بيان الاربعاء: تضافرت عوامل عديدة في منتصف التسعينيات الى دفع حكومة الانقاذ التي وصلت الى السلطة في يونيو 1989 عبر انقلاب قضى على عهد الحكومات الحزبية في بذل ما استطاعت من جهد لمواجهة القضايا الرئيسية التي بررت بها امر الاستيلاء على السلطة وعلى رأسها موضوع الحرب، في جنوب السودان، لكن رغم النجاح النسبي في معالجة بعض القضايا الا انها اخفقت حتى الان في ايجاد صيغة عادلة ومناسبة لايقاف القتال الذي ظل يشنه المتمردون بقيادة العقيد جون قرنق زعيم حركة التمرد التي تقاتل في الجنوب منذ اكثر من 16 عاماً. ومع ذلك فقد نجحت الحكومة في ابريل 1997م احداث شرخ في جسم حركة التمرد عندما نجحت في توقيع اتفاق سلام مع 6 فصائل جنوبية مسلحة مستفيدة في ذلك من ظاهرة تفشي التكتلات القليلة بين الدينكا قبيلة قرنق وابناء القبائل الاخرى وعلى رأسهم النوير والزاندي بسبب ما اسموه بالتحيزات والامتيازات التي يجدها الدينكا ابناء عمومة العقيد قرنق مقارنة بحظوظ ابناء الاقليات من القبائل الاخرى ممن بدأوا يشككون في اهداف الحرب الحقيقية التي قضت على ابناء الجنوب واحرقت اراضيه دون آمال التوصل لانتصار حاسم. اتفاق القصر في ابريل 1997 كانت الحكومة وعبر مساعي بذلها اللواء الزبير محمد صالح نائب رئيس الجمهورية الراحل مع قيادات 6 من الفصائل التي اختلفت مع قرنق من بطون النوير والزاندي وممثلين للدينكا تحتفل بتوقيع اتفاقية الخرطوم للسلام في احتفال حاشد بالقصر الجمهوري والتي قضت في ثناياها بالاعتراف بحل اشكال الحرب عبر استفتاء مصيري لسكان جنوب السودان للتقرير ما اذا كان بامكانهم التعايش مع الشمال في دولة واحدة او الشروع في الانفصال عقب فترة انتقالية لا تتجاوز، الاربع سنوات وكان ابرز الموقعين على الاتفاقية الدكتور ريك مشار مساعد رئيس الجمهورية السابق وحاكم الجنوب المستقيل الذي كان يتزعم الحركة المستقلة لجنوب السودان والدكتور ديفيد ديشان رئيس قوة دفاع الاستوائية وكواج مكوي زعيم مجموعة بحر الغزال والعميد اروك طون اروك رئيس مجموعة ابناء بور اضافة الى فصيل عسكري اخر بقيادة كاربينو كوانين قائد التمرد الاول في مايو 1985 اما الدكتور لام اكول وزير النقل الحالي فقد وقع اتفاقاً خاصاً به عرف فيما بعد باتفاقية فشودة للسلام باسم الفصيل المتحد. اصداء وخيبة امل ورغم الاصداء الواسعة التي وجدتها الاتفاقية في بداية عهدها عند التوقيع الا ان الفرحة بها لم تدم طويلاً وبدى واضحاً ان الحكومة قد تأكدت في وقت لاحق ان الذين تحالفت معهم رغم خلفياتهم القبلية المضادة لجون قرنق الا انهم لا يملكون كل خيوط اللعبة في الجنوب الذي شهد استمرار الحرب بل وتفشيها في بقاع جديدة وتحول بعضها الى قتال جنوبي جنوبي. ولعل من سخرية الاحداث بأن لم يمر عام واحد حتى فقدت الاتفاقية ابرز عناصرها العسكرية بموت العميد اروك طون اروك الذي كان يمثل مجموعة ابناء بور (مسقط رأس العقيد جون قرنق). ومقتل النقيب كاربينو كوانين اول من قاد شرارة التمرد ضد الحكومة في 1983 على ايدي المليشيات المناوئة بولاية الوحدة والتي كان قد استقر بها في اعقاب اعلان خلافه مع الحكومة عبر هجوم مباغت نفذه على مدينة واو ثاني اكبر مدن جنوب السودان ونجح الجيش في تبديده في فبراير 1998م. ومنذ ذلك التاريخ اصبحت اتفاقية الخرطوم تواجه عدة عقبات اهمها ان الحكومة باتت في شك من امرها في مصداقية هذه الفصائل في الحفاظ على استقرار الجنوب وكان ردها العملي على ذلك السعي من جانبها الى خلق صيغ جديدة للتعامل مع شأن الجنوب في اطر خارج بنود الاتفاقية، برفع شعارات اقرار السلام من الداخل، واسناد المسئولية الدستورية وتشكيل حكومات الجنوب من عناصر جنوبية لا علاقة لها بالفصائل تزامن ذلك مع سياسات هدفت لافراغ الاتفاقية من مضمونها وحصر وظيفة مجلس تنسيق الولايات الجنوبية الذي نصت عليه الاتفاقية لمراقب للسياسات بدل المشاركة في صناعتها ووضعت امامه عقبات مالية بقصر مستحقاته على الحكومة بتوفير مرتبات الموظفين. اما الاشكال الاكبر فتمثل في انفراط العقد داخل قوات دفاع الجنوب التي كان يتزعمها الدكتور رياك مشار حاكم الجنوب وتمزقها الى ميليشيات متناحرة اخذت تهدد مواقع البترول بولايتي اعالي النيل وشمال بحر الغزال مما دفع الجيش للتصدي لها في عدد من المناطق الامر الذي استنكره الدكتور رياك مشار. وفي مارس 1999م ذهب الدكتور ريك مشار مساعد رئيس الجمهورية وحاكم الجنوب في اجازة لنيروبي اعلن بعدها استقالته من مناصبه احتجاجاً على عدم جدية الحكومة واكد خروجه رسمياً على الاتفاقية بعد ان وصفها بأنها باتت حبراً على ورق وفشلت الحكومة من جانبها او تعمدت اختيار خليفة له سيما لعدم امتلاكها للبديل او لرغبتها في جعل الاتفاقية التي فطنت مؤخراً الى خطورة بندها الخاص باعطاء الجنوب حق تقرير المصير في تهديد الوحدة حتى تلقى نحبها على مهل وفي استطلاعات مباشرة اجرتها «البيان» مع عدد من قيادات هذه الفصائل الموقعة من جبهة الانقاذ الديمقراطي والفصيل المتحد وفصيل جبال النوبة، قال مكواج تينج القيادي البارز في جبهة الانقاذ ووزير الدولة بمؤسسة التنمية الوطنية بأن اتفاقية الخرطوم للسلام باعتبارها الاتفاقية الرئيسية لم تتجاوز حتى الان رغم انقضاء اكثر من ثلاثة اعوام على توقيعها الاجراءات الشكلية وقال ان السبب الرئيسي غير معروف الا ان الواضح ان الحكومة ما عادت متحمسة وهو ما دفعها الى تخطي مجلس التنسيق (حكومة الجنوب) مباشرة وممارسة صلاحياته في تشكيل حكومات الجنوب في الولايات وتوفير الدعم المالي بعيداً عن اشراف المجلس لخلق تكتلات وسط الجنوبيين لابعادهم من الولاء لقيادة واحدة. وقال ان التوقيع على الاتفاقية كان الهدف منه مجرد احداث الكسب الاعلامي والذي استفادت الحكومة منه في تجميل موقفها الخارجي واصلاح علاقاتها مع دول الجوار وفك الحصار الدبلوماسي، واضاف ان مجرد الحديث عن نقل رئاسة مجلس التنسيق وموظفيه الى جوبا يصبح بلا فائدة مادام لا يملك صلاحيات تذكر بل ان مشاريعه الاقتصادية التي تم اقرارها لتنمية الجنوب قد تم استبدالها دون مشورة بما يعرف بالبرنامج الاسعافي وتساءل مكواج عن سر تضمين الاتفاقية من اساسها في الدستور بموجب المرسوم الرابع عشر طالما ان القناعة بها في تحقيق السلام لم تعد تجد القناعة اللازمة. فراغ دستوري وقال ان عدم تعيين رئيس لمجلس التنسيق منذ استقالة مشار يؤكد وجود فراغ دستوري كان يفترض ان تتعامل الحكومة معه بمصداقية، ان كانت تحترم الدستور حيث ان الاتفاقية تنص على ان رئيس مجلس التنسيق تنتخبه قيادات الفصائل وتوافق عليه الحكومة كما ان التحول الديمقراطي ومستلزماته يفترض نوعاً من التعامل الجاد مع كل بنود الدستور. وكشف مكواج عن ان الدكتور ريك مشار حاكم الجنوب السابق كان قد تعرض لضغوط كثيفة من قبل عدد من الدول الاوروبية قبل استقالته في شكل نصائح حذرته من عدم التورط مع الحكومة في اي اتفاق وحذرته من عدم مصداقيتها في تنفيذ ما وعدت به الا ان مشار كان يحاجج دائماً بضرورة اعطائه فرصة اكثر للاختبار. وقال ان استقالته تمت بعد ان توصل لذات القناعة. وقال ان الاسباب التي تثيرها الحكومة في مواجهتها لعقبات مالية في توفير تمويل انشطة المجلس غير كافية اذا ما كانت تعترف بالاتفاقية من اساسها كحق دستوري. واضاف بأن السؤال المطروح كيف تتعامل الحكومة مع الاتفاقية وهي على وشك اكمال فترتها الانتقالية التي يتوجب الاستفتاء بعدها والتي لم يتبق منها اكثر من عام. لأن امر الاستفتاء بات من القضايا التي يتعاطف معها اغلب الجنوبيين في ظل استمرار الحرب الراهنة.. دافع مكواج تينج عن الدكتور مشار المستقيل وقال انه واجه تكتلات خلقتها الحكومة لاضعاف موقفه ووصف الحديث الذي اعلنه احمد ابراهيم الطاهر رئيس الاركان الحالي والمستشار لشئون السلام بأن الحكومة زهدت في مشار بعد اكتشافها انه كان يستقبل ارصدة المجلس المالية لتحقيق اجندة خاصة من بينها الدعوة للانفصال بأنه حديث غير مقنع ولا ينطلي على احد. وقال ان مشار كان يواجه تكتلات مفروضة على ارادته. مشيراً الى ان الحكومة تتحدث عن شيء وتفعل شيئاً اخر والخيار الان مطروح امام الجنوبيين، وقال مكواج ان قيادات ترى الان ان قبول المشاركة في اي حكومة قبل معرفة مصير اتفاقية الخرطوم لا معنى له والاولوية الاولى هي حسم امر رئاسة مجلس التنسيق لأن الاختيار للوزارات يجب حساب قيمته في نوعية المشاركة، وليس عدد الجنوبيين في الحكومة. وقال بأننا لسنا ضد الشورى ولكننا ضد التجاوز، لأن الهدف ليس مجرد مشاورات حول وظائف وانما في المشاركة، وعزى تينج انفراط عقد قوات دفاع الجنوب الى مليشيات للتكتلات التي حدثت داخل صفوفها لاضعافها حتى لا تصبح قوة مؤثرة في مناطق تواجد البترول. اتفاقية فشودة وان كانت اتفاقية الخرطوم للسلام قد تقطعت اوصالها فإن اتفاقية فشودة للسلام والتي وقعها الدكتور لام اكول وزير النقل الحالي (رئيس الفصيل المتحد) في 20 سبتمبر 1997 مع الحكومة منفرداً قد افلحت في تحقيق عدد من النجاحات جميعها في صالح الحكومة تمثلت في التأمين النسبي لخط الملاحة النهرية على النيل الابيض ما بين مدينتي كوست وملكال عبر البواخر والجرارات الحاملة للبضائع والاغاثة. ويبدو ان سر نجاحها ليس في قوة بنودها او عزم الموقعين عليها ولكن في التأثير المباشر (لرث الشلك) ملك القبيلة التي ينحدر منها لام اكول في التأثير لايقاف الحرب التي شردت مواطنيه من حوله فضلاً عن زهد الكثير من ابناء هذه القبيلة في مواصلة الحرب. ويقول اونوتي اديقو نيكواج محافظ محافظة فشودة العاصمة الدينية للشلك والتي تقع ستين كيلو متراً شمال مدينة ملكال لـ «البيان» ان خلافهم مع حركة التمرد الرئيسي ضد الشمال ليس في استمرار الحرب لكن في ان يكون الهدف تحرير الجنوب ويقول ان د. لام اكول عندما اقبل على الاتفاق كان يعلم ان الشمال لا يدفع ثمن الحرب بقدر ما يدفعها الجنوبيون وان المنطق يقضي بالاتفاق على صيغة توقف الحرب وتحفظ مصالح اهل الجنوب حتى وان كان ثمن ذلك الانفصال وقال ان اتفاقية، فشودة تنص على ذات البنود التي تضمنتها بنود اتفاقية الخرطوم للسلام وكان من بين مطالبها المناداة باقامة مجلس استشاري للجنوب لمتابعة امر الاستفتاء لتقرير مصير الجنوب بعد اربع سنوات ويصاحب ذلك تشكيل لجان عسكرية مشتركة للاشراف على وقف اطلاق النار بين الجيش والفصيل المتحد الا ان هذه اللجان لا تزال تحت التشكيل. وقال محافظ فشودة لـ «البيان» انهم يرون كجنوبيين ان الحل الحقيقي للحرب يتأتى بترك الخيار امام الجنوبيين ليقرر عن قناعة ما بين الانفصال عن الشمال او اختيار وحدة تقوم على علاقات واضحة وقوانين وقال ان الموقف الحالي غير معروف وتساءل عن مغزى تجاهل امر الاستفتاء مع الفصائل الجنوبية الموقعة على اتفاقية الخرطوم للسلام وفشودة والرهان عليه والتفاوض مع ممثلي حركة قرنق. الاتفاق مع جبال النوبة اما اتفاقية ابناء جبال النوبة التي تم الحاقها باتفاقيتي الخرطوم وفشودة باتفاق منفصل في 25 يناير 1997 فقد تضمنت نصوصاً مشابهة للاتفاقيات التي سبقتها الا ان الحكومة اكدت اكثر من مرة بأن التعامل مع هذه القضية سيركز على ازالة مظالم بعينها اقتصادية وسياسية مع الاصرار على عدم ربطها بتلك الاتفاقيات لخصوصية ابناء تلك المناطق. وفي ذلك اجاب محمد هرون كافي وزير الدولة السابق بوزارة العلاقات الاتحادية والقائد الاول للفصيل الذي قاد توقيع الاتفاقية على سؤال «البيان» عن ماذا تحقق من هذه الاتفاقية في وجود يوسف كوة ابرز ابناء جبال النوبة الذين انضمو لحركة قرنق واستمروا في معارضتهم الى اليوم بأن الظروف والاجراءات التي سبقت الوصول للاتفاقية كانت نتاجاً لاشكال حقيقي واتساع دائرة الحرب وما خلفته من زعزعة وعدم استقرار وتشريد للمواطنين من مواقعهم الاصلية الى هوامش المدن بما يتناقض مع دوافع التحرير نفسها. ومن هذا المنطلق نمت حركة ضغط في اوساط حركة التمرد وابناء جبال النوبة الذين يعملون تحت امرتها على ضرورة ايجاد مخرج، ساعد على ذلك تزايد ارتفاع تكتلات ابناء جبال النوبة في الخارج، خاصة في مصر واوروبا مع الاصوات التي تنادي بايقاف الحرب والوصول الى بر الخلاص» اضف الى ذلك التشفي الشديد من قبل حركة قرنق والذي اسفر عنه تصفية اعداد كبيرة من القيادات من ابناء الجبال واجبار اعداد كبيرة من المواطنين للنزوح خارج مناطقهم. وكأن اقدامنا على الاتفاق مع الحكومة هو محاولة لانقاذ ما يمكن انقاذه وكان بداية هذه الخطوة هو اعلاننا في يونيو 1996 باسم اللجنة المركزية للحركة الشعبية ـ قطاع جبال النوبة المتحدة الانسلاخ عن حركة قرنق في مؤتمر صحفي انعقد بفندق (شستر هاوس) بقلب نيروبي وفي اعتقادي ان امر الانسلاخ قد حقق هدفاً هاماً بالنسبة لأهل جبال النوبة ولكثير من السودانيين اولها فصل قضية جبال النوبة من الجنوب واشارت الوثيقة الاولى التي تم توقيعها بين اللجنة المركزية وحكومة السودان في محادثات نيروبي 1996 هو الاعتراف بأن لأهل جبال النوبة قضية عادلة مالم تنطق به الحكومات السابقة ولم يتوقف التفاوض عند هذه الحقائق بل تعداها عملياً لاصدار (اعلان مبادئ حل مشكلة جبال النوبة) ليصبح وثيقة تفصل اطر الخلاف والاهداف والمقاصد توطئة للبحث عن الحلول الناجعة ويمكن اعتبارها اول اتفاقية تبرم بين جبال النوبة وحكومة السودان وهي بهذه الصفة تصبح مدخلاً لاختبار مبدأ هام وهو مدى الالتزام بتنفيذ العهود ومصاحبة ذلك بتشكيل آلية تنفيذية هي (المجلس الانتقالي لانقاذ اتفاقية جبال النوبة للسلام) والذي يتكون من اربعين عضواً لمتابعة تنفيذ الاتفاق. ويضيف محمد هرون كافي لـ «البيان» بأن الاتفاقية نجحت في حل اشكالين كانا من اسباب لحاق ابناء جبال النوبة بالتمرد وهما المشاركة في السلطة والتقسيم العادل للثروة وتطبيقاً لذلك تم ولأول مرة تعيين عدد مناسب من ابناء الجبال في مناصب وزارية مركزية وفي الولايات والمحافظات مما يجعل جدوى للاتفاقية. ويؤكد ان التدفقات الحالية (30 الف نسمة) من مناطق الجبال الشرقية الى معسكرات الحكومة فعالية التطبيقات للاتفاقية وان الخطوة القادمة هي تسويق الاتفاقية في الخارج لجلب دعومات للتنمية في جبال النوبة ويقول كافي انهم الان باتوا اكثر قناعة بعدم الحديث عن الاستفتاء حتى بعد انتهاء اجله وامهال ذلك اكثر فترة ممكنة حتى نجعل العهد مسئولاً وقال كافي انه يشعر بالارتياح على توقيع اتفاقية جبال النوبة لأنها كانت الوسيلة الانسب للحفاظ على دماء ابناء جلدته