يقف المستشرق الأندلسي لويس خافيير في عداد المثقفين والمفكرين الاسبان الذين يؤمنون بامكانية عودة الثقافة العربية إلى سابق عهدها ايام الدولة الاموية في الاندلس ان هي حاولت الاستفادة من ذلك الماضي العريق والنهوض نحو القرن الجديد بعزيمة وارادة واعية تعتمد على الاستفادة من تمازج الثقافات العالمية مثلما فعلت في القرون الوسطى. فبعد العديد من الدراسات والابحاث والنشاطات الاعلامية والفكرية يضع لويس خافيير خبرته الابداعية الطويلة في خدمة الحوار الثقافي بين الثقافة العربية والثقافة الاسبانية مؤمنا إلى درجة كبيرة بان الثقافة العربية من اهم الثقافات الانسانية على مر العصور وان ابن عربي والمتنبي مبدعان يجب اعادة امجادهما الفكرية بطريقة أو بأخرى وبعد ان شغل منصب مدير المركز الثقافي الاسباني بدمشق «معهد سيرفانتس» انتقل إلى مدير ليتولى منصب المدير العام للمراكز الثقافية الاسبانية، وقبل مغادرته دمشق تم اجراء اللقاء التالي: ـ كيف ترى مستقبل التبادل الثقافي العربي ـ الاسباني في الوقت الحاضر؟ ـ يأخذ التبادل الثقافي بين الثقافة الاسبانية الممتدة عبر البلدان الناطقة بالاسبانية والثقافية العربية المنتشرة على بساط الدول العربية مجالا واسعا، من هنا يمكننا الحديث عن اهم تبادل ثقافي عالمي في هذا المجال وانا متفائل جدا بمستقبل هذا التبادل لاننا نمتلك سويا ماضيا مشرقا، وقد كانت العلاقات العربية الاسبانية جيدة وغنية عبر اجيال واوقات مختلفة خاصة وان اسبانيا كانت بوابة واسعة لدخول الثقافة العربية إلى اوروبا. وحاليا في عصر العولمة والانفتاح العالمي نجد انفسنا امام تبادل مكثف كي نعمل سويا لاقامة علاقات متبادلة باختصاصات متنوعة لنكتب تاريخنا المشترك ونقول بأن اوروبا لديها معرفة ومعلومات عن مرحلة علينا ان نضيفها إلى ما عند العرب كي نغني هذه التجربة ولا نحتكر الثقافة لجهة معينة لانه يمكننا اقامة علاقات ثقافية متبادلة ليست مبنية على الماضي فقط وانما على الحاضر والمستقبل معا. ـ من المعروف ان الحضارة العربية اثرت بشكل مباشر على الحضارة الاوروبية من خلال الاندلس، برأيك هل يمكن ان تعود الثقافة العربية إلى سابق مجدها ويكون هناك نوع من التأثير المتبادل بين الحضارتين الاوروبية والعربية؟ ـ يجب الاعتراف اولا ان الثقافة العربية تعد من اهم الثقافات التي انتجها الانسان على مر العصور فقد استفاد العرب مما انتجته الشعوب الاخرى ونقلوا الكثير من الثقافات الاخرى ثم ابدعوا ثقافة جديدة مختلفة، وهذا بحد ذاته شيء مهم وجدير بالاحتفاء ولاتزال الكثير من الشواهد قائمة في مجال العمارة والشعر والموسيقى والرؤية الجديدة للانسان والعالم وهذا ما احدث هزة عنيفة في اوروبا في ذلك الوقت لان الاوروبيين ادركوا ما قدمه العرب من نتاجات متميزة لذلك جاءت حركة ترجمة الثقافة العربية إلى اللاتينية سواء عن طريق صقلية أو عبر ارسال الطلاب إلى المدارس العربية المنتشرة آنذاك في الاندلس. واستطيع القول ان الحروب الصليبية من نتاج حركة الترجمة والنقل وإن كنت لا احب محاكمة الحروب الصليبية لأنني اعتقد انها حوكمت بما فيه الكفاية خاصة وان هناك العديد من الشعوب الشرقية كالمغول مثلا كانت تريد اجتياح العالم لكن عند الاحتكاك بالعرب المسلمين تبدلت نظرتهم واصبحوا مسلمين لانهم ارادوا ايضا التأثير في البشرية وان كان بطريقة مختلفة عما قدمه العرب المسلمون في العصور الوسطى. العرب والقرن الجديد ـ وماذا يمكن ان يقدم العرب في القرن الحادي والعشرين للحضارة العالمية؟ ـ مثلما قدم العرب نور الحضارة في العصور الوسطى فانهم يستطيعون ذلك في القرن الجديد وذلك باعادة صياغة وتشكيل للحضارة العالمية وفق المعطيات الجديدة وهذا بالضبط ما حدث في اوقات سابقة وقد علم العرب الشعوب الاخرى هذه الطريقة واقصد بها طريقة دمج الثقافات الاخرى وانتاج ثقافة جديدة متميزة وهذه مسئولية العرب الجماعية في تقديم اشياء جديدة في الوقت الحاضر، وخذ مثلا على ذلك اليابان ففي سنة 1870 وصلت سفينة امريكية إلى هناك وكان الشعب الياباني عبارة عن شعب مزارع لا يملك شيئا اما اليوم فالعالم يشهد بالتغيير الذي احدثه شعب اليابان المخترع بابداعاته الحديثة التي غيرت وجه العالم تقريبا. ـ وماذا تخبرنا عن ابرز نشاطات معهد سيرفانتس في مجال اقامة المعارض والندوات والامسيات الفكرية والفنية وهل هناك توجه معين في هذه النشاطات؟ ـ في معهد سيرفانتس لدينا توجهان ثقافيان اساسيان الاول يتمثل في نشر الثقافة الاسبانية والثاني نشر اللغة الاسبانية في البلدان التي يوجد فيها معهد سيرفانتس لذلك فان السياسة الثقافية للمركز الثقافي الاسباني في العالم العربي تتلخص في اننا نلتقي كعرب واسبان في مسألة التاريخ والثقافة المشتركة وعلى هذا الاساس نسعى لاقامة دراسة مشتركة عن هذا الماضي من خلال لقاء اساتذة مختصين من اسبانيا ودول عربية مختلفة كسوريا وتونس وبلدان اخرى كانجلترا وفرنسا وايطاليا والهدف من ذلك كما ذكرت ايجاد مجالات فكرية وثقافية مشتركة وهذا ما يفسر حجم الندوات والمؤتمرات التي اقمناها على مستوى معهد سيرفانتس في دمشق تحديدا. فالبنسبة للثقافة الاسبانية المعاصرة نجد ان اسبانيا لديها فنانون متميزون في مجال الفن لذلك قمنا من خلال معهد سيرفانتس بجلب اعمال فنية اصلية إلى سوريا كأعمال بيكاسو وجويا واعمال نحت لدالي وميرو وهذا خطوة جريئة جدا في جلب الاعمال الفنية الاصلية عبر معارض وصل عددها ثلاثة معارض مما يسهل على الفنانين السوريين والعرب رؤية هذه الاعمال والاطلاع عليها. ونحن نحضر حاليا للملتقى الدولي الرابع للتصوير الضوئي حيث يعتبر هذا الفن من الفنون المعاصرة الهامة وقد حرصنا على مشاركة اعمال فنية من مختلف الدول وليس من اسبانيا فقط فهناك اعمال فنية في التصوير الضوئي من دول الخليج العربي وتحديدا من قطر، كذلك نحضر للمهرجان الرابع للموسيقى العربية الاندلسية التي لاتزال محتفظة برونقها خاصة في المغرب العربي حيث توجد فرق اوركسترالية كاملة مختصة بهذا النوع من الموسيقى كذلك نجد هذه الموسيقى في مدن عربية متعددة كحلب وبغداد والقاهرة ولاتزال الموشحات الاندلسية من الوان الغناء العربي الاصيل. وقد كان حظنا كبيرا في ان الجمهور العربي استقبل تلك النشاطات الثقافية بكل ترحاب لا نمتلك سويا الكثير من الاشياء المشتركة. ندوات ومؤتمرات ـ اقام معهد سيرفانتس في الآونة الاخيرة عدة ندوات ومؤتمرات دولية هامة عن المفكرين الاندلسيين كابن عربي وابن رشد وغيرهما فكيف ينظر الغرب حاليا لهؤلاء المفكرين وهل هناك حالة من التغيب والتجاهل لابداعاتهم وانجازاتهم في الحضارة الاوروبية المعاصرة؟ ـ بشكل عام استطيع القول ان ابن رشد وابن عربي مثالان عالميان فأي مثقف عادي في أوروبا يعرف ابن رشد لكنه لا يعرف ما كتب ابن رشد وما هو اختصاصه تماما مثلما يحدث بالنسبة لفلاسفة القرون الوسطى حتى افلاطون نفسه هناك الكثير من الناس لا يعرف شيئا عن فكره. وبالنسبة لابن عربي فقد حدثت في السنوات الاخيرة ان ترجمت اعماله إلى لغات اوروبية مختلفة وحاليا يقرأ بأهمية كبيرة لان هناك اهتماما واضحا بالفكر الصوفي ومن السهل الحصول على كتب ابن عربي في اي مكان في اوروبا من خلال «كتب الجيب». لكن ابن رشد من الصعب ان تقرأ كتبه من قبل الجمهور لانه في عصرنا الحالي تعطى اهتمامات للدراسات المعاصرة وهذا ما يحدث حاليا بالنسبة لكافة اعمال المفكرين والادباء في كل انحاء العالم وليس للمفكرين العرب فقط، من هنا يأتي نشر كتب المبدعين العرب كالمتنبي مثلا إلى لغات اخرى في محاولة لاعادة امجاد هؤلاء المفكرين واعطاء كل ذي حق حقه فالثقافة العربية جزء من ثقافتنا وهويتنا. ـ لو انتقلنا للحديث عن الجانب الفكري في حياتك الادبية والثقافية ماذا تحب ان تخبر القراء العرب عما قدمته على الصعيد الاكاديمي «الجامعات» وعلى صعيد الكتب والدراسات والابحاث؟ ـ كما هو مدون في سيرتي الذاتية فأنا خريج آثار وقد بدأت حياتي ببحثين عن «فن ما قبل التاريخ» و«الديانات قبل الرومانية في اسبانيا»، بعد ذلك اصدرت حوالي 52 كتابا تاريخيا تناولت فيها التاريخ الغامض عن اسبانيا ومن خلال هذه الكتب اصبحت مديرا لدار نشر اسبانية واستطعت من خلال عملي هذا ان انشر 800 كتاب وقد تخصصت بعدها في الفن المعاصر ونفذت حوالي 14 معرضا اسبانيا في العالم لاهم الاعمال الاسبانية متنقلا من بلد لآخر، كما كتبت 80 سيناريو لافلام وثائقية وتاريخية من بينها فيلم لمدة ساعة ونيف عن الحمراء وطليطلة وفيلم اخر عن المعتمد بالله امير اشبيلية وقد ترأست ادارة الجامعة الصيفية في مدريد وقمت بالعديد من هذه الاعمال في هذا المجال ـ «مازحا» ـ وعندما افكر فيما قدمته من اشياء اشعر بالخوف فأنا اعتبر نفسي عجوزا امام ما قدمته مع انني مازلت في التاسعة والاربعين من عمري. ـ شغلت لفترة منصب مدير لعدة برامج ثقافية وادبية في التلفزة الاسبانية فكيف ترى دور الاعلام في نقل الثقافات في ظل العولمة والانفتاح العالمي الكبير؟ ـ بشكل قطعي استطيع ان أؤكد لك ان دور الاعلام هام جدا حتى انني اعتبره اهم من دور الجامعات فمن خلال الاعلام يجب تقديم معلومات صادقة للاجيال، والاعلاميون مسئولون بالدرجة الاولى عن ايجاد ثقافة موحدة واعطاء الشعور بالمحافظة على الهوية الذاتية لكل شعب وفي عصر العولمة تأتي مشكلة الانترنت لان الانسان يدور في بحور من المعرفة ومن لا يستطيع تحديد ماذا يريد من هذه البحور المتلاطمة فمن المؤكد انه سيضيع ويتوه ولو اتيحت لي الفرصة المناسبة لانني لا اعرف كم سأبقى في دمشق ـ فأنني سأنظم مؤتمرا عن الاتصالات العالمية في عصر العولمة بإذن الله. الفن الحديث ـ ساهمت بشكل فعال في تأسيس متحف للفن الحديث في اسبانيا فما الذي دفعك لخوض هذه التجربة واقامة متحف اخر للفن الحديث في اليابان وهل هناك نية لتأسيس متحف مماثل في البلدان العربية؟ ـ هذا سؤال جيد جدا.. فأنا كخبير في الفن الحديث كانت لي فرصة تأسيس معرض في اسبانيا من خلال مجموعة من الاعمال التي اقتنيها لبعض الفنانين السرياليين في العالم وقد طلب مني الفنان الاسباني المعروف «جرانيل» كوني متخصصا في الفن الحديث اقامة معرض خاص عن اعماله وفجأة اعلن اقليم «جاليسيا» عن نيته انشاء متحف مخصص لجرانيل وللحركة السيريالية في العالم وقد دعوني لانشاء هذا المتحف الذي كان شيئا رائعا بالنسبة لي خاصة وانه اقيم في قصر قديم عمره حوالي 250 عاما في عاصمة اقليم «جاليسيا» ويعتبر هذا المتحف من اكبر متاحف الاقليم زوارا. اما بالنسبة لمتحف الفن الحديث في اليابان فقد كنت ايامها ادير عددا من البرامج الثقافية وقد اقمت وقتها معرضا للاعمال الفنية من عصر بيكاسو حتى الان وقد نال هذا المعرض نجاحا كبيرا وقد سألتني احدى محطات التلفزة اليابانية هل اوافق على انشاء متحف للفن الحديث في اليابان فأجبت بأنني ارحب بالفكرة وبالفعل طلب مني ذلك وقد اشترينا للمعرض العديد من لوحات «ماروجاني» حيث يعتبر هذا المتحف من اهم متاحف اليابان حاليا.أ ما سؤال هل ارغب في اقامة متحف للفن الحديث في البلدان العربية فأنني سأجيب بأن هذا الامر يسرني جدا مع انه لم يعرض علي كوني موظفا في وزارة الخارجية الاسبانية التي يتبع لها معهد سيرفانتس لكن لو عرضت عليّ الفكرة من قبل احدى المؤسسات في اي بلد من البلدان العربية فسأدرس هذه الفكرة بكل سرور لأنني أحب ان اؤسس متحفا للفن الحديث في العالم العربي لانني احب هذا العالم وسيكون نقطة انطلاق جميلة بالنسبة لي واستطيع القول انني اعشق العالم العربي واتمنى ان اقوم بعمل يكون نقطة بداية جديدة في هذا العالم. ـ وماذا تحب أن تخبرنا عن حياتك العائلية والاسرية ومدى تأثير ارتباطك بالاديبة الاسبانية المعروفة «خوليا كاستيا»؟ ـ هذا سؤال فيه فخ ولكنني سأجيبك عليه. انا طبعا سعيد بارتباطي بزوجتي خوليا كاستيا الشاعرة الاسبانية التي ترجمت اعمالها إلى اكثر من عشر لغات من بينها اللغة العربية. لدي ابنتان وحياتي الاسرية هادئة ومريحة ومن حسن الحظ اننا نعيش في دمشق حاليا لان منزلي في مدريد فيه اكثر من 30 الف كتاب ومن الصعب ان تعيش فتاتان صغيرتان بين هذا الكم من الكتب لذلك استطيع القول ان حياتنا في دمشق جميلة وسعيدة لاننا بعيدان عن الكتب ونعيش في منزل مع 500 كتاب حاليا وهذه استراحة كبيرة لنا وقد تجولنا كثيرا في سوريا والبلدان العربية واقمنا صداقات مع مثقفين ومفكرين وادباء عرب، علاقات صداقة انا متأكد انها ستدوم طويلا.