لم يكد الضوء الذى تسلل قبل عامين في جدار العنف الجزائرى يخفت قليلا، بعد ان ظل اليأس خلالهما يطارد آمالا عريضة، اطلقتها مبادرة الرئيس الجزائرى عبدالعزيز بوتفليقة للعفو العام عن فئة عريضة من المسلحين قاتلوا السلطات لسنوات عدة، عانت فيها البلاد والعباد من أهوال لم يشهد الجميع مثيلا لها منذ حمل الاستعمار الفرنسى عصاه تاركا الجزائر لابنائها. لم يكد ضوء الآمال يخفت حتى شهدت الجزائر ومناطقها القبائلية موجة من الاحتجاجات العنيفة، ليزداد الوضع الشديد التعقيد الذى ظلت تعانيه الجزائر منذ العام 1991 حرجا يهدد معه الكيان الجزائرى برمته، فطيلة السنوات العشر السابقة، او العشرية السوداء كما يحلو للكثير من المثقفين الجزائريين وصفها في ادبياتهم، كانت المشكلة وبواعثها وأطرافها وربما ملابساتها وتعقيداتها معروفة للجميع، وان ساهمت طرق الحل التى طرحت طيلة تلك الفترة في زيادة تعقيد المشكلة وتعسير وسائل حلها. أما في موجة العنف الاخيرة فان الامر يبدو مختلفا، اذ ان القبائل البربرية التى كانت تقف تقليديا إلى جانب الحكومة وهى تخوض حربها ضد الجماعات المسلحة التى كان يطلق عليها الجماعات الاسلامية والتى وجهت اليها اصابع الاتهام بالمسئولية عن الموجة الدموية التى اجتاحت البلاد طولا وعرضا والتى لا تزال بعض الفصائل منها التى تعيش في الجبال رافضة القاء السلاح إلا بعد الحصول على عفو عام، هذه القبائل هى التى تقوم باعلان التمرد على الحكومة المركزية وتلتقى في موقفها المضاد للسلطة مع الموقف الذى تقفه الجماعات المسلحة، وبشكل تزداد معه الامور تعقيدا، وبدرجة ليست تهدد مستقبل الوفاق في البلاد فحسب، بل وتهدد حتى مستقبل النظام نفسه، وهو الذى كان قد أخذ أمر اعادة الهدوء إلى البلاد على عاتقه، واكد أكثر من مرة ان استقالته جاهزة اذا فشل الوئام في اعادة الاستقرار إلى الجزائر. هنا يصبح الأمر مغايرا ففى الحالة الاولى حيث الجهود موجهة لمحاربة الارهاب واعادة الهدوء إلى البلاد، اما في الحالة الاخيرة فان الدولة لن تكون قادرة على تحمل عبء اضطرابات جديدة ستكون هذه المرة شديدة الانهاك، لبلد يعانى اصلا من انهيار حاد، كان احد اسبابه رهن مقدرات الجزائر ومواردها من أجل تحقيق انتصار للدولة على الارهاب، رغم ان الهدف لم يتحقق بشكل كامل، بل وتشير الوقائع التى شهدتها الجزائر اعتبارا من شهر رمضان الماضى بل وصبت النتيجة في اتجاه القول بأن الدولة بكل أجهزتها، وبالآمال العريضة التى اطلقها وئام بوتفليقة، قد فشلت في السيطرة الكاملة على الاحداث، حتى بات الامن بسببها شبه مفقود. اخفاق الرئيس هكذا تحولت كل المحاولات التى قام بها الرئيس بوتفليقة منذ توليه رئاسة الجمهورية، لاعادة الاستقرار إلى بلاده وارجاع الدور الذى كانت تقوم به على المستوى العربى والافريقى والدولى، إلى سبب لانتقادات متتالية له، بدلا من ان تكون مثارا للثناء، ولدرجة ان النجاح الكبير الذى حققه بمقدرة فائقة حين استطاع وقف نزيف الحرب الدموية التى اندلعت على ثلاث جولات بين اثيوبيا وأريتريا، وصولا إلى جمع رئيسي الدولتين أسياسى أفورقى وملس زيناوى في العاصمة الجزائرية وتوقيع اتفاق السلام الذي حضرته وزيرة الخارجية الامريكية السابقة مادلين اولبرايت، هذا الاتفاق الذى يفترض ان يكون مثارا لفخر الشعب الجزائرى بعد ان عاد به للعب الدور المؤثر والمهم الذى كانت الدبلوماسية الجزائرية تقوم به بكفاءة في السبعينيات، تحول هو الآخر إلى نقطة انطلاق لانتقادات عدة، اتهمت بوتفليقة بترك المساعى لايجاد حلول لازمات بلاده، والبحث عن حلول لأزمات خارجية، ولعل هذا الانتقاد ما زال يتردد بالداخل، رغم ما يحظى به من تقدير دولى. المشكلة التى تعانيها الجزائر ذات ابعاد متعددة، وهى لا تكمن فقط في المطالب التى يرفعها البربر حاليا والتى يتم من خلالها التحدث عن الاعتراف بالهوية، واعتماد اللغة الامازيغية بموازاة اللغة العربية التى ينص عليها دستور البلاد. وهى ايضا لاتكمن في الصراع الذى لايزال يجرى بطول الأراضى الجزائرية وعرضها، تلك الدولة المترامية الاطراف، والتى يطلق عليها اهلها بـ «القارة» في مبالغة قد تكون حاملة لشيء من ملامح الواقع، هذا الصراع الذى لايزال مرشحا لمزيد من التأجج مادامت ظروف استمراره مشتعلا باقية. غنيمة الحرب ان الجزائر المحتشدة بالعديد من المشاكل التى يختلط فيها فقدان العدل الاجتماعى باقصاء الآخر، وسيادة حالة من اليأس بين الشباب الذين يمثلون غالبية الشعب الجزائرى، والتناقض الحاد بين ثقافتين يتصارعان فيها ويتجلى ذلك الصراع واضحا فيما يجرى على مختلف الأصعدة، بين أنصار اللغة العربية، وأنصار اللغة الفرنسية أو الفرانكوفونيين، هؤلاء الذين يرددون دائما ان تلك اللغة الفرنسية يجب اعتبارها غنيمة حرب تم اقتناصها من المستعمر السابق، كل تلك المشاكل يمكن ارجاعها إلى سبب كبير كان وراء اندلاع الاحداث واتخاذها هذا الشكل الدموى الرهيب، اذ ان الفقر الشديد الذى يعانى نصف السكان في الجزائر منه والذى قالت عنه منظمة العفو الدولية في تقرير اخير لها، انه وصل إلى درجة ان كل هؤلاء يعيشون تحت خط الفقر، وأن الدخل اليومى لما يزيد على خمسة عشر مليون انسان في الجزائر أي نصف عدد السكان الرسمى يقل عن دولار واحد في اليوم. هذا الفقر الحاد الذى تتحالف لانتاجه البطالة والخلافات السياسية المتواصلة والصراعات التى تجرى بين النخب، والتى باتت غذاء يوميا للتطرف والعنف والانتقام بل واليأس والفوضى، يمكن رؤية مظاهره بيسر عند الدخول إلى حي القصبة في العاصمة الجزائرية، حيث يجلس مئات الشبان على ارصفة ازقته الدائرية الضيقة، وعلى جنبات الشوارع المؤدية اليه، وهذا الحى تحديدا هو الذى شهد بداية اندلاع العنف، حين حملت الجماعات المسلحة السلاح ضد السلطة المركزية التى كانت قد ألغت اعلان نتائج الانتخابات التشريعية التى كان متوقعا ان يكتسح فيها أنصار الجبهة الاسلامية للانقاذ معظم المقاعد، بعد ان كان حى القصبة رمزا لبداية المقاومة ضد الاحتلال الفرنسى وهى المقاومة التى استمرت نحو قرن وربع القرن، وضحت الجزائر فيها من أجل الدفاع عن الوطن والحصول على الاستقلال بمليون شهيد، لينتهى هذا المجد الخارق إلى السقوط في دوامة حرب أهلية شديدة الشراسة، أفقدت الوطن الجزائرى حتى الآن أكثر من مئة ألف انسان، ودمرت اقتصاد البلاد بعد ان استنزفت من الخزانة العامة اكثر من ثلاثين مليار دولار، كانت كفيلة بانجاز العديد من مشاريع التنمية، التى يمكنها لو تم استغلالها ان تقضى على مشاكل بلد ضاع منه في صراع لاطائل من ورائه، عشرسنوات كاملة، وهى مرشحة للمزيد من استنزاف الوقت والموارد والطاقات البشرية. اندلاع الصراع وفى الوقت الذى ازدادت فيه المعاناة الحياتية، وانتكست جهود الاصلاح السياسى والاقتصادى، وتراجع الدور الذى بدأت الجزائر في القيام به، بعد ان أعادها الصراع الذى اندلع بشكل علني أحيانا، وخفى في أحايين كثيرة، إلى الانكفاء على المشاكل الداخلية، والانغماس في لعبة اقالة الحكومات التى لم تعد تستقر في الجزائر الا لفترات قصيرة للغاية، في تحولات يراها بعض المراقبين انها تشكل نقطة انطلاق ضد النظام. في هذا الوقت فان اندلاع الاحداث في منطقة القبائل يبدو على انه انتهز فرصة انهيارات متعددة المستويات بدأت الدولة الجزائرية تعانى منها، الأمر الذى يشير إلى ان اندلاع العنف كان مبيتا، وان القبض على الشاب الامازيغى الذى اتهم بالسرقة ثم مقتله على ايدى رجال الامن، لم يكن سوى ذريعة، انتهزها انصار الانفصال عن الدولة، والذين سرعان مارفعوا شعار الدعوة لفرض اللغة الامازيغية في كل انحاء البلاد، وليس فقط في الولايات القبائلية الثلاث «تيزى وزو، البويرة، وبجاية»، مثلما وعدت الدولة على لسان الرئيس بوتفليقة، وكأن الأمر لم يحتمل معه انتظار تحقيق السلام والاستقرار أولا في البلاد. ان اقتناص الفرص على حساب تقطيع اوصال وطن، ليس حلا لمشاكل تعانيها البلاد كلها، وربما كانت المناطق الامازيغية هى الأقل تضررا قياسا بالولايات الأخرى، في الوقت الذى يتبوأ فيه كبار المنتمين لها المناصب العليا في الدولة، في الوقت الذي يسيطرون فيه على قطاعات مهمة كالاعلام. ان الدولة الجزائرية مهددة بشكل خطير، وليست سلطات الرئيس فقط، الذى يواجه هو الاخر حربا بدت واضحة حاليا من جنرالات المؤسسة العسكرية، ومن بين مظاهرها ايضا الهجمات شبه اليومية التى تشنها الفصائل المسلحة التى انحصرت حاليا في الارهابيين عنتر الزوابري وحسان حطاب، والتى تلاقت نتائج مذابحهما البشعة ضد المدنيين العزل الفقراء في القرى النائية مع الدعوات إلى الانفصال عن الجزائر التى أطلقها بعض المتشددين من البربر، ومع تدخلات فرنسية في الشأن الداخلى الجزائرى أطلقها وزير الخارجية روبير فيدرين عندما قال ان بلاده لايمكن ان تقف ساكتة ازاء مايجرى في منطقة القبائل، وكأن الجزائر ما زالت تحت الاحتلال الفرنسى، وكأن فرنسا ما زالت نادمة على الخروج من هذا البلد التى تعتقد انه لايزال تحت وصايتها، تماما كما تعتقد ان الاكاديمية البربرية التى أنشأتها في أراضيها كفيلة بأن تحول البربر الذى وقفوا بقوة وقاتلوا المستعمر الفرنسى، دفاعا عن اللغة العربية والاسلام، والذين خرج من بينهم القائد العظيم طارق بن زياد، والعديد من ابطال الجزائر الأفذاذ ورموزه التاريخية البارزة، ان تحولهم نحو تلبية ماتسعى اليه من اعادة فرض نفوذها. ان الأمر يستدعى اللجوء إلى الحوار، فهو خير الوسائل لحل مشاكل هذا البلد العربى العزيز، بعد ان أثبتت عشر سنوات من العنف، ان اللجوء إلى السلاح لم يحقق للذين اختاروا السير فيه، ودمروا عن طريقه مقدرات بلدهم، لم يكن نتائجه سوى ضياع الاستقرار والأمن، ووضع مستقبل الوطن برمته على شفا الهاوية. ـ كاتب مصري