرى مثبته فى وثائق الاسرائيليين والامريكيين والاروبيين وهى اغراق ارض غزة بالمياه الاسنة الملوثة ودفن مخلفاتهم السامة والمشعة واستخدام الرصاص المصنع من اليورانيوم المستنفد وقنابل الغاز السامة ضد المدنيين الفلسطينيين. ومضى الرئيس ياسر عرفات فى كلمته امام لجنة المتابعة العربية أمس قائلا لقد ركز الاسرائيليون ولا زالوا على مقدساتنا الاسلامية والمسيحية ومايجرى فى القدس الشريف اكبر شاهد على ذلك وكذلك تركيز القصف على بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور بما فيها منع اهلنا المسلمين والمسيحيين من الذهاب الى القدس للصلاة فى المسجد الاقصى والحرم الشريف وكنيسة القيامة. واضاف ان اسرائيل استمرت فى بناء المستوطنات وتوسيعها وتهويد القدس، وقررت حكومة شارون وقبلها حكومة باراك بناء الاف البيوت وآخر قرار كان ببناء، 135 وحدة سكنية جديدة فى مستوطنات جديدة وقائمة كما انها صعدت تدمير بيوت الفلسطينيين لانشاء مستوطنات وهى تهدد باغلاق المؤسسات الفلسطينية فى القدس، وتقيم القوات الاسرائيلية الآن المستوطنات فى كل المواقع الهامة بالرغم من اعترافهم بان اكثر من 45% من هذه المستوطنات خال من السكان. واشار الرئيس عرفات الى الخسائر البشرية فى الجانب الفلسطينى والتى اقتربت الان من، 006 شهيد واكثر من 28 الف جريح وفال ان خسائرنا المادية قد تجاوزت 5 آلاف مليون دولار «خمسة مليارات دولار» وعدد العاطلين عن العمل قد تجاوز 360 الف عامل والدخل القومي فقد اكثر من 65% من قيمته وميزانيتنا النقدية لا تغطى اجور موظفى الدولة الشهرية وحدها. ومضى عرفات فى كلمته قائلا اننا عندما اعلنا قبولنا بالمبادرة المصرية الاردنية وبما يدعمها فى تقرير لجنة ميتشيل انما قبلنا بهذه المباديء اساسا لعودة عملية السلام الى طريقها المرسوم لان مخالفة هذه المباديء هو الذى اشعل الانتفاضة. صحيح ان صاعق تفجير الانتفاضة كان زيارة شارون وحرسه من الجيش الاسرائيلى للحرم الشريف والتى قام بها رغم معارضتنا العلنية والرسمية والتى ابلغناها لباراك فى منزله قبل يومين من هذه الزيارة وبعدها حدثت مذبحة صلاة الجمعة التى قامت بها القوات الاسرائيلية فى اليوم الثانى مباشرة بجانب الامتداد للاستيطان السرطانى فى اراضينا بالعنف والاكراه فى الاماكن الاستراتيجية المختلفة وخاصة فى القدس الشريف وهى محاولات لتهويد القدس الشريف. وقال عرفات لقد صبرنا وصابرنا سنين طويلة من اجل استعادة حقوقنا من خلال عملية السلام، ذهبنا الى مدريد مع اشقائنا والتزمنا بقرارات موتمرها رغم كل القيود التى فرضت علينا وفاوضنا فى واشنطن وذهبنا الى اوسلو لنبدأ بعد كل هذا رحلة استعادة حقوقنا على ارضنا وحاولنا بالرغم من كل الضغوط التى واجهناها فى مفاوضات شاقة ان نستعيد الارض وننصف حق اللاجئين بالعودة طبقا للقرار 194 والحفاظ على مقدساتنا المسيحية والاسلامية طبقا للعهدة العمرية وان نبنى مؤسسات دولتنا وان نمر من الانتقالى الى النهائى حيث القضايا الهامة والصعبة ولكنهم استمروا فى محاولاتهم تعميق الاحتلال بالاستيطان وبالتصعيد العسكرى ضد شعبنا وبالمماطلة فى المواعيد وبالحصار وبتقطيع الاوصال وعندما وصلنا لمفاوضات الحل النهائى اكتشفوا ان الاستحقاقات مازالت قائمة واننا لن نتخلى عن شبر من اراضينا المحتلة عام 1967 ولا عن حق لاجئينا فى العودة لبلادهم ولا عن سيادة دولتنا المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ولا على مقدساتنا المسيحية والاسلامية ولا على ارضنا وبحرنا وجونا وبالحل النهائى لكل الاهداف التى تأجلت موقتا فى المراحل الانتقالية. ومضى عرفات قائلا «انهم يدعون باننا اضعنا الفرصة ولايزالون يكررون هذا الكلام كي يبرروا عملية الهجوم علينا بهذا التصعيد العسكرى المجنون، ذلك هو اتهام بعض الاسرائيليين تبريرا لعدم رغبتهم فى وقف العدوان وفى تحميلنا مسئولية كل ما يحدث على الارض حيث تنفث ذلك بعض الاجهزة الاعلامية الاسرائيلية وغيرها لتغطية جرائمهم المتصاعدة ضد شعبنا واطفالنا وارضنا وممتلكاتنا واقتصادنا ومقدساتنا المسيحية والاسلامية». وقال عرفات ان كامب ديفيد كانت هى الفرصة الاولى لعملية التفاوض على الحل النهائى وقد شاركنا بعدها فى 57 اجتماعا تفاوضيا لتنفيذ مرجعية عملية السلام مما ادى الى تقدم محدود فى طابا ولكن باراك لم يكن مستعدا للاستمرار بعد انشغاله المصطنع لمدة ستة اشهر، كان يقول انا والله منشغل بالمسار السورى، واحنا عارفين ان هذا الكلام ليس دقيقا، ولكن كان هكذا يقول حسبما اعلنه جلعاد شير احد اهم مستشاريه المقربين ضمن خطتهم بالتلاعب على المسارات العربية، وبعدها اعلن عن الانتخابات العامة قبل سنوات ثلاث من استحقاق موعدها ووعد باستكمال هذه المفاوضات اذا نجح فى الانتخابات، وتعرفون النتيجة. وقال الرئيس عرفات انه ومع الاقرار ببعض التقدم فى هذه المفاوضات الا ان ما تبقى بدون حل فيها يقطع باستحالة قبولنا بها كحل دائم يرضى بها شعبنا بعد قرن من النضال وتساءل هل كان يمكن لنا القبول بحل دائم يبقى الحرم وبعض اهم المقدسات الاسلامية والمسيحية فى القدس تحت السيادة الاسرائيلية؟ هل كان يمكن لنا او لكم القبول بحل لا يسمح للاجئين بحق العودة لبلادهم وهم يسمحون لمئات الالوف غير اليهود من المسيحيين والمسلمين من دول الاتحاد السوفييتى السابق وغيرها بتنفيذ حق العودة لبلادنا لمجرد تقديمهم لأى دليل يثبت ان اجدادهم مارسوا بعض الطقوس اليهودية او حتى بتزوير ذلك؟ هل كان يمكن لنا ان قبل بدولة مجتزأة محدودة السيادة وهل كنتم تقبلون لنا باعطاء اسرائيل الحق فى استخدام اراضينا كقواعد انطلاق عسكرية لمهاجمتكم ايها الاخوة العرب؟ هل كان يمكن لنا ان نقبل بأن تكون السيطرة على سمائنا بالطائرات العسكرية الاسرائيلية تستخدمها لانتهاك حرمة اجوائكم؟ واضاف «نحن لم نقبل بذلك ولن نقبله ابدا ولو ان التقدم الذى حدث كان مقبولا لعدنا لكم نطرحه عليكم ونستعين بكم فى تحسينه والقبول به وطنيا وقوميا ودينيا، رفضنا الوصول الى حل لا يمكن لشعبنا ولامتنا القبول به ولكننا لم نرفض استمرار المفاوضات ولا رفضنا العودة الى عملية سلام يتم تصحيحها وتعديل مسارها لتصبح منسجمة مع مرجعيتها واهدافها، ونحن لا نجد طريقا لانهاء العدوان الاسرائيلى والعودة الى طريق السلام فى ظل الاوضاع الراهنة افضل من المبادرة المصرية الاردنية وتوصيات لجنة ميتشيل لتقصى الحقائق والتى انبثقت عن مؤتمر شرم الشيخ وخصوصا فى توصيتها بالتجميد التام والنهائى للاستيطان». وقال عرفات ان هنالك شبه اجماع دولى حول المبادرة وتوصيات اللجنة ولكى توضع لها آلية تنفيذ من خلال عقد اجتماع جديد لمؤتمر شرم الشيخ، ويجب بذل كل الجهود الدولية لقبولها من اسرائيل. واضاف لقد التزمنا امامكم بالصمود مهما كان حجم التضحيات، صمودنا ضرورى للحفاظ على حقوقنا وكرامتنا ومقدساتنا ومستقبلنا، صمودنا ضرورى لوقف هذه الهجمات العنصرية على امتنا العربية كلها وعلى اغلى مقدساتها، ولكننا ايضا ملتزمون بالعمل لتصحيح مسيرة السلام والعودة اليها لاستعادة حقوقنا ولتحقيق سلام عادل ودائم وشامل فى المنطقة كلها. واختتم عرفات كلمته قائلا اننا توجه اليكم لدعم صمود شعبنا لمواجهة الحرب والدمار والحصار الذى تمارسه اسرائيل ونريد دعمكم لايجاد حماية دولية لايقاف العدوان العسكرى والحصار الاقتصادى والمالى لشعبنا بل ونحتاج كذلك الى تحرك فى الجمعية العامة ولجنة حقوق الانسان والمنظمة الدولية للتجارة فى مواجهة اسرائيل. هذه هى معركتنا الحاسمة من اجل فلسطين من اجل القدس الشريف من اجل مقدساتنا الاسلامية والمسيحية من اجل غد عربى افضل تسوده الحرية والاستقلال والكرامة من اجل سلام عادل ودائم وشامل ترضى به شعوبنا كلها فى المنطقة، واننى على يقين اننا بإذن الله سويا منتصرون. من جانبه اكد موسى فى كلمة له عقب الجلسة المغلقة ان اللجنة سوف تتخذ من القرارات والتوصيات ما يدعم هذا الموقف المهم فى مواجهة عدوان بات لايخشى اى قوة اخرى فى العالم، ولايهتم بقواعد القانون ويعتقد ان لديه حماية كاملة فى مجلس الامن ويرى ترددا اوروبيا كما يرى ضعفا عربيا مما يزيد من خطورة الامر. واوضح أن ما تقصده السياسة الاسرائيلية وما تستهدفه هو ان يستسلم الفلسطينيون وان يسقط العرب بل ربما «يطمعون فى ان يساعدهم البعض فى تكريس الاستسلام الفلسطينى وهو امر خطير للغاية». وقال ان الهدف الذى يجب ان نجمع على فهمه هو ان المطلب الاسرائيلى هو ان يستسلم الفلسطينيون ويقبلوا بما يريد الاسرائيليون ان يفرضوه اى ان مرحلة السلام الاسرائيلى قد وصلت فى عرف الحكومة الاسرائيلية وهو ما حذرنا منه مرارا وما واجهناه فى اكثر من تطور وحدث وزمن فى السنوات العشر الماضية منذ مدريد. واكد موسى ان هذا الاجتماع ليس اجتماعا روتينيا ولا هو اجتماع لنصدر فيه او منه او فى نهايته بيانا صحفيا، لقد كان الاجماع فى اجتماع الصباح (صباح أمس) ان مصداقيتنا فى الميزان وان المطلوب هو ان ندافع ليس فقط عن هذه المصداقية ولكن عن التحدى للهوية وللنظام العربى كله. واعلن ان احدا لم يعد لم يعد احد يتحدث عن عملية السلام بل اصبح الحديث مرة اخرى عن النزاع بل الصراع العربى الاسرائيلى ووصفه ذلك بانه تطور خطير يجب ان يكون مفهوما لدى واشنطن واوروبا وروسيا ويكون مفهوما فى العواصم العربية ولدى الرأى العام العربي.