بيان الاربعاء: خلال مؤتمر «تجدد القيادة واشكاليات التنمية في العالم العربي» الذي اختتم اعماله في القاهرة مؤخراً قدمت الاستاذة نهاد عز الدين الاستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة ، دراسة طالبت فيها بدفع الحوار الجاد والمفتوح بين مختلف التيارات والقوى السياسية في مصر لتقريب وجهات النظر المتنافرة للوصول الى قدر من الاتفاق حول القضايا المصرية العامة. واشارت الدراسة الى ان الحوار في مصر يتسم حالياً بانقسام حاد في الرأي حول تجديد القيادة مما يكشف عن اعراض ازمة اخرى اشد خطراً على التنمية وهي حسب الدراسة افتقار المجتمع السياسى المصرى للحد الأدنى اللازم من التوافق والتراضى العام حول القواعد الأساسية الحاكمة للعملية السياسية وبما يتجاوز المصالح الفئوية والحزبية والنخبوية الضيقة. أكدت الدراسة أن تداول السلطة في مصر هي أزمة مجتمعية وليست مرتبطة بالنظام السياسى فقط كما تصدت الدراسة أيضا الى حالة الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدنى عامة مشيرة إلى أن الاحتكار أصبح سمة للمجتمع حتى أن البعض يرى أن النخبة المصرية بمفهومها الأوسع (سواء الحاكمة أو المثقفة ) تعانى منذ سنوات طويلة من حالة من الركود وإنعدام الحراك وجمود مؤسسات العمل السياسى والحكومى والشعبى مما أدى إلى تيبس العملية السياسية وهو ما أطلق عليه ظاهرة غياب الصف الثانى من القيادات وتوقف دورة تجديد النخب حيث أن الأشخاص هم الأشخاص سواء في الحكم أو المعارضة. ستة اسباب حددت الدراسة أسباب تلك الظاهرة التي وصفتها بالمهنية في ستة أسباب، الأول: ضعف دور الشباب وهي مشكلة لا تقتصر على تولي المناصب الرسمية وإنما تشمل المجتمع المدنى أيضا، الثانى: طغيان معايير الثقة والولاء على الكفاءة والأداء، الثالث: غياب الدافعية لممارسة العمل العام التطوعي، الرابع: عدم الثقة في جدوى المشاركة والعزوف عنها لأنها (الأحزاب ) تتسم بالهشاشة أو لأن عملية الإنتخاب ليست جادة ونزيهة، الخامس : صعوبة المشاركة ذاتها لما تتطلبه من قدرة تمويلية بالانفاق على الدعاية الانتخابية والاستناد إلى عزوة عائلية، السادس: تعرض مصر منذ منتصف السبعينيات لتجفيف منابع تجديد النخبة بدوافع أمنية وسياسية- وأيديولوجية مع غياب وسائل التنشئة والتربية الثقافية الحافزة للمشاركة. عددت الدراسة مستويات أزمة القيادة السياسة في مصر في عدة مستويات هي القيادة الوزارية والقيادة الحزبية وأشارت إلى أنه منذ منتصف الخمسينيات حتى الآن اختفت الوزارة السياسية وظهرت وزارة تكنولوجية ولم يعد تغيير الحكومة يعبر عن حيوية النظام حيث اقتصر على تغيير الأشخاص دون الأفكار أو السياسات. وكان من أخطر العوامل ما حددته تلك الأزمة في غياب مبدأ الانتخاب وسيادة مبدأ التعيين، لذا دعت المعارضة إلى الغاء مبدأ التعيين في المراكز الرئيسية والحساسة ومنها إلى جانب مناصب الوزارة : منصب النائب العام وشيخ الأزهر ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والمحافظين وفي مقدمة ذلك كله منصب رئيس الجمهورية. وعن القيادة الحزبية خلصت الدراسة إلى أن ما يسود مصر هو نظام أقرب إلى نظام الحزب المهيمن منه إلى التعددية الحزبية الحقيقية، وقالت أن الدور المسيطر للحزب الوطنى الحاكم يساعد على ترسيخ دعائم طغيان السلطة التنفيذية وذلك لكون رئيس الدولة هو رئيس الحزب الوطنى للتداخل الشديد بين أجهزة الحزب وجهاز الدولة وتوظيف مؤسسات لخدمة مصالحه خاصة في الانتخابات بما يؤدى إلى انتقاء شروط المنافسة المتكافئة بين الأحزاب وهو ما يجعل المعارضة لا حول لها ولا قوة وتقع تحت وطأة فقدان الأمل في الوصول إلى السلطة أو حتى المشاركة فيها بفعالية. كما أن استمرار العمل بالقوانين الاستثنائية ومد قانون الطوارئ يعتبر أهم المعوقات التي تحول دون حدوث تداول سلمى للسلطة يضاف إلى ذلك جمود قيادات الأحزاب لافتقارها لآليات وتقاليد محاسبة القيادات الحزبية على أدائها وخروج البعض من هذه القيادة لم يرتبط عادة بالمحاسبة وإنما بخلاف مع شخص رئيس الحزب. منصب الرئيس وتنتقل الدراسة إلى الحديث عن منصب رئيس الجمهورية وإشكالية الخلافة السياسية حيث يشكل هذا المنصب محور احتدام الجدل على الساحة السياسية بين الحكومة والمعارضة وفقهاء القانون الدستورى وبين عديد من القوى الفاعلة على المسرح السياسى ويدور الجدل حول أربع قضايا رئيسية هي اختيار الرئيس ومدة الرئاسة وتعيين نائب للرئيس وسلطات واختصاصات الرئيس، وتشير الباحثة إلى أن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان من أكثر الرؤساء الذين عينوا نوابا وظلت اختياراته تنحصر في زملائه ممن شاركوه في الثورة، وأخذ النظام في بداية الستينيات شكل مجلس رئاسى ضم عددا منهم بينهم كمال الدين حسين وزكريا محيى الدين وكمال رفعت، لكن عبد الناصر عاد وألغى مهمات المجلس الذي كان أعضاؤه في ذلك الوقت يعدون نوابا لرئيس الجمهورية، وكان عبد اللطيف البغدادى أول نائب لرئيس الجمهورية عقب إتمام الوحدة السورية المصرية 58-1964 يتولى مناصب وزارية إلى جانب منصبه الأصلى وكان البغدادى أكثر النواب الذين قدموا استقالاتهم لخلافه المستمر مع عبد الناصر، كما تولى المشير عبد الحكيم عامر منصب النائب 1958 ولكنه استقال عام 1962 احتجاجا على تشكيل مجلس الرئاسة الذي رأى فيه عامر تقليصاً لسلطاته في تعيين قيادات الجيش ثم تراجع عن الاستقالة وعينه عبد الناصر نائباً أول للرئيس عام 1963 وظل شاغلا لهذا المنصب حتى عام 1965 ثم أعلن تنحيه أثر حرب 1967 وكان الرئيس عبد الناصر في أغسطس 1961 قد عين نائبين له أحدهما لشئون المؤسسات والخدمات هو حسين الشافعى والآخر للإنتاج وهو زكريا محيى الدين ثم قام بتعيين أنور السادات نائبا للرئيس (ديسمبر 1969 حتى 2 سبتمبر 1970 ) وتعيين حسين الشافعى نائبا ثانيا له. أما الرئيس الراحل أنور السادات فقد بدأ عهده بنائبين هما على صبرى وحسين الشافعى الذي ظل يشغل منصب النائب حتى ما بعد حرب أكتوبر حين قرر السادات اختيار مبارك بدلا منه وكان واقع الحال يكشف استحالة التعاون بين السادات والشافعى الذي كان يشكو من أن أهم قرارات الدولة تصدر دون أن يعرف عنها شيئا. وكان السادات يشكو من أن الشافعي يلقى الخطب العامة دون استئذانه ودون التزام بسياسة الدولة. وتكشف الدراسة عن أن عهد السادات قد شهد إطلاق شائعات بأنه سيقوم بتحويل مصر إلى ملكية وسيجعل نجله خليفته ووريثه على العرش رغم أنه لم يكن لديه أى ميل للعمل السياسى وقد لقيت هذه الشائعة رواجا كبيرا في ظل إصرار السادات في الفترة الأخيرة من حكمه على تعديل المادة 77 من الدستور والتي كانت تنص على عدم جواز إعادة انتخاب الرئيس لأكثر من مدة واحدة فقط متتالية ومتصلة، حيث فرض السادات على المجلس أن يقوم بتعديل هذه المادة لإجازة إعادة انتخاب الرئيس والى بقائه في الحكم لمدة أخرى بدون قيد أو شروط مما فتح الباب أمام التكهنات بإمكانية أن يعهد بالحكم إلى نجله أسوه بالنظم الملكية، وزاد من ذلك أن السادات كان قد أبدى تخليا متزايدا من مبادئ الديمقراطية وبدأ في الجنوح إلى الحكم المطلق وبلغ هذا ذروته بقرارات سبتمبر الشهيرة ولم يحاول السادات المواجهة أو الرد على تساؤلات الشارع مما سمح للشائعات بأن يتزايد نموها. وتشير الدراسة إلى أن الرئيس مبارك حسم الخلاف حول هذه القضية مؤكداً رفضه لتوريث الرئاسة في مصر في أكثر من مناسبة كان آخرها خلال زيارته التي قام بها مؤخراً للولايات المتحدة الامريكية. إلا أن مسألة اختيار نائب للرئيس أثارت الإنقسام وتباين الاراء حولها ولم يقتصر هذا الانقسام على الجدل بين الحكومة والمعارضة وإنما امتد إلى داخل صفوف المعارضة فيما بين أحزابها المختلفة بل وداخل الحزب الواحد، ففى حين يطالب الليبراليون بتعيين نائب للرئيس يؤكد أنصار التيار اليسارى أن هذا الموقف بعيد عن الديمقراطية وأن اختيار الرئيس خليفة له يعنى حسم من يتولى الرئاسة مقدما دون مشاركة من الشعب في هذا الاختيار. كما يمتد الخلاف في الرأى إلى فقهاء القانون الدستورى الذين ينقسمون بين فريق يؤكد وجوب تعيين النائب دستوريا ويستشعر في غيابه خطر تعرض البلاد إلى حالة فراغ دستورى وفريق آخر ينفي ذلك الوجوب ويذهب إلى أن تعيين النائب هي مسألة اختيارية تخضع للسلطة التقديرية للرئيس ويؤكد أن آليات إنتقال السلطة واضحة بما لايدع مجالا لحدوث أى فراغ دستورى ويستشهد كل من الفريقين بنصوص الدستور ليدلل على صحة تأويله. تحذير وتحذر الدراسة من أن الإستغراق في هذا الجدل يؤدى إلى اغفال الجوهر الحقيقي لأزمة تجدد القيادة وما يمكن أن تخلفه من تداعيات على عملية التنمية بأبعادها المختلفة وترى أن هذه الأزمة لن يتم علاجها بوجود نائب للرئيس أو بعدمه وان العبرة بتغيير مضمون العلاقة السياسية ذاتها بين القيادة بمستوياتها المختلفة الوزارية والحزبية والرئاسية وبقية المجتمع وأن ينطوى هذا المضمون على إقرار هذه القيادات بأحقية المجتمع في المشاركة الفعالة في عملية التنمية بكافة مراحلها بدءا من تحديد الغايات ومرورا بصياغة الخطط والسياسات وإنتهاء بتحمل الأعباء وجنى الثمار