هل سيأتي اليوم الذي يصبح فيه مرض الايدز قابلاً للشفاء؟ لقد توصلت آخر الأبحاث على فيروس المناعة البشرية الخبيث الذي يسبب المرض إلى الجواب المحبط: «ربما لا» وقبل سنوات قليلة، فقط كان حتى أكثر الباحثين تشاؤماً يتساءلون عما إذا كانت نهاية الايدز قد أضحت قريبة، فلعل تلك الحبة التي بدت أنها غيرت الفيروس بما يشبه المعجزة من حكم الإعدام على المصاب إلى عدوى مزمنة ستخطو الخطوة النهائية الأخيرة، كما اعتقدوا، وتشفي من العدوى بتطهير جسم الانسان من كل أثر للفيروس. وسرعان ما تلاشى مثل هذا الكلام، لأن مجموعات الأدوية الجديدة المدهشة لم تتمكن من التخلص من الفيروس، فحتى لو اختفت جميع مؤشراته لسنوات عديدة فهو لا يزال هناك كامن في مكان ما، وفي كل مرة كان يعود مرعداً ومزمجراً بملياراته فور ان يتوقف المصابون عن أخذ أدويتهم. وفور أن ترسخت هذه الفكرة أصبح العثورعلى مخبأ فيروس المناعة البشرية هدف مجموعة صغيرة من الباحثين، وما اكتشفوه جاء أعظم خيبة أمل في أبحاث الايدز. كون فيروس المناعة طفيلية ماكرة وواسعة الحيلة ليس شيئاً جديداً على العلماء، فالباحثون يعرفون بالتفصيل كيف يلتصق الفيروس بخلايا دم الانسان، ويتسلل إلى داخلها، ويقتلها، ويفهمون كل حفرة أو تلة على سطح الفيروس وكيف يؤمن لها ذلك الحماية من الموت. إلا انه لم يكن أي اكتشاف أساسي يتعلق بالايدز مدعاة للقلق مثل الطريقة التي يسلكها الفيروس في الحفر لكي يستقر في الأخاديد ويعشش فيها مدة طويلة. وقد حول ذلك هدف معالجة الايدز النهائي نحو شيء أقل طموحاً، فبما ان القضاء على فيروس المناعة يبدو الآن أمراً غير محتمل، مع ان هناك البعض لا يزالون يحاولون تحقيق ذلك، يشدد كثيرون على أن أفضل بديل سيكون تدريب الجسم بطريقة ما على السيطرة على الفيروس ومساعدة المرضى على العيش معه بدلا من التخلص منه. ويأتي بعض الأفكار من العمل الذي يقوم به الدكتور روبرت سيليكيانو الذي يفحص دم حوالي 50 مريض ايدز في بالتيمور بالولايات المتحدة بصورة دورية منتظمة ويقيس قدرة الفيروس على البقاء رغماً عن أفضل طرق المعالجة المتبعة ضده. ويقول سيليكيانو: ما فعله فيروس المناعة انه اخترق الوجه الأكثر جذرية لجهاز المناعة وهو الذاكرة المناعية، إنه الآلية المثالية التي تضمن بقاء الفيروس. والآلية مثالية لأن الفيروس يكمن صامتا داخل الخلايا غير المبرمجة لتقوم بأي عمل سوى الجلوس والانتظار، وتحمل هذه الخلايا اسم خلايا الذاكرة تي المستريحة ووظيفتها الوحيدة تسجيل الجراثيم التي تصادفها وتخزن المعلومات لابقاء الجسم مستعداً عندما يراها للمرة التالية. وبالحرف الواحد هذه الخلايا هي ذاكرة جهاز المناعة ولذلك ينبغي ان تبقى على قيد الحياة مدة طويلة، وإلا سنصاب بالمرض المرة تلو المرة، ويعيش فيروس المناعة البشرية داخل تلك الخلايا الهاجعة، نائمة ولكن خطرة، ويعني ذلك في نظر سيليكيانو ان عدوى فيروس المناعة تبقى مع المصاب مدى الحياة. والواقع ان خلايا الذاكرة تموت أيضا، ولكن ببطء شديد، وحسب السرعة التي يراها سيليكيانو عند المرضى في بالتيمور تحتاج إلى 73 سنة لكي تذهب تماما، وهو لا يستطيع ان يتخيل أية وسيلة لتسريع العملية، وبالتأكيد ليس الأدوية المتوفرة حاليا، ولا بأي عقار في الأفق. هذا «الخزان» الدفين المصاب بالعدوى هو أكبر عائق مفرد في طريق التخلص من الايدز، وهو الشيء الذي يحول دون معالجة المرض، حسب الدكتور روجر بوميرانتز من مستشفى توماس جرفسون في فلادلفيا. ولم يكن أي من هذه الأمور واضحا في العام 1996 الذي يعتبر فجر المرحلة العصرية لمعالجة الإيدز، وقد سجل الأطباء حالات كان المرضى ينهضون من فراش الموت إثر تعاطيهم تركيبات من الأدوية المتوفرة حديثا وبدا لهم ان كل شيء ممكن. وتكهن الدكتور ديفيد هو من مركز أرون دياموند لأبحاث الايدز في نيويورك بحذر بقرب موعد القضاء في فيروس المناعة البشرية، فإذا استطاعت الأدوية منع الفيروسات من الانتقال إلى مزيد من خلايا الدم، فإن الخلايا المليئة أصلا بالفيروس ستموت طبيعياً في النهاية ليصبح الجسم خاليا تماماً من الفيروس، وفكر في ان ذلك ربما سيستغرق سنتين أو ثلاثا. إلا ان اكتشافا آخر في العام 1997 بين أن حدوث ذلك غير محتمل، فقد عثر سيليكيانو وفريقان علميان آخران على الفيروس داخل خلايا ذاكرة مناعية، وفحص العلماء أشخاصا كان يعتقد انهم خالون من الفيروس لمدة تزيد على السنتين، وعثروا عند كل واحد منهم على نسخ قوية للفيروس في خلايا ذاكرة مناعتهم. ولم يكن أحد يعرف آنذاك إلى متى ستبقى تلك الخلايا حية مع انه كان يفترض انه من شبه المؤكد ان المدة ستزيد على السنتين. وكانت الخطوة الواضحة التالية هي محاولة تدمير أحصنة طروادة هذه. وحاول الفريق العلمي التابع للدكتور انطوني فوسي من المعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية تنظيف هذا الخزان، كما قال، بتلقيم الجسم بين وقت وآخر بهرمون النمو انتر لوكين ـ2 لجعل الفيروسات الهاجعة تستيقظ ثم تموت. وبدا ان الاختبار يجرى بخير، فقد أجرى الأطباء خزعات للعقد اللمفاوية ولم يعثروا على شيء ثم استزرعوا مئات الملايين من خلاياها في المختبر ولم يعثروا على شيء أيضاً، وفي النهاية أوقفوا كافة المعالجات وانتظروا، وفي غضون ثلاثة أو أربعة أسابيع أتاهم الجواب: الفيروس عاود كل واحد من المرضى. ويقول فوسي الآن: لن نتمكن من القضاء على هذا الخزان، ولا يبدو ان لمقدرة قياس حجم الخزان أو عدمها أثراً مهماً على الظاهرة المهمة سريرياً، أي ظاهرة ما يحدث عندما توقف اعطاء الأدوية. ومع ذلك تعلم العلماء الشيء الكثير عن طريقة اختبار الفيروس، فهدف الفيروس الرئيسي في الجسم هو نوع من خلايا الدم البيضاء يدعى خلية المساعدة «سي. دي 4» ويعدي الفيروس هذه الخلايا ويستولي على آليتها حتى تصنع مزيدا من الفيروسات ثم تقتلها. إلا انه بعد ان تنقتل العدوى إليها تتحول بعض هذه الخلايا المساعدة إلى خلايا ذاكرة، بعد ان يكون فيروس المناعة البشرية قد أقحم جيناته في الرمز الوراثي للخلايا استعداداً لانتاج المزيد من الفيروسات. إلا انه لا شيء يحدث وتخلد الخلايا بفيروساتها إلى النوم. ويحدث ذلك في غضون الأيام القليلة التي تعقب التقاط عدوى فيروس المناعة البشرية، بل وقبل ان يبدأ الجسم إنتاج الأجسام المضادة لمكافحة الفيروس، وعدد الخلايا الضالعة صغير نسبيا، ربما حوالي المليون خلية موزعة في الدورة الدموية والغدد اللمفاوية وربما في أماكن أخرى. وعادة يقتل الجسم الخلايا المصابة بعدوى الفيروس، إلا انه يخطئ في اصابة تلك الخلايا لأنها تبدو طبيعية تماما، ويقول سيليكيانو ان الفارق الوحيد بين الخلية الهاجعة المصابة بالعدوى وتلك غير المصابة هو قليل من خلية مورثات الحمض النووي إلى الفيروس. ويجعل هذا التشابه قتل الخلايا المصابة بالعدوى مستحيلا بأي نوع من الأدوية المستهدفة، فببساطة ليست هناك طريقة سهلة للتمييز بين الخلايا الجيدة والسيئة. ويقوم سيليكيانو بإحصاء هذه الخلايا لدى متطوعيه في بالتيمور منذ خمس سنوات وهو يقول ان الأعداد التي يعثر عليها في أجسامهم الآن هي تقريبا الأعداد نفسها التي كان يعثر عليها عندما بدأ الاحصاء. ولماذا تموت الخلايا ببطء شديد إذا كانت تموت فعلا؟ هناك نظريتان رئيسيتان بهذا الخصوص، فإما ان طول العمر يعكس البيولوجية الأساسية لخلايا ذاكرة المناعة، أو ان الامدادات تصل إليها بشكل متواصل. ويفضل سيليكيانو النظرية الأولى فذاكرة المناعة تدوم إلى الأبد، ولهذا السبب أن الشخص الذي يصاب بالحصبة في طفولته يبقى محصنا ضد المرض حتى سنواته الأخيرة. ولعل خلايا الذاكرة تموت في النهاية إلا انها تصنع بدائلها عن طريق الانقسام، وفي كل مرة تنقسم خلية الذاكرة فإنها تنتج بدقة كل خواص فيروس المناعة البشرية بجيناتها. غير ان الدكتو هو من مركز دياموند يفضل النظرية الثانية، ويعتقد أن خلايا الذاكرة أقصر عمرا، إلا ان امداداتها تتجدد باستمرار عن طريق تتابع العدوى على مستوى منخفض. وتستطيع أنظمة المعالجة بالأدوية والتي يسميها الأطباء اختصاراً باسم «هارت» ان تخفض مستوى الفيروسات عشرة آلاف مرة، ولكنها ربما لا تستطيع ان تمنع الفيروس تماماً من نقل العدوى إلى الخلايا المناعية فيتحول بعضها إلى خلايا ذاكرة مصابة بالعدوى، وعليه مهما كانت سرعة موت هذه الخلايا تحل مكانها خلايا جديدة. ويسأل الدكتور هو: إذا تمكنا من وقف هذا التكاثر الأساسي سيبقى الخزان قائماً؟ وقد بدأ فريقه العلمي اختبار لمعرفة الجواب. وخلص الاختبار إلى تصميم علاج مركب من أربعة أدوية هو نوع من «السوبر هارت» ويعتبر أقوى من الأدوية المركبة الأخرى، ويستعمله 30 مريضا في الوقت الحاضر وهدفه وقف الانتشار المتدني المستوى للفيروس وبالتالي وقف امدادات خلايا الذاكرة المصابة بالعدوى حديثاً. وإذا نجح المركب الرباعي ذاك فمن المتصور انه سيقضي على خلايا ذاكرة الجسم المناعية المصابة بالعدوى في غضون ثلاث أو أربع سنوات. ويقول الدكتور هو: لا أحد يدعي انه إذا تخلصنا من هذا الخزان سيصبح لدينا ترياق شاف، لقد واجهنا مشكلة صعبة إلا انه قد تكون هناك مشاكل أخرى. ومن بين أكبر تلك المشكلات التي قد تكون موجودة الخوف من ألا تكون خلايا الذاكرة المناعية المصابة هي الخزان طويل العمر الوحيد للفيروس في الجسم، فقد يتسكع الفيروس أيضا في أماكن يصعب فحصها، أو انها في غير متناول أدوية الايدز، مثل الدماغ ونقي العظم والخصيتين. ويقول الدكتور تاي ـ ووك تشون من المعهد القومي للحساسية والأمراض المعدية ان القضاء على خزانات الفيروس المجهولة هذه مهمة هائلة حتى بأدوية أقوى كثيراً يمكن ان تصبح متوفرة في المستقبل القريب. ولهذا السبب يعتقد تشون وغيره من الباحثين في الايدز ان أفضل دفاع ضد فيروس المناعة البشرية قد يكون في النهاية جهاز مناعة الجسم نفسه، وهم يريدون ان يعلموا جهاز المناعة الطبيعية ان يتحكم بالفيروس حتى يتوقف المرض عن أخذ أدوية الايدز التي تسبب آثارا جانبية مضرة بالصحة. ولا أحد يجرؤ على القول ان حتى هذه الطريقة ممكنة، إلا ان العلماء بوسعهم من الآن ان يتخيلوا الاستراتيجية وقف تكاثر الفيروس بالأدوية المستعملة حاليا، ثم اعطاء المريض اللقاحات والمعززات الأخرى لتقوية دفاعات الجسم الطبيعية ـ العاجزة حتى الآن ـ ضد فيروس المناعة البشرية. ويقول هؤلاء ان جهاز المناعة قد يتعلم مع الوقت ان يقوم بالمهمة كاملة وحده، إلا ان ذلك لا يزال في الإطار النظري الذي يحتاج إلى برهان تماما مثلما كانت فكرة القضاء على الفيروس قبل خمس سنوات. عن «أسوشيتدبرس»