اشتعلت منطقة القبائل في الجزائر في الثلث الأخير من شهر ابريل الماضي بالتظاهرات الصاخبة وأعمال العنف، وذلك بعدما تعامل رجال الشرطة بقسوة مع طالب ثانوي أرادوا القبض عليه فسقط بين أيديهم، قتيلا ليكون ذلك بداية انطلاق نيران الغضب الأمازيغي في الولايات الثلاث التي تعتبر معقل القبائل الكبرى (تيزي أوزو) والقبائل الصغرى (بجاية والبويرة). وكانت احداث العنف هذه من الحدة والاتساع بحيث تسببت في وقوع حوالي ثمانين قتيلا وستمئة جريح، مما فرض على الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة التدخل لمناشدة ابناء منطقة القبائل أن يركنوا للهدوء ولمناداة الشعب الجزائري باللجوء الى الحوار في حل مشكلاته وأزماته، ثم أعلن تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، كما تم بعدها تكوين لجنة تحقيق ثانية شكلها البرلمان، فضلا عن لجان تحقيق قضائية وسياسية من جانب الحكومة والأحزاب والمجتمع المدني. واذا كان صحيحا أن هناك خلفية ثقافية أمازيغية وراء أحداث هذه الانتفاضة الأخيرة ظهرت في الشعارات التي رفعها المتظاهرون والتي أحالت بدورها على انتفاضة عام 1980 المعروفة (بربيع البربر) الا أنه لا يجوز قراءة مضمونها من تلك العناوين فقط فعلى مدى اربعة عقود ارتدى الاحتجاج على غياب الديموقراطية ورفض الحكم الفردي طابعا (طائفيا) أو (اثنيا)، اذ كان منطلق التمرد المسلح الذي قاده حسين أية أحمد، بعد أشهر من نيل الاستقلال، على حكم الرئيس الأسبق أحمد بن بيلا في منطقة القبائل، رفضا لتنكر الأخير لمبدأ القيادة الجماعية ومطالبة بارساء التعددية السياسية. وعندما حرك الرئيس الراحل بومدين الدبابات ضد طلاب الجامعة وألغى كرسي الأمازيغية والدراسات الأثنية، كانت الخطوة تكميما للحركة الطلابية أكثر مما كانت تغليبا للعروبة على (الأمازيغية)، بدليل أن كثيرين من أركان النظام، وفي مقدمتهم قائد الاستخبارات العسكرية القوي آنذاك (قاصدي مرباح)، كانوا من الأمازيغ، بل كاد مرباح أن يخلف بومدين لدى وفاته لولا صعود نجم الشاذلي بن جديد. كذلك خلخلت حركة (الربيع الأمازيغي) ا لوضع السياسي الجزائري المتكلس وقوضت نظام الحزب الواحد، فكانت ارهاصا لأحداث أكتوبر 1988 التي عبدت طريق التعددية وفتحت الباب امام قيام الاحزاب السياسية والديموقراطية وحرية الصحافة، فيما يعرف بتجربة الصحف المستقلة.. الى اخر قائمة التطورات التي وصلت بالبلاد إلى انتخابات عام 1990، التي تم الغاؤها في مطلع عام 1991، ليتفجر حمام الدم وتبدأ حقبة الارهاب المستمرة حتى اليوم، فكان أن عرف في ظل هذه التطورات النضال الأمازيغي أسلوب العلنية من خلال حزب جبهة القوى الاشتراكية بزعامة حسين أية أحمد، ثم انشقاق (سعيد سعدي) عنه واعلان تشكيل حزب التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية، وترشيح نفسه كصوت لشباب الحركة الامازيغية وأملها في عام 1994، كما كان أحد منافسي الرئيس الأمين زورال في انتخابات رئاسة الجمهورية عام 1995، وهو الذي انتزعت فيه الحركة الأمازيغية أهم مكاسبها بعد اضراب الجامعات وطلاب المدارس منذ بداية العام الدراسي وحتى ابريل من نفس العام، لتنتزع صكا باعتراف الدولة بشرعية المطالب الامازيغية، كما تقرر منذ ذلك الحين افساح المجال لنشرة اخبار تليفزيونية باللغة الامازيغية، ثم تشكيل مايسمى بالمحافظة السامية للأمازيغية وانشاء معهد لتدريس اللغة الامازيغية في جامعتي (بجاية وتيزي اوزو). وهكذا تتداخل وتتفاعل نضالات الحركة المازيغية من أجل تحقيق مكتسباتها الأثنية مع نضالات الشعب الجزائري على اتساعه، من أجل التطور على طريق الديموقراطية أو تحقيق التنمية الاقتصادية التي طال انتظارها أو ترسيخ الأمن والاستقرار المنشود. لقد تحولت الوعود التي كان يطلقها الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في كل مكان، خلال حملته الانتخابية، التي انتهت بدخوله الى قصر الرئاسة كسادس رئيس جزائري على مدى سبع وثلاثين سنة من الاستقلال الى مايشبه صرخة في واد، بسبب هيمنة جماعات المصالح على سلطة القرار، أمام ترد مستمر للأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية. فرغم اعلان بوتفليقة لسياسة الوئام منذ توليه الحكم والتي أفضت إلى العفو عن 6000 عنصر مسلح، لم ينجح الرئيس الجزائري في احلال السلام الذي دعا اليه والذي كان أحد أهم أولوياته. ورغم التحسن النسبي في الأوضاع الأمنية، الا أن تقديرات الصحف المحلية ذاتها تشير الى أن عدد الضحايا بلغ خلال الأشهر الماضية أكثر من 2500 ضحية جديدة. وترفض كل من (الجماعة الاسلامية المسلحة) و(الجماعة السلفية للدعوة والقتال) سياسة اليد الممدودة للرئيس بوتفليقة، رغم تهديده أكثر من مرة باللجوء الى استعمال مختلف القوى المتوافرة لدى الجيش الجزائري، فيما سماه عمليات (سيف الحجاج) والتي انتهت دون تحقيق نتائج كبيرة. وأمام تزايد عدد زياراته الى الخارج (أكثر من 32 زيارة في ظرف سنة ونصف)، ووسط انتقادات شديدة وجهتها ضده صحف محلية وأطراف سياسية اضطر الرئيس الجزائري الى الاهتمام أكثر بالوضع الداخلي الذي يشهد ترديا مستمرا. ولأول مرة منذ سنوات تشهد الجزائر التحاق الشباب بالجماعات الاسلامية المسلحة، ولكن لأسباب أخرى غير سياسية ولا دينية، ولقد أصبح الفقر والنقمة من الفساد الاداري الذي تعرفه مختلف المؤسسات الحكومية وجها جديدا من اوجه التعاسة التي توجد فيها غالبية الشباب الذين وجدوا أنفسهم رهن بطالة قاتلة. إن الرئيس بوتفليقة يواجه وضعا اقتصاديا واجتماعيا بالغ الهشاشة اذ بلغ معدل البطالة أكثر من 30% من اجمالي القوي العاملة، كما أن الدعوات التي وجهها للمستثمرين الأجانب من أجل اقامة مشاريع في الجزائر لم تلق صدى ايجابيا حتى الآن. ومنذ أن ادارت البلاد ظهرها للاقتصاد الاشتراكي المتقادم، وبدأت في تطبيق خطة اصلاحية لصندوق النقد الدولي قبل ستة أعوام، لم توقع أي عقد كبير مع شركات أجنبية، يضاف الى ذلك أن خطة صندوق النقد الدولي أدت الى تسريح 450 ألف عامل في شركات حكومية في طريقها للخصخصة أو للتصفية، وتشير الأرقام الرسمية الى أن 14 مليون جزائري من أصل عدد السكان البالغ ثلاثين مليونا يعيشون تحت خط الفقر. وتشير أرقام المكتب الوطني الجزائري للاحصاء الى أن مليوني جزائري يعيشون في أكواخ من الصفيح وفي كهوف، ولم تعد أكواخ الصفيح تؤوي فقط المواطنين المعدومين، بل أن قسما من الطبقة المتوسطة اضطر الى اللجوء اليها بسبب صعوبة الحصول على مسكن حكومي منخفض الايجار وبسبب غلاء الايجارات في القطاع الخاص. ورغم الوعود المتكررة بتحسين الوضع الاجتماعي للسكان، فإن الواقع ظل يكذب ذلك حيث تحول الفقر الى ظاهرة وطنية، واعترف الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة في ندوة اقيمت في نهاية شهر أكتوبر 2000، إن غالبية السكان الجزائريين أضحوا في عداد الفقراء، وأن خزائن الدولة فارغة. وفي مقابل هذه الصورة (السوداء) لم يجد الجزائريون من يتحدث عن طموحاتهم المؤجلة فغالبية الأحزاب فضلت الصمت والركون الى الظل الى أن يفكر أصحاب (الحل والعقد) في دوائر صناعة القرار في حل بديل، كما أن الأزمة الشاملة التي تعصف بمختلف فئات الشعب أمنيا واجتماعيا لم تعد تثير الكثير من اهتمامها، أما أحزاب الائتلاف الحكومي، على اختلاف مشاربها، مع دوائر الحكم وأحزاب المعارضة، فهمها الاساسي البحث عن انتخابات جديدة ومرشحون جدد، وعدا هذه الحلقة المفرغة فالساحة السياسية الجزائرية لم تشهد أية حيوية أو فاعلية. وهكذا يتضح بجلاء، في ظل المعطيات السابق الاشارة اليها، ان ارتفاع نسب التضخم والبطالة وتفشي ظاهرة الفساد الحكومي واستمرار توقف عجلة الانتاج والعجز عن التنمية الاقتصادية، كانت أسبابا تدعو للانفجار الأخير، باعتبارها عوامل ضاغطة جعلت الأحباط يصل الى ذروته واليأس يبلغ قمته في منطقة القبائل وغيرها من انحاء الجزائر، حتى جاء رجل الشرطة الذي أشعل عود الثقاب في بئر البنزين الجاهزة للاشتعال بمنطقة القبائل لتندلع الأحداث الاخيرة، ربما لأنها كانت التربة الاكثر صلاحية للانتاج بمجرد القاء بذرة العنف فيها، فاختلطت مطالب الشعب الجزائري عامة من حيث رفض البطالة والكساد والفساد بمطالب الحركة الأمازيغية وشعاراتها، فقد تتعدد أسباب الغضب ولكن الأزمة الجزائرية المتفاقمة واحدة. إن القراءة السليمة للانتفاضة الأخيرة في الجزائر أبعد من صراع عرقي بين (الأمازيغ) وبين العرب، لأنها أتت تعبيرا بلغة العنف والحجارة، عن الاحتقان الشامل الذي خلفه تدهور الأوضاع السياسية والأمنية، معطوفا عن الضنك الاجتماعي والاقتصادي الذي يتجرعه الشباب والمهمشون في أحزمة المدن والأرياف الجزائرية المنسية. ولعل هذه الأحداث الجزائرية الأخيرة تكون قد شكلت هزة سياسية قوية لمسار الوئام المدني الذي قاده الرئيس بوتفليقة، ولم تحصد منه الجزائر حتى الآن ثمارا ملموسة على صعيد الاستقرار واستعادة العافية على رغم التقارير الرسمية المتفائلة. إن جموع الشعب الجزائري الآن امازيغ وعرب تتطلع الى فتح صفحات المستقبل وتطالب بالخروج من الأزمة المستفحلة في أسرع وقت ممكن، لأن أبعاد الأزمة معروفة ودوافع الانفجار واضحة، ولا تحتاج سوى الى خيار جديد يتسم بالجرأة على مجابهة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والأمنية العالقة، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه الجزائر اليوم. ـ كاتب مصري