يعطي المتتبع للأحداث السياسية بصفة خاصة، والمواطن العربي بصفة أخص اهتماماً كبيراً وبالغاً لما يحدث في الجزائر من تسارع في الأحداث والمستجدات السياسية، والأمنية التي لا يمر يوم إلا ويسمع الجديد عنها، فتكتب الصحف ما التقطته من معلومات جديدة، ويتكلم الشارع بلغته، فتظهر المزايدات وتعطي كل جهة الصبغة التي تريدها والتي تنشدها ضمن توجهها السياسي أو في إطار مصلحتها السياسية والاقتصادية. إن الوضع السياسي الراهن في الجزائر ليس وليد الصدفة، وهذا الظرف الاستثنائي الذي خرج من استثنائه ليأخذ طابعاً عادياً للحياة اليومية للفرد الجزائري ليس بظرف مستقل عن باقي الظروف السياسية، التاريخية، الاجتماعية والثقافية وحتى الظروف الذاتية والمعنوية للمجتمع الجزائري. لقد ساهمت السنوات الطويلة، التي عاشتها الجزائر وما زالت تعيشها من حالة عدم استقرار أمني وعدم استقرار سياسي، وركود اقتصادي وتدهور اجتماعي ألمّ بكل جوانب الحياة اليومية، ساهمت في جعل الأزمة الجزائرية أعقد وربما أكبر أزمة تعرفها إحدى دول الأمة العربية، وذلك من خلال تشعبها، ومن خلال تجذرها، حتى أصبح من الصعب ومن المستحيل أن يفكر هذا المتتبع للأحداث في وجود حلول عاجلة أو قريبة المدى لهذه الأزمة. لقد كان مجيء الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة على رأس الجمهورية الجزائرية وتبنيه لمشروع الوئام المدني، قد بعث في بدايته الأمل الكبير في نفوس الجزائريين الذين استبشروا خيراً بهذا المشروع وصادق عليه أغلبيتهم في استفتاء وطني أخذ طابع الأحداث السياسية الكبيرة والمهمة، وسال عليه حبر كثير لدى الصحافة الجزائرية الحكومية منها والمستقلة، كما لقي ترويجاً كبيراً ودعاية لا مثيل لها لدى الصحافة والإعلام الأجنبي عامة والإعلام الفرنسي بصفة خاصة. لقد دعا مشروع الوئام المدني، بدون الدخول في تفاصيله الجزئية، إلى الوصول إلى قاعدة سياسية واجتماعية، إلى تأسيس قاعدة وطنية جزائرية جزائرية هدفها تحقيق السلم والسلام في الجزائر، هدفها لم شمل الجزائريين، هذه العبارة التي كانت تتردد على مسامع الجزائريين مرات عديدة في اليوم في فترة الترويج لهذا المشروع من طرف رئيس الجمهورية، ومن طرف كل السياسيين المساندين لهذه العملية السياسية التي تعدى طموحها، وتعدت أهدافها ونواياها الواقع الجزائري، وأهملت الأسباب والمسببات التي أوصلت الجزائر والجزائريين إلى هذه الوضعية السياسية والأمنية التي لا سابق لها، ولا مثيل لها في كل الأبعاد الزمنية والمكانية. والغريب في الأمر، أن أغلبية الفئات والتكتلات السياسية وحتى بعض الأحزاب المعارضة منها وافقت على هذا المشروع، ورحبت به واحتكرت نشاطها السياسي للدعاية له وإعلام المواطنين به وشرحه وتفسيره، وانصهرت في حكومة ائتلافية واحدة، ضمت الاتجاه الديمقراطي، والتوجه المحافظ، والاتجاه الإسلامي. فالإبقاء على الوضع السياسي والأمني في حالته الراهنة، أي في وضعيته المتدهورة هذه لا يمكن أن يكون عفوياً وانما هناك عوامل مساعدة على ذلك، وهناك اعتبارات مصلحية، مالية، ومنفعية كبيرة جداً تتعدى تصور أي انسان لم يعش في الجزائر، ولم يتفهم جيداً الواقع الجزائري، فالثروة الهائلة التي جنيت من طرف هذه الفئة المقررة، وصانعة القرار في الجزائر، والتي ضخمت هذه الثروة إلى حد الخيال في فترة ما يسمى بالإرهاب وعدم الاستقرار الأمني، هذه الظروف قد جعلت من الشارع الجزائري ولفترة طويلة يتناسى أو يتغاضى عن طلب حقوقه المشروعة، وجعلت المواطن الجزائري يعيش حالة من الرعب والخوف والذعر يومياً وبطريقة مستمرة ومتواصلة، وبالتالي أصبح همه الوحيد هو الوضع الأمني، ومحاولة تفهمه وتفهم جوانبه وخفاياه المختلفة والمتعددة، مهملاً بذلك وبطريقة عشوائية وضعه الاجتماعي المتأزم، وظروف معيشته المتدهورة، فزاد الفقر، وارتفع معدل البطالة، وظهرت الكثير من الآفات الاجتماعية الخطيرة، وكان الفرد الجزائري البسيط والمتوسط الضحية الحقيقية لهذه الأزمة الشاملة والمتشعبة. وفي هذه الظروف، التي بقيت تسمى بالاستثنائية، وكما يقول الشاعر: «مصائب قوم عند قوم فوائد» فقد استغلت زمرة من الناس ويخص بالذكر فئة صناع القرار هذا الوضع لتتربع على ثروات هائلة، استخلصتها من الريع البترولي ومن التصدير الأحادي للثرورة المعدنية الجزائرية من بترول وغاز، ومن احتكار كل القطاعات الحساسة في البلاد كقطاع الاستيراد والتصدير، الجمارك وكذا قطاع البنوك، فهذه المداخيل الكبيرة التي لم يظهر لها أثر إيجابي على الواقع اليومي للمواطن الجزائري، فلم يعلن عن أي مشروع استثماري حقيقي، ولم تتبن الدولة أية مؤسسسات اقتصادية حقيقية كفيلة بإخراج الشعب الجزائري من وضعيته المتردية هذه، بل بقي المجال محصوراً في خطابات سياسية جوفاء، وفي لغة سئم الشعب الجزائري منها، في سياسات استبدادية متواصلة ومنظمة، وبقي المواطن الجزائري مهمشاً وبات المثقف الجزائري، والباحث الجزائري، والعالم الجزائري بعيداً عن سياسة صنع القرار في الجزائر، وبعيداً عن الشئون المهمة التي تخصه وتخص مستقبله. فكيف يريد المتطلع إلى الأحداث السياسية في الجزائر، أن ينجح مشروع الوئام المدني، وكيف تجني هذه الخطة ثمارها، إذ أهملت كما سبق وأن ذكرنا العوامل الأساسية للأزمة في الجزائر، ورمت بجانب كل تضحيات الشعب الجزائري، ومأساته وآلامه، وكيف ينجح مشروع الوئام المدني، إذا وصف الخطاب السياسي المعتدل، لغاية كان ينظر لها على أنها غاية وطنية ونبيلة، تخدم المصلحة العامة للشعب الجزائري، وتخرج هذا الشعب الذي عانى الكثير وضحى تضحيات كبيرة من أزماته. ومن الجانب الآخر فقد رأت بعض أطراف المعارضة السياسية في الجزائر، وعلى رأسها جبهة القوى الاشتراكية في هذا المشروع عملية سياسية دعائية، هدفها الحقيقي ليس إلا ترويجاً سياسياً لا غير، يراد به الهروب من حقيقة الوضع السياسي في الجزائر، وبالتالي الهروب من المسئولية المترتبة على رئيس الجمهورية، وخاصة على الفئة السياسية العسكرية التي تتحكم في زمام الأمور، والتي ما فتئت تتخذ القرارات السياسية، الاقتصادية والاجتماعية في مكان المواطن الجزائري، ودون استشارته في أغلبية الأحيان، هذه المسئولية التي ليست إلا إيجاد الحلول السياسية، الاقتصادية الحقيقية، القائمة على دراسة الوضع الجزائري دراسة كاملة شاملة، والقضاء على الأساليب الموضوعية التي أصبح يعرفها حتى المواطن البسيط في الجزائر، والتي تتمثل في توفير ظروف حياة كريمة للمواطن الجزائري، زيادة إلى توفير فرص العمل، استغلال الثروة الجزائرية الهائلة استغلالاً عادلاً، وإقامة مشاريع اقتصادية حقيقية، بعيدة عن لغة الكذب والمغالطة التي تعب وسئم منها الشعب الجزائري، ولم لا نأخذ أمثلة من بعض الدول العربية، والتي بفضل معرفة وحكمة حكامها، ورشادهم قد شيدت مجتمعات يضرب بها المثل على الساحة الدولية، في نجاحها، ووصولها إلى مستوى من التقدم الاقتصادي، الاجتماعي والتكنولوجي، وحتى من المهارة السياسية سواء على مستوى السياسة الداخلية أو على مستوى العلاقات الدولية، والسياسة الخارجية التي تتبناها، تباهي بها الدول الأوروبية. إن الوئام المدني في الجزائر، فكرة نبيلة في منظورها النظري البحت، لكنها مستحيلة التطبيق في الواقع المعاش، طالما أن الظروف التي أنجبت هذا الوضع الأمني المتردي، لم تستأصل من جذورها، وطالما بقي المواطن الجزائري عنصراً ملاحظاً فقط، بعيداً عن المشاركة الحقيقية في بناء مجتمعه، وطالما بقي مهمشاً عن العمل الحقيقي الذي يبني به مجتمعه، ويخرجه من هذه الأزمة الخانقة التي يعيشها. إن مشروع الوئام المدني الذي تبناه الرئيس الجزائري، لم ينجح في الجزائر، ولم يعد الشعب الجزائري يثق في صلاحيته، وفعاليته كثيراً فذلك الأمل الضئيل الذي ملأ أغلبية قلوب الجزائريين في بدايته قد بدأ يزول شيئاً فشيئاً، ولم يظهر في الواقع أية بوادر تدل على نجاح هذا المشروع، فما زالت العمليات الإرهابية مستمرة، وما زالت الاغتيالات الفردية والمذابح الجماعية متواصلة، ولا يمر يوم إلا ويستيقظ الجزائري على أخبار مؤلمة، أخبار جعلت الجزائر ـ وللأسف ـ على لسان من هب ودب. وما زالت الجماعة، أو إذا أمكننا تسميتها الحلقة المغلقة، أو رجال الخفاء من جنرالات تسيطر على عملية صنع القرار وتهيمن بيد من حديد على كل مجريات الأمور في الجزائر، وتستغل الثروة الجزائرية استغلالاً تعسفياً، ولفائدة الإرهابي القاتل السفاح، إذا أصبت في الترجمة، «بالناس القيمين والمحترمين للأمة»، وكيف يحقق السلام في الجزائر، لما يرى ذلك المواطن الجزائري المسكين، ذلك الضحية للإرهاب، لما يرى ذابح ابنه أو أخيه، أو أحد أفراد عائلته يتجول في نفس الشارع أو الحي معه، متميزاً بحصانة أكفلها له قانون الوئام المدني، وكيف يتم لم شمل الجزائريين إذا بقي الشعب الجزائري يرى ويسمع أسماء شخصيات سياسية، أكل الدهر وشرب عليها، كان لها الدور الكبير والفعّال في خلق الأزمة الجزائرية، تعود من جديد إلى الساحة السياسية، وبقوة أكبر ولمناصب استراتيجية وحساسة، بعد موت أو ركود شابه ركود فتية الكهف، دام أكثر من عقد من الزمن وكأنه ليس في الجزائر رجال متمكنون لتقلد مثل هذه المناصب، في زمن يشاهد المتتبع للأحداث السياسية، وفي أغلبية الدول، وحتى بعض البلدان التي عرفت أنظمة ديكتاتورية استبدادية، تحاكم، وتحول على المحاكم حكامها السابقين، وتحاول بذلك طي الصفحات السوداء من تاريخها، فاتحة بذلك صفحات جديدة مبنية على القيم الجضارية الديمقراطية والعادلة، وتخرج الجزائر باستثنائها عن القاعدة الحضارية، وتحافظ السلطة وباستعمالها لمباديء الثورة والخطاب السياسي التاريخي، وكل وسائل القمع الأخرى على تواجدها، وعلى دوامها، فهذه كلها عوامل تحول دون نجاح هذا المشروع. فقانون الوئام المدني والمشروع المنبثق منه على حساب أغلبية المثقفين والديمقراطيين المتتبعين للساحة السياسية في الجزائر ليس إلا صورة أو وجهاً يريد النظام السياسي في الجزائر أن يظهره للعالم، مستغلاً بذلك شرعية طال وهو يبحث عنها، ومحاولاً بذلك الاندماج في النظام الدولي الذي بقي وما زال محظوراً عنه منذ عقد ونصف من الزمن. ـ باحث جزائري