لم يكن حال (الركشة) تلك المركبة ثنائية الاشواط ثلاثية الارجل عند اسبوع المرور الذي اختتم فعالياته الخميس الماضي بالعاصمة السودانية الخرطوم باحسن من حالها نهاية العام المنصرم. وذلك في محاولات (استدراكية) لتحجيمها وحصرها في اضيق نطاق بعد ان بانت سوءاتها فنياً وحواث متكررة كانت لها ابعادها على اكثر من صعيد. الكثيرون يتوقعون توقف الركشات عند حدها ويعتقدون ان العد التنازلي لحضورها الكثيف بدأ رغم المحاولات المستميتة لنقابتها بالابقاء عليها باعتبارها اضحت مصدر رزق لكثير من الاسر فضلاً عن تيسيرها للمواصلات في الطرق العرضية وتخفيفها على المرضى بمرابطتها بالقرب من المستشفيات الا ان كل ذلك لم يشفع لها امام سلطات المرور التي باتت ترى فيها كابوساً وحلاً محرجاً لفك الاشتباك المزمن لحركة المرور التي تبدو خانقة عند الذروة او بدونها.. هذه الحالة وفرتها النتوءات والحفر التي تعمر اركان الشوارع والطرقات الضيقة اصلاً والتي بدت عاجزة تماماً عن استيعاد حركة المرور التي اضحت اشبه بدبيب النمل في غياب ما يفسح الطريق امام انسيابها بسهولة ويسر من اجراءات وضوابط. سلطات المرور التي كانت اصدرت قرارا تزامناً مع عيد الفطر المبارك الماضي حرمت فيه حافلات امجاد والركشات من استخدام طرق المرور السريع لصغر حجمها لانها أقل من (1000) سي سي ولصعوبات اتزانها في السرعات العالية لخفة وزنها وانخفاض مستوى السلامة فيها مما يجعلها عرضة للانقلاب والاصطدام وبالتالي سمح لها بالعمل داخل الخطوط الداخلية والطرف بالمدن، هاهي تجد نفسها مضطرة او منسجمة مع واقعها حينما اوقعت الغرامات على الركشة باعتبارها تحمل ترخيصاً كملاكي وليس للركاب ما اعتبرته الهيئة النقابية لاصحاب الركشات بانه مسعى لازالة هذه المركبة من الوجود المواصلاتي.. واشتمل قرار سلطات المرور على تحويل الركشة من مركب تجاري الى ملاكي ورفع رسوم ترخيصها لنصف مليون جنيه سنوياً. لكن نقابة الركشات ترى في قرار سلطات المرور ايضاً كابوساً تسبب في خلق حالة ذعر وهلع ادت بدورها الى كثرة الحوادث بسبب الزوغان والمطاردة عند رؤية سائقيها لشرطي المرور. وذكرت النقابة ان السلطات المرورية بذلك تحرمها من ممارسة واجبها وان القرار فيه هضم لحقوقها.. ومن ثم اعلنت النقابة انها ستلجأ للقضاء لحلحلة عقد هذا النزاع وانها ترحب بما يصدر من قرارات في هذا الشأن. وهكذا تسعى الركشة الى التمكين بعد ان تمسكنت ما فيه الكفاية واستغلت الغفلة التي ابرزتها للوجود لتركب الموجة لتصعد درجات السلم متجاوزة الخطوط العرضية الى تلك الحمراء المحظورة عليها ذلك انها لن تقبل بأقل من ذلك بعد الان.. وربما اتكأت واستندت في حججها الى بنت عمها (امجاد) المحظورة هي الاخرى وفي طرق المرور السريع مع اطلاق العنان لها للبرطعة والسرعة الجنونية داخل المدن لدرجة ان المواطنين اطلقوا على الكرسي الذي يجاور السائق كرسي الشهيد مجازاً وذلك لما تكرر من حوادث كان نتاجها ان لم يكن عاهة مستديمة او كسر مركب او جرح غائر، فان الموت المحقق. وتمضي الركشة تمسكاً بحجتها ما في (حد احسن من حد) ذلك ان ما سمح بانطلاق امجاد في الطرق الداخلية بالمدن هو نفسه ما يمكن تطبيقه على الركشة وذلك (للعيب في كل) والذي حرمهما سوياً من التباهي والانطلاق في طرق المرور السريع. ومن هنا فان شعار المرحلة بالنسبة للركشة هو اذا لم يكن من الموت بد فمن العار ان تموت جباناً، وانه اذا لم ينتفض الاخرون للوقوف الى جانبها فانها اي الركشة لن تألو جهداً في التذكير بأن هناك اخرين معها في العيب والاوصاف (شرق) مخدرة وفق منطوق القول (اياك اعني واسمعي يا جارة) منبهة الى ان الموروث الشعبي غني بفصول التعاضد ويتمثل ذلك في انه لا مندوحة لامجاد الا بالوقوف الى صفها ليشكلا بذلك تحالفاً يؤرق مضاجع سلطات المرور ويطرد النوم من عيون امبراطورية التكاسي التي غابت شمسها وجمهرة الباصات التي اضحت كسيحة تنتظر من ينفض الغبار عن كراسيها المستعارة التي نبتت على انقاض شركة مواصلات الخرطوم الموؤدة. ولأن هذا الشعور التلاحمي يملأ جوانح وصدر الركشة لذلك بدأت تقاتل في اكثر من جبهة للبقاء وبالتأكيد فإن غبار العراك الذي بدا كثيفاً سيسفر عن ضحايا يرجو الكثيرون ان تكون محصورة في (اتجاه واحد) دون ان يتمدد لمفاصل اخرى من بينها بني (محمد احمد) الذين ضحوا بما فيه الكفاية.. من هذا القبيل ما اوردته صحيفة «الوطن» الصادرة بالخرطوم ان عدداً من المتاجرين والمستوردين للركشات رفعوا مذكرة للنائب العام يتهمون هيئة المواصفات بعدم تنفيذ حكم قضائي بمنع احتكار وكيل واحد لاستيراد الركشات. وان موكلهم هو الاخر قام بفتح بلاغ جنائي ضد الهيئة متهما بالاضرار بمصالح موكليه وعدم تنفيذ قرار قضائي صادر لصالحهم رأت فيه الهيئة حكماً غير ملزم لها ولا ينقض اعتقادها بأن لهذا النوع من الركشات وكيلاً واحد وفقاً لقرار سابق في هذا الخصوص. وبالتالي رغم العيوب البائنة وما استصحبه من اقوال تنادي بوضع حد لهذه الهجمة الشرسة من قبل الركشات الا ان الاخيرة هذه اضحت واقعاً وان كان مراً عند اخرين وحلواً عند غيرهم وصارت تتطلع الى فك الحظر المفروض عليها ليس في الطرق فحسب وانما في الاستيراد ليزداد بذلك الكيل الطافح.. ونذكر هنا ان بعض لجان المرور كانت قد توصلت عبر دراسات الى ضرورة ايقاف استيراد هذه المركبات الذي تؤيده حوادثها المتكررة وحالة التكدس والزحام الماثلة بسببها رغم ان الطرقات لا تسلم من العيوب الاساسية وذلك حتى لا تكون الركشة هي كبش فداء لحالة القصور البائنة في حركة المرور بصورة عامة، رغم ما يبذله القائمون عليها من جهود لا تخفى على العين. اذن محاصرة هذا الخطر الماثل باتت ضرورة ملحة وبما انها صارت واقعاً لكنة مريراً فان ذلك يستدعي التعامل معه وفق الضرورات التي تحجمه ولا تدع له فرصة للانتشار بصورة وبائية وبالتالي فإن وقف الاستيراد ضرورة بالغة الاهمية لأن المتوفر من الركشات سبب ما فيه الكفاية للعباد الذين يجب ان يعلموا ان ارزاقهم ليست حبيسة عيوب الركشات وما شابهها، ولتأكيد الزم بما يشبه المدح يبقى القول (هين من يستهين بها وغافل من يتكل عليها).