من خلال متابعة يومية ودقيقة للأزمة الجزائرية، ثم من خلال البحث في بداياتها، وقبل ذلك إرهاصاتها، وقبل ذلك التراكمات التاريخية طوال عقود طويلة، نجد أن الجزائر تعاني مما قد نسميه «الماء المصبوب في كل الاتجاهات» أو كما يحب السياسيون أن يدعوه بـ «الأزمة متعددة الجوانب». فمن الناحية السياسية أدى الانفتاح الذي أعقب ثلاثة عقود من تفرد جبهة التحرير الوطني (FLN) بالحكم الى ظهور أحزاب راديكالية من أقصى اليمين الى أقصى اليسار، بل إن بعض الأحزاب قد لبست لبوس الإثنية أو العرقية، وهو ما أبعد الصراع عن معناه السياسي البحت وأدخله في دائرة خطيرة للصراع العرقي، غير أن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت بإلغاء نتائج الدور الأول من الانتخابات البرلمانية سنة 1991، والتي فازت بها الجبهة الإسلامية للانقاذ، وقد أدى هذا الى أن أدرك الإسلاميون أن المشروع الذي يحملونه لا يمكن أن يتحقق عن طريق الديمقراطية، ومن ثم اختاروا «العمل المسلح»، ودخلت البلاد في أزمة سياسية انطلاقاً من قضية «شرعية» النظام آنذاك وهو «المجلس الأعلى للدولة» وازدادت الأزمة السياسية استفحالاً في ظل قانون الطواريء، والحد من فاعلية الأحزاب السياسية، وهي أمور دلت على أن الديمقراطية تعيش أزمة فعلية في الجزائر، إذ لم يعد بإمكان كل أحزاب المعارضة مجتمعة أن تقف في وجه الدولاب الذي يديره المجلس الأعلى مثلما كان الأمر بالنسبة لندوة العقد الوطني «بسانت ايجيديو» بإيطاليا، هذا من ناحية التأزم السياسي، أما من ناحية التأزم الثقافي، فإن التدافع الخطير بين المشاريع المتناقضة في الجزائر كان دائماً السمة البارزة على مسرح الأحداث، إذ يعاني المشروع الأصالي العربي الإسلامي من هجمات شرسة يشنها الفرنكوفيليون، والامازيغ، وقد عاشت الجامعات الجزائرية منذ عهد بومدين ارهاصا قويا لهذا التدافع اذ ان أحداثاً دامية كانت كثيرا ما تقع في الاحياء الجامعية بين الطلبة (الوطنيين) من جهة، والطلبة اليساريين ومعهم الفرنكو ـ امازيغيين من جهة اخرى.. ولعل قانون التعريب الذي مر من «سم الخياط» في العديد من الاختبارات المصيرية، ثم تراجع بعد ذلك خطوات رهيبة يدل على مدى ضراوة الصراع الثقافي وطبعا فالمؤسسة العسكرية ذاتها تعاني من هذا، وقد احتدم منذ مدة تناوش بين ضباط الجيش الفرنسي مثل خالد نزار، وضباط عروبيين ومنهم علي كافي، وهم الضباط الذين يوصفون بالبعثيين من طرف الفرنكوفون والامازيغ. وكانت سنة 1980م سنة حاسمة في هذا المجال حين رد المجتمع القبائلي (الامازيغي) على خطوات جادة في اطار التعريب، بادخال البلاد في اضرابات طلابية تحولت الى تظاهرات للمطالبة باقرار البربرية، والعربية العامية لغتين رسميتين ليس الى جانب الفصحى، بل بدلها والفرنكو امازيغيون لايترددون في اعتبار الثقافة العربية الاسلامية ثقافة استعمارية «هلالية» وقد ذهب الامازيغ الى حد صياغة هذه المطالب رسميا في مؤتمر ثقافي امازيغي، في مدينة «ياكورن» القبائلية في اغسطس 1980، واصبح البربريون لذلك يحتفلون بالربيع الامازيغي كل سنة.. غير انه من الامانة حين نتحدث عن الصراع الثقافي ان نذكر ان اقليات بربرية اخرى «كالشاوية» حول جبال الاوراس، و«الشلحية»، و«الشناوة» لم تلعب مثل هذا الدور المناويء للغة العربية وللاسلام وهو امر يكتب لها، وهذا يضع ايدينا على حقيقة ان الامازيغ لاينطقلون من خلفية «بربرية» جزائرية بقدر ما ينطلقون من خلفية انفصالية دعمتها فرنسا ثقافيا وسياسيا اثناء الاستعمار وبعده، وهو ما يعطي الحركة البربرية التي ظهرت سنة (1929) صبغة الظهير الفرنسي في الجزائر وعند هذه النقطة يلتقي الفرنكوفيون بالامازيغ ليشكلوا لوبيا ثقافيا ومن ثم سياسيا خطيرا اصبح يهدد الوحدة الوطنية. ولاشك ان الانسداد الامني، والفساد السياسي قد ادى الى انسداد اقتصادي ألقى بظلاله على الساحة الاجتماعية، واليوم يعيش 14 مليون جزائري على دولار واحد يوميا للعائلة كما شهدت الطبقة المتوسطة انكسارا رهيبا ادى الى التحاقها بالطبقة المسحوقة كأثر من اثار واقع متأزم للديون التي ترهق كاهل البلاد والتي تقدر بـ 26 مليار دولار والعجيب ان بلدا نفطيا مثل الجزائر قد صنف مؤخرا في المرتبة 91 من مجموع (140) دولة عالمية، وهي المرتبة (91) ذاتها لدولة مثل (لوسوتو). لقد تم حتى الآن اغلاق 1200 مؤسسة في اطار الجيل الاول من الخصخصة وتم تسريح 400 ألف عامل. 3 ملايين عاطلين عن العمل و846 الف مسجل في قائمة انتظار الحصول على عمل وقد كلفت عشرية التطهير هذه الخزينة العمومية (980) مليار دينار جزائري. الانباء تتحدث عن عائلات تقنيات من حاويات النفاية، وعن عائلات تموت جوعاً، وعن تسجيل آلاف من حالات الامراض التي لم يعرفها العالم منذ الحرب العالمية، كالجرب، مثلا، نعم انها ازمة متعددة الجوانب تنخر كيان هذا الوطن. ولا ريب ان الوضع الاقتصادي المتردي وما يسببه من احتقان لايفجر الامور في الجزائر، بل في كل مكان ومنذ مدة قال «كلود ليوزو» «نحن نعرف الرسم الذي تتبعه الهزات التي تكررت في المدن الكبرى وفي مراكز عديدة من القارات الثلاث، ولما كانت تدخلات صندوق النقد الدولي تفرض من تحديات للخزينة فهي ترافق نزوعا الى تخلي السلطات عن المسائل الاجتماعية وحين تتخلى السلطات عن المسائل الاجتماعية يكون الشعب امام خيارين اما ان يموت جوعا في البيوت، او يموت برصاص قوات مكافحة الشغب في الشوارع والحسم في الخيارين ليس صعبا اذ كلا الامرين موت. ان ثقافة الفقر تتبلور في الجزائر يوما بعد يوم انطلاقا من تعابير الاماني واليأس مثل: «الهروب»، «الرحيل»، «التأشيرة» الى «الانتحار» او «الانفجار» واوسكار لويس حينما تحدث عن هذه الثقافة كان يعرف مآلاتها في تحطيم قدرات البلد، وطبعا فحين ترخص «الحياة» يبدأ الجنوح نحو الجريمة، لذلك كشف اللئام عن جماعات عدة تقوم بالقتل والارهاب لمجرد الحصول على مال، وهو ما يعيد الى الاذهان ظاهرة «الصعاليك» وقطاع الطرق، وهي الظواهر التي لاترتبط بزمن ولا بمكان معين وهي قابلة للظهور متى وجدت ظروفها ووسطها الملائم. اما ما يتعلق بالاسباب التي فجرت احداث القبائل فيمكن القول ان هناك وسط ملائم للانفجار، فيه بارود، وبنزين، وآنذاك لايهم ما الذي يفجر الوضع، فقد يكون ضربة شمس حارة، كما قد يكون شرارة نار، الامر لا يختلف. طبعا هناك اصابع اتهام ممدودة نحو الاممية الاشتراكية، وخصوصا الى زعيم حزب القوى الاشتراكية (FFS) وهو الزعيم الامازيغي آيت احمد الذي كان من ضمن (21) شخصا فجروا ثورة التحرير الجزائرية وقد استطاع آيت احمد بالتنسيق مع جهات فرنسية ان يعمل طوال سنوات ماضية على احداث ثغرة يمكن تفجير الاحداث من خلالها. لذلك تم استغلال موت طالب برصاص لرجل من «الدرك الوطني» في الجزائر لايعد قتل شخص امرا عجبا فالناس يموتون يوميا بالعشرات غير ان ثقافة التميز تجعل دماء الامازيغ غالية الثمن اما دماء غيرهم فهي رخيصة لا بأس ان تسيل انهارا دون ان تحرك ساكنا ووجدها ايت احمد فرصة فحرك الشارع وحدث ما حدث غير انه لم ينجح لسببين اثنين: الاول ان منافسه على زعامة الامازيغ وهو سعيد سعدي زعيم «التجمع من اجل الثقافة والديمقراطية (R.C.D) قد احس ان الشارع ليس خالصا له، وبالتالي فان ثمار الانفجار لن تكون خالصة له، ومن ثم ادى التنافس بين الحزبين الى القضاء على وحدة الشارع، وبالتالي اخماد الانفجار. اما الثاني فهو ان الشعب الجزائري لما ادرك ان هذه الاحداث قد تخدمه اجتماعيا اذا انفجر هو ايضاً، لكنها لا تخدمه ثقافيا لانها ضد عروبته واسلامه وثقافته فضل ان يلزم الهدوء ويحبط المؤامرة وبذلك فالشعب الجزائري يكون بذلك قد اختار الثقافة على الخبز غير ان من اللازم على السلطة ان تدرك ان الاستغناء عن ثقل الشعب الجزائري في وجه المشروع الفرنكو ـ امازيغي سيكلفها كثيرا، لذلك يكون من الاولى ان تضغط على الامازيغ وعلى فرنسا بمجموع الشعب وهو توازن مطلوب واستراتيجية واجبة. الشارع الامازيغي حرك للرد على قانون العقوبات الذي يعتبره لوبي «الصحافة الفرنكو ـ امازيغية موتا له كما تحرك أو لنقل حرك لأن فرنسا ترى ان الوقت مناسب لقطع جزء آخر من ذيل الثوب العربي المنبسط في الجزائر، وبذلك ترسيخ اكبر للفرنسية، لذلك نلاحظ مسارعة هوبير فيدرين الى التصريح ان فرنسا لن تقف مكتوفة ازاء ما يحدث في الجزائر. ومن خلال استقراء عشرية الازمة فإنه يبدو ان الذي يحكم الجزائر فعلياً هو «نخبة عليا ذات ثقافة متميزة ومصالح كبرى، وطبعاً فهي مكونة من ضباط في الجيش، واستئصاليين فكريين فرنكوفيل، وامازيغ ويساريين وقد ظهر هذا من خلال عزل الشاذلي بن جديد، والذي اعترف الجنرال خالد نزار بأنه هو من عزله، ومعنى ذلك ان الرئيس شكلي يمكن ان يعزل في اي لحظة تماما مثلما ان الانتخابات ورأي الشعب مجرد شكليات يمكن تجاوزها، والذي تجاوز الانتخابات فألغاها هو من عزل الرئيس وهو من عزل بعد ذلك زروال، وهكذا انه اخطبوط يتحرك في الشارع بذراع «لجنة انقاذ الجزائر» ثم ينفذ تبعا لذلك من «فوق» ثم يعود لينصب صناديق الانتخاب من جديد. ان الذين يبحثون عن المؤسسة العسكرية كحاكم فعلي للبلاد مخطئون، المؤسسة العسكرية مكونة من ابناء الشعب ولها ثقافة وحس الشعب، لكنها مجرد آلة تستعمل في الضغط على الشعب او الغاء قراره وخياره او عزل رؤسائه، لذلك لا يجب ان نخلط بين الآلة واليد التي تمسك بها.. الحاكم الفعلي هو «اليد» والتي هي مجموعة من المتنفذين في الجيش والسياسة و«المال» و«الاعمال» والعلاقة مع مصادر القرار في فرنسا.. لايهم الاسماء بقدر ما يهم ان الحاكم الفعلي هو مجرد لوبي يعمد الى وضع واجهات منتخبة «بالقوة» للاختفاء وراءها وهكذا يمكن للملاحظ ان يرى الرئيس ووراءه اللوبي الحاكم المتنفذ، ووراء اللوبي فرنسا.. انها فكرة لرسم كاريكاتوري لكنها حقيقية. الرئيس بوتفليقة استطاع الى حد بعيد ان يتحرك خارج الهامش المرسوم لكن ذلك اضطره الى ايجاد لوبي آخر من الحرس القديم مثل «العربي بلخير» والشريف مساعدية لمواجهة اللوبي الاصلي وهو ما يدل على ان الحكم في الجزائر حكم «لوبي» تتصارع حوله جماعتان او اكثر وهو ما يعطي المؤامرة نصيبا معتبرا في اللعبة. وللخروج من الازمة فإن الحل في ان يؤمن المسئولون بالحل. هم يعرفون الحل او المفترض ان يعرفوه او يعرفوا جزءا هاما منه على الاقل، لكن المشكلة ان هناك نية مبيتة للتأزيم خاصة بعد ان دخلت اسرائيل على الخط واصبح لها رجالها واشياعها في الجزائر وزيارة الوفد الصحفي الجزائري بضمانات وحماية من متنفذين في الجزائر لاسرائيل دليل على ذلك. غير انه من الواجب وصرف القول ان نقول ان كان لابد من ان نبدي رأينا في الحل، ان المخرج يكمن في ادخال الشعب لعبة التوازنات لفضح وتحييد اعدائه في الداخل والخارج لذلك لا يمكن ان ينجح اي رئيس إلا اذا استطاع ان يكسب مساندة الشعب للضغط على اللوبيات الظهيرة.. وعلى الاقليات التي قد تحرك لافشال مخططه وحرية التظاهر هي الاساس. ـ كاتب جزائري