في واقعة غير مسبوقة احتشد امام مفاعل ديمونة الذري في اسرائيل عشرات من العاملين السابقين جميعهم مصابون بالسرطان في مراحل مختلفة..فمفاعل ديمونة اصبح متهالكاً ويسرب الموت لمن يعملون به وبالتالي، يتوجب علينا نحن ايضا ان نكثف جهودنا للمطالبة بضرورة تفتيش المفاعل بشكل دوري خشية انفجاره في أي وقت وهو ما لم يستبعده عدد من المتظاهرين الذين رصد مشكلتهم تقرير نادر (ليديعوت احرونوت). العاملون بديمونة تظاهروا مطالبين باعتراف الحكومة الاسرائيلية بمسئوليتها عن اصابتهم بالسرطان الذي قضى بالفعل على حياة عدد غير قليل من هؤلاء العاملين، التسرب الخطير ينجم بشكل اساسي وفقا للشاكين ـ من ضعف في اجراءات الحماية من تسرب الاشعاع الذري والكيميائي بالمفاعل مما اصابهم باضرار لا يمكن علاجها..الغريب ان الحكومة الاسرائيلية تصر على عدم تحملها مسئولية الكوارث التي اصابت العاملين بديمونة على الرغم من مشاركة أرامل عدد من العاملين الذين لقوا مصرعهم ـ من جراء تسرب الاشعاعات الى اجسادهم ـ في الاحتجاجات.وفي المقابل يرفض المسئولون عن المفاعل اعتبار ما حدث للعاملين به «اصابة عمل» تستحق تعويضاً. احد كبار المسئولين عن مفاعل ديمونة قال ببرود : الامراض التي اصابت العاملين بالمفاعل لم يثبت بعد ان لها علاقة بعملهم السابق في المفاعل. في حين قال المتحدث باسم المفاعل «دوف باراك»: الاصابة بالسرطان معرض لها اكثر من اربعين في المئة من سكان اسرائيل والدول الغربية خلال حياتهم، وقد اجرينا احصائيات داخل المفاعل ولم يثبت تزايد نسب الاصابة بالسرطان عن النسب خارجه. وأضاف المتحدث : على الرغم من حزننا على العاملين الذين قدموا سنوات عمرهم داخل المفاعل لا يمكننا ان نتعامل مع اصابتهم على انها اصابة عمل. الكلام المعسول للمتحدث باسم المفاعل لم يدفع ضحايا الاشعاع للتراجع فذهب عدد منهم لهيئة التأمين الصحي بعد ان رفعوا دعاوى قضائية فوافق التأمين الصحي في بعض الحالات على الاعتراف بمسئولية التسرب الاشعاعي عن مصرعهم بالسرطان. وفي هذا الاطار قالت أرملة احد العاملين السابقين بديمونة والتي لم تفصح الجريدة عن اسمها بتعليمات من الاجهزة الامنية: اقيم في بئر سبع وقد كان زوجي «ليون فكنين» فني بمفاعل ديمونة وتوفي من عشر سنوات من جراء اصابته بالسرطان.ولا ادري لماذا لا يعترف المسئولون في ديمونة بان زوجي توفى من جراء اصابة عمل فقد اصيب بالسرطان في المفاعل وبسببه. وعن بداية اكتشاف المرض قالت الارملة : لاحظت هبوط وزن زوجي رغم تناوله نفس كميات الطعام المعتادة، وبعد عدة اسابيع سقط مغشيا عليه داخل المفاعل وتم نقله لمستشفى وهناك اكد لنا الاطباء بعد سلسلة من الفحوصات والتحاليل ان «ليون» مصاب بسرطان المعدة وانه وصل لمرحلة متقدمة، ورغم اجراء عملية جراحية له الا انه سرعان ما توفى في المستشفى بعد ستة اشهر من سقوطه مغشيا عليه داخل المفاعل. الأرملة طالبت المسئولين عن المفاعل بدفع تعويضات اصابة العمل التي نص عليها القانون، وبعد سلسلة من المراوغات والتهرب من المسئولية رفعت دعوى قضائية منذ عشر سنوات- بواسطة المحامي «رائوبين ليستر» والذي تفرغ لرفع قضايا التعويض لصالح العاملين بمفاعل ديمونة حيث يتولى بمفرده 50 قضية من بين 70 تنظرها حاليا المحاكم الاسرائيلية، قضية ليون لم يصدر فيها حكم رغم رفعها منذ عشر سنوات وحتى الآن لا تزال اسرته تنتظر التعويض. المثير للريبة ان عائلات الضحايا التي طلبت من المسشتفيات صور الاشعة والتحايل اكتشفت ان ملفات ضحايا المفاعل اختفت بشكل غامض !! ارملة «ليون» ابدت تذمرها ايضا من التجاهل المعنوي بالاضافة للمادي لها من قبل المسئولين عن المفاعل وروت انها لم تتلق سوى عدة مكالمات من ادارة الافراد بالمفاعل على سبيل المجاملة وكان ذلك بعد الوفاة مباشرة، وبعد ذلك لم يعرض على أي شخص المساعدة او حتى قام بالسؤال عن ابناء العامل الراحل الخمسة، عانيت بشدة ولا زلت حتى الان لا استطيع ان ارفع رأسي من ثقل المسئولية. من ناحية اخرى التقت الصحيفة الاسرائيلية بمن وصفته بزعيم المحتجين وقائد الصراع ضد المسئولين بديمونة وهو «يوسي» ابن يهودا كاليفا الذي اصيب بالسرطان من جراء عمله بالمفاعل، وقد بدأ «يوسي» كلامه بالرد على المتحدث باسم المفاعل فقال : الزعم بان 40 % من الإسرائيليين معرضين للاصابة بالسرطان لا تثير فينا سوى الغضب الشديد، فلو نظرنا لاعمار المصابين بالسرطان في اسرائيل سنجدها متقدمة، بينما اصيب العاملون في ديمونة بالسرطان في الاربعينيات من عمرهم. الفنيون ضحايا للإشعاع واسترسل يوسي يقول: العامل المشترك البارز بين من تقدموا بدعاوى قضائية انهم تعرضوا للسرطان بسبب تسرب الاشعاع حيث كانوا جميعا فنيين وليسوا اداريين وانهم كانوا على صلة قريبة بمواد كيماوية ونووية مشعة لا تظهر آثارها المباشرة على جسد الانسان الا بعد فترة طويلة تترواح بين 20 و30 سنة مما جعل نسبة اكتشاف المرض تتركز في الفترة التالية للثمانينيات من القرن العشرين.واختتم يوسي كلامه بقوله ان فرض فحوصات على الاصابة بالسرطان لكل العاملين بالمفاعل منذ عام 97 تكشف عن قناعة المسئولين الداخلية بمسئولية المفاعل عن نسبة الاصابة الكبيرة والمبكرة بالسرطان والتي لا يتعرض لمثلها سائقو السيارات على سبيل المثال، ومع هذا يصر القائمون على ادارة المفاعل على دفن رؤوسهم في الرمال ويرفضون الاعتراف بان عشرات الضحايا تعرضوا لاصابة عمل نتيجة تسرب مستمر لاشعاعات قاتلة من مفاعل ديمونة. وفي واقعة اخرى روت ارملة «مردخاي» الفني بالمفاعل والذي اصيب بالسرطان ثم لقى مصرعه بعد ثمانية اشهر من اكتشاف المرض: زوجي اتهم زملاءه ورؤساءه -في خطاب رسمي-بخداعه وعدم تنبيهه لخطورة المواد التي يتعامل معها وكان يعتزم رفع دعوى قضائية لكنه توفي قبل ان ينفذ ما كان يخطط له، لقد رفعنا نحن دعوى تعويض لكن لم يتم الحكم فيها منذ نحو عشرين سنة وحتى الان (!) وانا اعرف عشرات من الذين لم يمهلهم المرض حتى يرفعوا دعاوى قضائية، وفي المقابل علمت بان هناك عدداً من كبار المسئولين اصيب ايضا بالسرطان بسبب تسرب اشعاعات من مفاعل ديمونة لكنهم تلقوا على الفور تعويضات بعد اعتبار اصابتهم «اصابة عمل». مصدر مطلع على تفاصيل الفضيحة اكد ان ادارة المفاعل تبرم صفقات مع اسر قتلى الاشعاع بعيدا عن ساحات المحاكم عندما تتأكد من قوة الادلة التي بحوذة عائلة القتيل، لكنها تتعنت وتصر على اكمال القضية حتى النهاية في حالة ضعف الادلة التي في حوزة اسرة الضحية. من جانبه اصر مجمع الطاقة الذرية المسئول عن ادارة مفاعل ديمونة على موقفه المتشدد من الفضيحة وقال : بالنسبة للتعامل مع المرضى والارامل توجد وحدة مكونة من ثلاثة عاملين مهمتهم مداومة الاتصال باسر الضحايا، ونحن نعطى اولوية لمرضى السرطان على الرغم من ان المرض لم يكن بسبب العمل في المفاعل. المسئولون يرفضون الاعتراف بآثار الاشعاع وفيما يتعلق بالاجراءات الصحية الخاصة التي بدأت عام 97 لرصد مرض السرطان بين العاملين فان هذا لا علاقة له بمزاعم زيادة نسب المصابين بالسرطان بين العاملين بالمفاعل، واختتم المسئولون ردهم الجاف على المشكلة الخطيرة بقولهم :نحن نعتبر ما تردد بشأن منح تعويضات لكبار المسئولين الذين اصيبوا هم ايضا بالسرطان «شائعات» فنحن لا نمنح كبار المسئولين اولوية خاصة، وان كان لم ينف ان هناك من تم الاعتراف بهم بالفعل كمصابين او قتلى من جراء «حوادث عمل» داخل مفاعل ديمونة. يذكر ان المشاكل بدأت تحاصر المفاعل من داخله على عدة اصعدة فبدون أي علاقة مع فضيحة التسرب النووي قرر العاملون بالمفاعل الاضراب عن العمل لمدة يومين احتجاجا على رفض مطالبهم برفع رواتبهم. (الهستدروت) اتحاد العمال اعلن انه اذا لم يتم التوصل لحل للمشكلة مع الادارة في خلال اسبوعين فسوف يكون من حق العاملين الاضراب مجددا وتعطيل المفاعل عن العمل ما لم يحصلوا على نسبة زيادة في الراتب تتخطى بقية العاملين في إسرائيل.