مر ثلاثة وخمسون عاما منذ غادرت فاطمة الحلو «75 عاما» قرية لفتى، التي كانت يوما من الايام أكبر قرية في منطقة القدس، ولكنها حتى اليوم تحلم بالعودة إلى قريتها ودارها. وتقول فاطمة وهي أم لتسعة أولاد «أعيش في البيرة (الضفة الغربية) منذ خمسين عاما، ولكني لم اشعر أبدا أنني في بيتي. ولن يعود إلي هذا الشعور إلا بعد عودتي إلى لفتى». كانت فاطمة هربت من لفتى مع 700 ألف فلسطيني آخرين هجروا من ديارهم فيما أصبح يعرف الان باسم إسرائيل، في عام 1948 بعد أن قامت جماعات يهودية مسلحة بمذابح بشعة في قرية دير ياسين القريبة، التي غيرت إسرائيل اسمها إلى جيفات شاؤل. وفي حالة من الفزع والرعب من أن يواجهوا نفس مصير أكثر من مئتي وخمسين مدني فلسطيني استشهدوا في دير ياسين في التاسع من إبريل من ذلك العام، أغلقت فاطمة وزوجها المنزل ووضعت المفتاح في جيبها ثم حملا أطفالهما الستة الذي كان أكبرهم في التاسعة من عمرة وأصغرهم في الشهر الرابع، واتجها شمالا بحثا عن ملاذ آمن. وقالت فاطمة «كنت أعتقد إننا سنبتعد عن منزلنا لمجرد أيام قليلة، إلى أن تستقر الامور ثم نعود إلى ديارنا»، وتابعت وهي تتحسس مفاتيح دارها في لفتى التي مازالت في حوزتها «لم أحلم بأننا سنبتعد عن منزلنا كل هذه المدة». وفي 15 من مايو من كل عام يحيي الفلسطينيون ذكرى ما أسموه بالنكبة أي الكارثة الكبرى. وهو اليوم الذي انسحبت فيه القوات البريطانية من فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني في عام 1948 وأعلن فيه قيام دولة إسرائيل، بعد ستة أشهر من دعوة الجمعية العامة للامم المتحدة إلى تقسيم فلسطين إلى دولتين دولة يهودية وأخرى عربية. عندئذ رفض العرب قرار التقسيم الذي تم تبنيه في 29 نوفمبر من عام 1947 وفي الصراع الذي أعقب ذلك ولدت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. وبعد أن احتلت إسرائيل الضفة الغربية في حرب عام 1967، بات من الممكن للفلسطينيين الذين هجروا من ديارهم فيما أصبح إسرائيل بعد عام 1948 ولجأوا إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، أن يعودوا ثانية ليروا ديارهم وقراهم مجددا. وأصيب عديدون منهم بالصدمة عندما رأوا قراهم مدمرة ومقام على أنقاضها أحياء يهودية. وبكى آخرون عندما شاهدوا منازلهم مازالت قائمة في موضعها ولكن تسكنها أسر يهودية. وعادت الحلو عدة مرات إلى لفتى، التي تم تحويل جزء منها إلى ضاحية يهودية بالكامل، بينما تم ترك الجزء الاخر كما كان في عام 1948. وتحدثت فاطمة عن منزلها الذي استولت عليه أسرة يهودية ومنزل جدها الذي تم تحويله إلى مدرسة وكل منازل أقاربها وأصدقائها في القرية. وتعيش فاطمة في البيرة، على بعد 15 كيلومترا فقط شمال قريتها، منذ أصبحت هي وأسرتها في عداد اللاجئين. ولكن ذكرى حياتها في لفتى والحيوانات التي كانت أسرتها تربيها والمنازل الكبيرة والجيران مازالت حية ومحفورة في ذاكرتها. وتقول «انه حلم وأمل أن نعود إلى ديارنا». وأنجبت فاطمة ثلاثة أولاد آخرين في البيرة، ولكنهم جميعهم، وحتى أولئك الذين يعيشون عبر النهر في الاردن ولديهم منازل وأعمال ناجحة أو حتى يعيشون في مناطق أبعد، مازالوا يحلمون باليوم الذي يعودون فيه إلى ما كان في يوم من الايام منزل العائلة. غير أن هذا الحلم قد لا يتحقق على الاطلاق حيث يدرك الفلسطينيون كل يوم أن ما فقدوه في عام 1948 ربما لا يمكن استرداده أبدا وأن عليهم أن يقبلوا الواقع الجديد، مهما كان مر المذاق. وأكثر ما يأمل الفلسطينيون الحصول عليه اليوم هو دولة مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة تمثل 22 في المئة فقط من مساحة فلسطين التاريخية. د.ب.ا