الفكرة التي يتبنّاها الرئيس الأمريكي بوش عن نظم الدفاع الصاروخية فكرة قديمة من بنات أفكار الهيمنة الأمريكية، ظلت تطفو حينا وتخبو حينا آخر، وذلك من اوائل الثمانينيات، حيث ألحّ على ذكرها وتبنيها صاحب الأحلام الخرافية، رونالد ريجان في مواجهته للامبراطورية التي سمّاها بامبراطورية الشرق (الاتحاد السوفييتي السابق) ثم قام بالغائها بيل كلينتون عقب اطمئنانه على سقوط ذلك الوهم. احياء الوهم ثم جاء سليل الجمهوريين بوش الابن يبادر، ولما تمض عليه في البيت الابيض اكثر من اربعة أشهر على احياء ذلك الوهم، وتفزيع الأمريكيين بأن كوريا الشمالية أو حتى العراق يمكن ان تجتاح بلادهم الشاسعة وتكتسحها بعد ان تنقض عليها بالصواريخ البالستية الصاعقة، والأمريكيون في عامتهم ليس لهم استعداد، بل ليس لديهم وقت للتفكير في قضايا السياسة الدولية والاستراتيجية، وأقل وهم يمكن ان ينطلي عليهم تماما كما انطلى عليهم من قبل وَهْم فيتنام الذي لم يفقوا منه ويقلعوا عنه الا بعد ان دفعوا الثمن الباهظ الذي مازالوا يندبونه في اليوم، وهكذا فإن الجمهرة العامة للأمريكيين لا تتساءل اليوم، وكأنها غدت مقتنعة: كيف تستطيع كوريا الشمالية ان تقوض سلطان بلادهم؟ بل لا تتساءل حتى عن جدوى مشروع الدفاع الصاروخي الذي لايزال حتى الآن مجرد خاطرة أو أمل أو حلم أو في أفضل تقدير مجرد «افتراض» علمي ينتظر التجريب. المشروع الجديد للدفاع ضد الصواريخ البالستية سيكلف عدة بلايين من الدولارات، وينتظر عدة سنوات حتى تتقرر نتيجته سواء بالنجاح أو الفشل ولكنه كما يقول المروجون له ان نجح فسيكون عدة الوقاية الأمنية الكافية خلال القرن الحالي، كما سيكفل ارجاع 37 الف جندي أمريكي ظلوا يتمركزون من الخمسينيات في كوريا الجنوبية من اجل حمايتها من عدوان كوريا الشمالية، كما سيؤدي إلى تخفيض الترسانة النووية الأمريكية إلى 3500 رأس نووي بقدوم عام 2007، ويضمن لأمريكا حق الهيمنة الاستراتيجية الكاملة من غير منازع طوال القرن الحالي. تلك هي الامنيات التي تتعلق بنجاح المشروع ولكن كل التجارب الكثيفة التي أجريت خلال السنوات الماضية لم تكن واعدة بأي شيء، فضلا عن ان تبرهن عن أي نجاح، فقد فشلت جميع الاختبارات الأولية التي أجريت لاثبات ذلك الفرض، ولذلك حق لمحلل شبكة «ايه.بي.سي» ان يقول ان بوش يخاطر بانفاق مبلغ مهول من المال على ذلك المشروع ثم لا يبالي بأن يضيع ذلك المبلغ هباء، كما لا يبالي بالخسائر الدبلوماسية العديدة التي تحصدها أمريكا حاليا بسبب تمسكها بذلك المشروع. الاحتجاجات والتحفظات وبالفعل فإن أمريكا تبدو لا مبالية باحتجاجات وتحفظات معظم دول العالم على المشروع. وقد كان مثيرا ان أولى تلك الاحتجاجات انطلقت من كوريا الجنوبية التي زعم الأمريكيون انهم ابتكروا ذلك المشروع من اجل حمايتها من عدوان صاروخي محتمل تشنه عليها كوريا الشمالية. لقد زاد استياء الكوريين من ان اعلان المشروع الأمريكي جاء في وقت تتقارب فيه خطوات اللقاء بين الشقين الكوريين على ضوء حوار «الشمس المشرقة» التي أثمرت اعلان كوريا الشمالية توقفها عن اجراء أية تجارب صاروخية حتى 2003، لكن الطرف الأمريكي لم يقابل تلك الخطوات الايجابية الا بتجديد إدراج كوريا الشمالية في قائمة الدول «الحمراء» الارهابية وباعلان الرئيس بوش لعدم وجود أية خطة لديه لمواصلة الحوار الذي بدأته ادارة كلينتون مع كوريا الشمالية، وفي ذلك ما فيه من اشارة إلى عدم رضا الادارة الحالية لسياسة الحوار الايجابي التي اكسبت الرئيس الكوري الجنوبي كيم دينج جانج جائزة نوبل للسلام في العام الماضي. ومن الصين انطلقت أقوى اعلانات الرفض القاطع لسياسة الدرع الصاروخية، لأن تلك السياسة ـ إن نجحت ـ فستلغي كل فعالية للأسلحة الصاروخية التي طورتها وتطورها الصين لبسط نفوذها في الباسفيكي، ولاسترجاع تايوان. ولكن الصين في رفضها لتلك السياسة لم تتذرع الا بابداء مخاوفها من عواقب الغاء اتفاقيات الحد من الاسلحة الاستراتيجية، وبالتالي استئناف مختلف الدول لسباق التسلح الذي هدأ كثيرا بعد الحرب الباردة. وفي المحيط الآسيوي لم يستغرب ان تبدي الهند موافقتها ودعمها للمشروع الأمريكي، فقد بدأت خطوات التقارب مع واشنطن منذ ان استولى المتطرفون الدينيون والقوميون على الحكم في الهند، كما لم يكن مستغربا ان تبدي باكستان معارضتها الشديدة لها على لسان مشرّف، واثناء زيارة رئيس الوزراء الصيني تشورونجي لباكستان، فمصالح الهند وباكستان ومصائرهما الاستراتيجية على التباين التام لايزال كل منهما مشدود إلى أفق آخر، فالهند تخشى على أمنها من الصواريخ البالستية الباكستانية المنتجة بعون تقني صيني، وهي تأمل ان يقوم المشروع الدفاعي الأمريكي بحمايتها من التفوق الصاروخي الباكستاني، بينما تخشى باكستان من نمو التطرف السياسي والقومي في الهند وما يتبع ذلك من تصعيد. أما اليابان فلقد كانت أعقل من الهند، فهي على حاجتها الشديدة للمشروع الدفاعي الأمريكي لكي يحميها من التفوق الصاروخي الصيني والكوري الشمالي، الا انها لم تبد أية حماسة لذلك المشروع، وتحفظت ازاءه كثيرا خشية ان تؤدي موافقتها أو تأييدها إلى تهيج الصين، وقد أخبر اليابانيون المبعوث الأمريكي الذي ذهب ليقنعهم صراحة بذلك العامل المحذور. وتراوح رد الفعل الروسي بين التريث والرفض المتحفظ وذلك بالرغم من ان روسيا هي أكثر الدول التي ستتأثر بمغبات ذلك المشروع، ذلك انه يعني الغاء أهم اتفاقيات عهد الوفاق، وهي اتفاقيات الحد من انتشار الاسلحة النووية والصاروخية واطلاق يد واشنطن لتتسلح بأي قدر تشاء وان كان الافتراض الموازي يقول بأن روسيا سيكون لها ايضا مطلق الحرية لتجاري الولايات المتحدة في هذا المضمار، فإن ذلك الافتراض «النظري» سيرتطم بالواقع، إذ ان الاقتصاد الروسي لا يمكنه مساندة أي سباق تسلح جديد مع الولايات المتحدة. ولعل ردود فعل بعض الدول الاوروبية كانت اقوى من رد الفعل الروسي اذ لم تتردد بعض تلك الدول في ادانة التفكير «القطري» لدى الادارة الأمريكية واتجاهها إلى وضع اوروبا امام الامر الواقع بعدم اشراكها في التخطيط للسياسات العالمية فمشروع مسرح التقنيات المعترضة للصواريخ، من المفترض ان يشمل قواعد اوروبية كثيرة وذلك امر يتطلب استمزاج الرأي وأخذ الإذن المبكر للاستخدام وهي اعتبارات تجاهلتها واشنطن التي لم تتكرم حتى بشرح تفاصيل المشروع او الاجابة عن الاسئلة التي وجهها لها مندوبو الدول الاوروبية برئاسة حلف (الناتو) ببروكسل كما اتفقت معظم التحليلات الاوروبية على ان المشروع الأمريكي يجلب خطرا جديدا بتسجيله لسابقة نقض المواثيق الدولية التأسيسية في مجال الامن الجماعي. الدواعي العملية ولكن كل تلك التحفظات والاعتراضات رغم موضوعيتها لم يكن لها ادنى معنى عند الادارة الأمريكية التي أبدت تصميما لا ينتظر ان تتراجع بعده عن ذلك المشروع الغريب الذي يبدو وكأنه من نسج الاحلام او كأنه مجرد تجديد قسري واجترار لأوهام اليمين الديني الأمريكي التي كانت تتركز حول «هرمجدون» و«الهولوكوست النووي» وهمس الاوهام التي انطلت على ذهن الرئيس الاسبق رونالد ريجان ودعته إلى اطلاق مشروع «حرب النجوم» وتدعو الان احفاده إلى التفكير في ما هو أخطر من ذلك بكثير. ان المشروع الأمريكي الاخير يستهدف عسكرة الفضاء ونقل الاسلحة النووية والصاروخية، وهذا ما أشار اليه صراحة وزير الدفاع الأمريكي في حديثه بتاريخ 7 مايو الحالي عن اتجاه البنتاجون لانشاء سلاح رابع باسم سلاح الفضاء الذي يمكن ان يستخدم آليات الليزر لاعتراض واسقاط الصواريخ البالستية الموجهة إلى أمريكا او حلفائها وكذلك اسقاط الاقمار الصناعية الموجهة لاعتراض الاقمار الصناعية الأمريكية. ويتضمن المشروع ابتكار وتصنيع طائرات فضائية لنقل الاسلحة كونيا بأسرع مما تقدر عليه الطائرات الحربية واستخدم ذات الطائرات لاغراض التجسس تماما كما تستخدم الاقمار الصناعية. ومع ان وكالة الفضاء الأمريكية فكرت من قبل في مشروع تلك الطائرة وألغت الفكرة بسبب ضخامة التكاليف الا ان الاتجاه السائد حاليا هو نحو احياء تلك الفكرة من جديد. ان اكثر افكار ذلك المشروع الخطير قد لا تكون واقعية وقد تفشل تباعا عند التجريب ولكن انصار المشروع المتكاثرون لا يعبأون بشيء من ذلك وهم يتذرعون في تعنتهم بأن فشل كل تجارب انجاز ادوية الايدز والسرطان لا تعني التوقف عن المحاولة والتجريب كما ان الشركات المتصلة بصناعة الفضاء وجلها ذات هوى جمهوري تدفع كثيرا من وراء الستار باتجاه ان يزيد الكونجرس من ميزانية الدفاع وان يزيد مخصصات المشروع الجديد من تلك الميزانية لأنصار اسرائيل شأن آخر في دعم ذلك المشروع المأمول لحماية اسرائيل من اي اجتياح صاروخي. وهكذا تتعضد دواعي الوهم والخرافة بدواعٍ مصلحية وواقعية ستدفع بالقيادة الأمريكية إلى العناد والتصميم القاطع للمضي بمشروع الدرع الصاروخية إلى اقصى الخطوات الممكنة.