على الرغم من ان العديد من الجماعات المسلحة ألقت السلاح وسلمت نفسها للعدالة للاستفادة من قانون العفو الذي أقره لها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة غداة انتخابه رئيساً للجزائر إلا ان البعض من هذه العناصر خاصة عناصر الجماعات المسلحة، التي يقودها عنتر الزوابري وحسن حطاب لا تزال ترفض مشروع السلم المدني الذي طرحه الرئيس الجزائري، ولا تزال إلى اليوم تزرع الموت في صفوف الشعب الجزائري الذي تكاتفت جهوده مع جهود الجيش وعزما على محاربة ما تبقى من هذه العناصر الدخيلة على المجتمع الجزائري حيث تبين ان معظم هذه العناصر تحمل حقداً دفينا للجزائر وقد وقف أهاليهم مع الاستعمار الفرنسي، منهم من شارك في حملات التعذيب التي كان الجيش الفرنسي يمارسه على الشعب الجزائري، وأصبح هؤلاء العملاء يلقبون بعد الاستقلال بـ «الحركة» أي الخونة، والعديد منهم هاجر من الجزائر متوجهاً إلى فرنسا، ومنهم من بقي يعيش بين صفوف الشعب بعد ان غادر بلدته وذهب ليعيش في بلدة أخرى. وهاهم أولادهم يواصلون اليوم سياسة آبائهم بلا وازع ديني أو أخلاقي أو وطني، وقد صرح العديد منهم على شاشات التلفزيون انه يرفض استقلال الجزائر ويفضل لو بقيت مستعمرة فرنسية التي ناضل آباءهم عليها، وقد تستروا بالدين لزرع الفتنة والموت بين الشعب، وأكثر من ذلك كله شكك هؤلاء الخونة في ولاء ونزاهة الجيش الجزائري سليل جيش التحرير الوطني، والذي يعترف كل جزائري بالدور الذي لعبه ولا يزال يلعبه في اجتثاث جذور الارهاب ولولا يقظة هذا الجيش الذي يتمتع برصيد ثوري لكانت الجزائر سقطت في حرب أهلية تقضي على الأخضر واليابس. تفكيك الأمة المعضلة الأمنية لا تزال تداعياتها وآثارها تنهش الجسد الجزائري إذ ان العديد من عناصر الجماعات الارهابية تعتقد ان استمرارها في عملياتها سيضعف بنية النظام السياسي ومع ذلك فإن هذا النظام السياسي التي تحاربه استطاع خلال السنوات الأخيرة ان يكسر شوكة أهم معاقلها ومع كل هذا التحسن في الحالة الأمنية فإن الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة يجد نفسه في وضع لا يحسد عليه لأن أبعاد الأزمة معقدة لا تنحصر في البعد الأمني فحسب، بل ان لها أبعادا اقتصادية واجتماعية بل وثقافية كذلك، ويسعى الرئيس جاهدا إلى تفكيك خيوط هذه الأزمة المتشابكة التي لا تزال تراوح نفسها مع ان تقدما ملموسا حصل على الصعيد الأمني يظهر ذلك في تراجع عدد الاغتيالات والمجازر كتلك التي كنا نسمع بها في السنوات الماضية، وتعد المشكلة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من بين أكبر التحديات التي تواجه الرئيس الجزائري خاصة ان الشعب الجزائري لا يزال ينتظر منذ حوادث عام 1989 حل مشكلاته الاجتماعية على رأسها البطالة وارتفاع أسعار المواد الأساسية إلى جانب مطالب الأحزاب الأمازيغية بالاعتراف بالهوية البربرية كهوية رسمية. كما ان التحدي الأكبر للرئيس الجزائري يتمثل في نقل الاقتصاد الجزائري من حالة الركود التي هو عليها حاليا إلى حالة الانعاش، وذلك يتطلب جهداً كبيراً خاصة أن الاقتصاد الجزائري كان خاضعاً لمركزية الدولة التي كانت أحد أسباب الانهيار الاقتصادي حيث تراجع الأداء الاقتصادي، وتعطلت معظم القطاعات الصناعية الكبرى وأصبحت آلاتها قديمة لا تساير الواقع الاقتصادي والتجاري الدولي الجديد الذي يغلب عليه نمط اقتصاد السوق، وهذا ما ظهر من برنامج الرئيس الجزائري الذي قال فيما يعنيه ان الأزمة الجزائرية أبعادها اقتصادية أكثر ما هي سياسية وأمنية. وأول ما اشتغل عليه هو احداث قوانين اقتصادية جديدة تحل محل القوانين السابقة، وهكذا بدأت الجزائر تشهد حركة اقتصادية جديدة، وبدأنا نسمع عن شركات تابعة للقطاع الخاص تنافس شركات الدولة، وبدأت الجزائر تتطلع إلى التكيف مع الاقتصاد الدولي وفتحت أسواقها أمام المستثمرين الأجانب الذين بدأوا يتوافدون عليها حتى ان المنافسة بين الشركات الأوروبية على أوجها، ودخلت الحلبة الشركات اليابانية والأمريكية للحصول على حصص لها لتصريف بضائعها. وعلى الرغم من التقدم الطفيف الذي يعرفه القطاع الاقتصادي في الجزائر إلا ان عملاً كبيرا شبيه بالمعجزة لا يزال ينتظر صناع القرار في هذا البلد، على الرغم من ان مداخيل اضافية تحققت في السنوات الأخيرة من جراء ارتفاع أسعار النفط ولكن الجزء الكبير من هذه المداخيل يقتطع لدفع الديون التي تجاوزت الثلاثين ملياراً من الدولارات، لذلك بدا التفكير في تفعيل القطاع الاقتصادي والتجاري العام منه والخاص لزيادة حجم الصادرات، وبالتالي زيادة مداخيل اضافية للخزينة وهذا يساعد على تغطية احتياجات الشعب من المواد الغذائية وما تحتاجه القطاعات الصناعية من عتاد وقطع غيار وغيرها. أي ان سياسة الحكومة تتجه نحو تنويع المداخيل وعدم الاكتفاء بمداخيل الريع النفطي وهذه سياسة نرى انها عقلانية لأن حصول الحكومة على مداخيل اضافية غير النفطية سيعطيها المقدرة على معالجة مشكلات الشعب الاقتصادية والاجتماعية وسيكون بمقدور الحكومة ان تفتح قطاعات صناعية أخرى تمتص البطالة، كما ان المنافسة بين القطاعات الصناعية من شأنها ان تخفض أسعار المواد الأساسية كالخبز والحليب والخضروات وبالفعل بدأت بعض ملامح التغيير الايجابي تظهر في الواقع، وكما قلنا سابقا فإن عملاً كبيراً ينتظر بوتفليقة وحكومته ونجاحهم شبيه بالمعجزة ونحسب انه يمكن تحقيقها ما دامت الارادة صادقة. لعبة التوازنات ان أبعاد الأزمة الجزائرية يمكن قراءتها أيضا من خلال لعبة التوازنات الدولية والصراعات بين القوى الدولية حول توزيع الأدوار فيما بينها في النظام الدولي الجديد الذي بدأت تتشكل ملامحه بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المنظومة الاشتراكية، فقد وجدت العديد من الدول الأوروبية الغربية انه من الضروري للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ابعاد الدول العربية الفاعلة من على المسرح الدولي، وذلك بتضييق الخناق عليها داخليا وإدخالها في دوامة من المشكلات الداخلية التي تبعدها عن الحياة الدولية من جهة وتقضي على مشروعها التنموي من جهة أخرى. وهكذا تحول الجزائر في ظرف عشرية من الزمن إلى دولة مثقلة بالديون لا أثر لها في الحياة الدولية وأكثر من ذلك كله دولة امتدت آثار أزمتها إلى الدول المجاورة لها كالمغرب وتونس وموريتانيا وليبيا، فهذه الدول التي أسست اتحادا اقليميا في عام 1989 لم يعد لاتحادها وجوداً اليوم وأكثر من ذلك كله أثرت الأزمة الجزائرية على الدور الذي كانت الجزائر تتطلع إليه في المحيط الأوروبي المتوسطي، فهذا الدور لا يرضي بعض دول الاتحاد الأوروبي خاصة دول أوروبا الجنوبية كفرنسا وايطاليا واسبانيا. وأصبحت هذه الدول تتنافس فيما بينها حول من تكون له الغلبة في الاستحواذ على الأسواق الجزائرية والمغاربية، فعدم الاستقرار في الجزائر بنظر هذه الدول انه يخدم مصالحها أولاً ولكن تراقب الوضع من بعيد من خلال وجودها في الحلف الأطلسي الذي بدأت له اهتمامات بالضفة الجنوبية من الحوض. والملاحظ ان الدول الأوروبية التي تشن الحملات الإعلامية على الدول المغاربية تتخوف من احتمال ان تنتقل إليها عدوى الارهاب لكنها في الوقت ذاته تحتضن على أراضيها العديد من الجماعات الارهابية ولا تلاحقها قانونيا لأنها تدعي انها دولاً تحترم حقوق الانسان وحرية الرأي. والملاحظ ان الجزائر بعد تولي عبدالعزيز بوتفليقة الرئاسة تمكنت إلى حد بعيد من تفكيك المعضلة الأمنية وإن كانت بعض العناصر التي لم تلق سلاحها لا تزال تواصل عملياتها وتمكن الرئيس الجديد بشهادة العديد من الملاحظين للشأن الجزائري من إعادة الجزائر إلى الحياة الدولية في ظرف قياسي وهذا التحول الايجابي في أزمة الجزائر لم يرض الدوائر الأوروبية التي تفضل ان تبقى الجزائر تعيش في دوامة الارهاب الأعمى فبدل ان تقدم مساعدات واستشارات للخروج من الأزمة راحت تشن حملتها الاعلامية على الجزائر مشككة في مقدرة النظام الجزائري على تجاوز محنته، ونعتقد ان الجزائر قطعت أشواطا من محنتها ولم يتبقي لها الكثير لتحقيق الاستقرار الأمني الذي سيكون مقدمة نحو الإنعاش الاقتصادي والذي سيعيد الجزائر إلى الدور الذي كانت تلعبه في الساحة العربية والدولية خاصة ان الواقع الدولي الجديد يتطلب منها أدواراً تدعم بها الصف العربي. ـ كاتب جزائري