بيان الاربعاء: حين سأل احد الصحفيين وزير الطاقة الامريكي سبنسر ابراهام في ندوة عامة عن الحكم الذي اصدرته مؤخرا احدى محاكم آلاباما بالزام منظمة «اوبك» بالامتناع عن توقيع اي اتفاقيات فيما بينها لتحديد الانتاج أو الصادرات أو الاسعار، ضجت القاعة بالضحك، اما الوزير فقد ابتسم ابتسامة واسعة وقال «السؤال التالي». ذلك ان الجميع يعرفون ان القاضي تشارلز وينر الذي اصدر هذا الحكم من محكمته الريفية يتسم دائما بخفة دم استثنائية، بل ان احد الزملاء من الصحفيين الامريكيين قال ان الوزير سيقترح على وينر اصدار حكم باقالة الرئيس الكوبي فيدل كاسترو واخر باجبار الرئيس صدام حسين على مغادرة بغداد. ذلك ان قرار محكمة وينر الريفية نسى قاعدة اساسية، تلك هي ان القانون الأمريكي.. أمريكي، فتطبيق القانون يرتبط بالسيادة، والسيادة ترتبط بالارض، وكوبا أو أوبك أو غيرها ليست اراض امريكية، اما المقارنة بين حكم تشارلز وينر وقرارات الكونجرس بفرض عقوبات على ليبيا أو ايران هي مقارنة مخادعة باستخدام تعبير مخفف. تشريع العقوبات ضد ايران وليبيا ينص على ان اية شركة تستثمر ما يزيد على مبلغ معين «40 مليون دولار» في اي من البلدين ستتعرض لعقوبات امريكية، أى ان الامريكيين لن يوقعوا معها عقودا ولن يشتركوا في مشروعاتهم، وجه التجاوز هنا يكمن في ان الامريكيين «حشروا» انفسهم بين شركات اجنبية ودول اجنبية، ولكن العقوبة هنا كانت امريكية. والتشريع المشار اليه هو قرار «سياسي» اصدره الكونجرس في مسألة تتصل بالامن القومي، فحين اجاز الكونجرس مثلا ـ خلال الحرب العالمية الثانية ـ وضع الامريكيين من اصل ياباني في «الحجز الاحترازي» فانه كان بذلك يصدر تشريعا سياسيا له صفة استثنائية ويتعلق بالامن القومي، الا ان تشارلز وينر ليس الكونجرس. في المقابل فان قرار القاضي الامريكي تأسس على بند في القانون الامريكي يحظر التنسيق بين منتجي أو موزعي سلعة معينة بهدف التحكم في الاسعار، وهو ـ كما يعرف الجميع ـ احد بنود القانون الذي يهدف إلى مكافحة الاحتكار في الولايات المتحدة، ولكننا نستأذن القاضي وينر في اخذ دقائق من وقته الثمين كي نذكره بأمر نعترف مقدما انه تفصيلي وغير هام، ذلك هو ان اعضاء اوبك ليسوا امريكيين، انه امر غير هام، ولكن لزم التنويه فحسب. وواقع الحال ان حكم تلك المحكمة الريفية في آلاباما هو الذي يفتقد اي أهمية، ذلك ان العالم ـ بلا أي مبالغة ـ لا يستطيع العيش كما يعيش الان بدون اوبك، ليس بوسع احد الان ان يخاطر باقلاق امدادات النفط، ذلك انه ليس بوسع احد تعويضها، هذه هي الخلاصة. ففي العالم الان طاقة انتاج احتياطية تبلغ 4.8 ملايين برميل يوميا، وطاقة الانتاج الاحتياطية هذه هي ابار جاهزة للانتاج ولكن صنابيرها مغلقة، ومشكلة هذا العالم هي في واقع الامر تتمثل في مشكلتين، الاولى ان حجم هذه الطاقة الانتاجية التي يمكن الاعتماد عليها لتعويض اي تراجع في الامدادات هو حجم محدود للغاية بالنظر إلى حجم الاستهلاك العالمي الذي يبلغ نحو 77 مليون برميل يوميا، اما المشكلة الثانية فهي ان اغلب هذه الطاقة الانتاجية الاحتياطية يقع في دول اوبك، اذ ان حصة هذه الدول من الرقم الذي ذكرناه توا هي 4.3 ملايين برميل يوميا، مع الاعتذار لتشارلز وينر، وعلى الرغم من ضرورة الاعتراف هنا بان ارقام الطاقة الانتاجية الاحتياطية تتباين إلى حد ما، فهناك من يضعها عند 3.8 ملايين برميل يوميا، وهناك من يضعها عند 4.8 ملايين برميل يوميا، ولكنه تباين لا يستحق اي اعتذار، اذ ان حصة اوبك ـ هي في اي من الحالتين ـ تزيد على 80% من تلك الطاقة الانتاجية الاحتياطية مهما كان رقمها. العالم اذن لا يتحمل الان اقلاق الامدادات، مهما كان بعد نظر القاضي وينر، وواقع الحال ان وينر ليس الوحيد الذي يتسم بخفة الدم في الولايات المتحدة حين يأتي حديث الطاقة، فقبل ايام اقترح بعضهم حل مشكلة امدادات الكهرباء في لوس انجلوس بارسال حاملة طائرات من تلك التي تعمل بالطاقة النووية، ووصل مفاعل الحاملة بشبكة كهرباء المدينة، ثم الضغط على «الزر» فاذا بالاضواء تضيء، دون احتياج لنفط أو غاز طبيعي، أو «اوبك» ويمكن عندها للقاضي وينر ان يأمر باقالة وزراء المنظمة دون تردد. ازمة طاقة كامنة وحكاية محكمة آلاباما التي تنافس حكاية حاملة الطائرات في خفة الدم تعكسان على أي حال كابوسا واحدا، ذلك هو ان الولايات المتحدة تواجه ازمة طاقة كامنة، اي انها ازمة ليست موجودة الان، ولكنها تنتظر عند منعطف قريب، وبصرف النظر عن ان كل ما يقال الان في هذا الشأن، في الولايات المتحدة يخفي غرضا أو مصلحة لهذه المجموعة أو تلك، أو هذا القطاع أو ذاك، فان الارقام تقول ان الولايات المتحدة تتجه بالفعل إلى ازمة طاقة عند نقطة ما على طريق المستقبل القريب.وسبب هذه العبارات الاخيرة، ان تلك التي تشير إلى وجود مصلحة أو غرض وراء ما يقال، لها ما يبررها، فأصحاب اقتراح حاملة الطائرات ليسوا اغبياء إلى هذا الحد، ولكنهم يريدون ارسال رسالة إلى الجميع: بوسع الولايات المتحدة حل مشكلة الطاقة بزيادة عدد المفاعلات النووية، ولانهم قالوا ذلك كثيرا ولم يلتفت احد، فقد تحتم وضع هذه «المذكرة» في قالب كفيل باحداث «صدمة» ولفت الانظار إلى الطاقة النووية، ومن ثم إلى الشركات التي تنتج المفاعلات، والشركات التي تديرها.ثم ان الشركة التي رفعت القضية ضد اوبك امام محكمة تشارلز وينر في آلاباما لم تكن غبية، ولا كان القاضي وينر غبيا ايضا، فبالاضافة إلى الرغبة في اثبات خفة الدم، فان القضية والحكم معا يريدان ارسال رسالة مختصرة إلى الجميع: لا ينبغي ان نبقى «تحت رحمة اوبك» إلى الابد.. طوروا مصادرنا الوطنية من النفط والغاز، افتحوا آلاسكا وخليج المكسيك وبراري اوريجون ولا تنصتوا لجماعات حماية البيئة. وتأتي هذه الرسالة في وقت يناقش فيه الجميع قضية الطاقة، فهناك بعض متزني الرؤوس ممن يعرفون ان الولايات المتحدة تتجه إلى ازمة طاقة، وهناك من يدركون ان ذلك ناجم عن غياب اي استراتيجية متماسكة في هذا الصدد، ثم ان هناك من انتهوا توا من وضع هذه الاستراتيجية أو اقتراحات مفصلة بشأنها، وذلك في الوثيقة التي يوشك فريق العمل التابع لنائب الرئيس ديك تشيني ان يقدمها. ولكن هناك «كلمتين» قبل اي حديث عن وثيقة تشيني أو عند نقدها، أول هاتين الكلمتين هو ان على من يناقشون هذه القضية ان ينطلقوا من اساسيات صحيحة، ولكن لماذا لا نحاول نحن ان نفعل ذلك. فلنحلق اذن ـ فوق ما يسمى بسوق الطاقة العالمية ـ ولنحاول فحص اساسياتها، وحتى نتمكن من ذلك دون ان نضايق القاضي وينر، أو نتهم بالتميز لاوبك، فلنتصور ان اوبك هذه ـ تثير حساسية لدى البعض ـ غير موجودة من الاصل، فلنتصور ان منتجي النفط يتأثرون فرادى على خريطة العالم، لا يجتمعون، ولا ينسقون، ولا «يتحكمون في الاسعار»، ولا يضايقون القاضي تشارلز وينر. انتج العالم في العام 2000 نحو 76.7 مليون برميل يوميا، واستهلك في نفس العام نحو 75.4 مليون برميل يوميا (الفارق ذهب في المخزون وفي «اخطاء الحسابات» المألوفة في هذا السياق)، والواضح ان رقم الانتاج كان مقاربا لرقم الاستهلاك، وهذا هو ما جعل الاسعار تصل إلى المستوى الذي وصلت اليه، اي نحو 28 دولارا للبرميل. واستطرادا لافتراض ان اوبك غير موجودة، فان بلدا مثل المملكة العربية السعودية بوسعه ان ينتج 10 ملايين برميل يوميا، ثم بوسعه ان يزيدها إلى 14 مليون برميل يوميا، ثم إلى 20 مليون برميل يوميا لو اراد المسئولون في المملكة ان يفعلوا ذلك، اي لو ارادوا تجنب «التنسيق» و«التحكم» وما إلى ذلك من امور تغضب القاضي وينر. وبوسع الامارات ايضا ان تزيد انتاجها، وكذا ايران، والعراق، ذلك ان هذه الدول لديها احتياطيات نفطية هائلة «259 مليار برميل في السعودية، و90 مليارا في ايران، و112 مليارا في العراق، و100 مليار في الامارات». ولكن لماذا ستزيد هذه الدول انتاجها؟ السبب واضح كي لا يغضب القاضي وينر، اي حتى لا يتهمنا احد بتنسيق الانتاج والتحكم في الاسعار، وبعض ضمان ان القاضي وينر «فرح» سوف ننظر إلى بقية الاحداث غير الهامة في سوق النفط العالمية وسوف نلاحظ ـ مندهشين ـ ان الاسعار قد انهارت انهيارا كاملا، أي ان البرميل اصبح في حدود 5 دولارات وربما اقل. اما نتيجة ذلك ـ في نهاية المطاف ـ فانها انهيار قطاع الطاقة في العالم باكمله، ولكن فلنأخذ الامور خطوة خطوة كي نوضح للقاضي وينر ان خفة الدم لا علاقة لها بالحكمة أو ببعد النظر، فعند انهيار الاسعار إلى هذا الحد ستغلق شركات التنقيب العاملة في انحاء العالم ابوابها، وسوف تسحب الحفارات، وتجهز مواقع الاستكشاف، ذلك ان تكلفة استخراج البرميل ستصبح اكبر من سعره، ولان هذا الـ «بزنس» لا يمضي وفق اصول الرجولة والشهامة والنخوة، ولان من يعملون في حقله هم مجموعة من «الاشرار» ممن لا يريدون ان يخسروا استثماراتهم، فانهم لابد مغادرينه. ولما كان انتاج اوبك هو 40% تقريبا من انتاج العالم فان «السكتة الانتاجية» التي سوف يعاني منها المنتجون في بقية المناطق غير مناطق دول اوبك ستؤدي إلى هبوط مروع في الامدادات، ومن ثم إلى امرين: ازمة اقتصادية عالمية قد تعيد إلى الذاكرة كارثة الركود العظيم في 1929، اذ لن يكون هناك نفط كاف لتدوير آلات الدول الصناعية خصوصا وان دول اوبك تحتاج إلى بعض الوقت لزيادة انتاجها بصورة مضطردة، وارتفاع غير مسبوق في اسعار النفط تطبيقا للقاعدة الاقتصادية «البديهية» التي تقول ان ندرة السلعة مع تزايد الاحتياج لها تؤدي إلى ارتفاع اسعارها. تنسيق مدان ان تنسيق اوبك ـ الذي يدينه القاضي الامريكي من آلاباما ـ يؤدي بالفعل إلى الابقاء على الاسعار عند مستويات معقولة، وفي هذا ـ لو يدري وينر ـ فضل كبير للاقتصاد العالمي، ذلك انه يحافظ على تدفق الاستثمارات الرأسمالية لقطاع الطاقة في العالم.ونعترف بان هذه المحاجاة التي اوردناها توا تتصف بالتبسيط، ولكنها ـ من الناحية الجوهرية ـ صحيحة، ان انخفاض اسعار البترول اثرت سلبا إلى حد كبير على تدفق الاستثمارات الرأسمالية إلى هذا القطاع، وما كان لها على اي حال ان تفعل غير ذلك. الكلمة الثانية قبل ان نعرض لوثيقة تشيني تتلخص في ان انخفاض اسعار النفط تدريجيا ادى إلى زيادة اعتماد الولايات المتحدة على موارد النفط الخارجية، ان وينر ـ في حكمه ـ ينتقد هذا الاعتماد على «الاجانب» وهو يطلب من هؤلاء الاجانب وقف التنسيق بينهم لزيادة الاسعار، وواقع الحال ان ذلك لا يوحي بدرجة ذكاء عالية، فالأمران متناقضان على طول الخط، ذلك ان عدم تنسيق اوبك فيما بينها بقدر كاف منذ مؤتمر لندن في 1983 ادى إلى انخفاض بشيء تدريجي في الاسعار ومن ثم إلى «اغلاق» مصادر الانتاج المحلية الامريكية المكلفة، فقد كان شراء النفط من «الاجانب» افضل، لانه ارخص. ويعني ذلك ـ باختصار ـ ان غياب التنسيق ادى إلى انخفاض الاسعار ومن ثم إلى اغلاق منابع النفط الامريكية، ومن ثم إلى زيادة اعتماد الولايات المتحدة على اوبك وغيرها من «المنتجين الاجانب» فاذا لم تنسق اوبك زاد الاعتماد الامريكي على الاجانب وغضب القاضي وينر، واذا نسقت اوبك ارتفعت الاسعار قليلا وغضب القاضي وينر ايضا، فماذا نفعل بالضبط لارضاء قاضي آلاباما»؟ ولنحاول ان نقنع القاضي وينر بالارقام، في عام 1985 كان انتاج الولايات المتحدة من النفط الخام بملايين الاطنان المترية أو ما يعادلها نحو 514 ثم هبط في 1990 إلى 431 وفي 1995 إلى 399 وفي 1999 إلى 370 مقابل ذلك ارتفعت واردات الولايات المتحدة ـ ايضا بملايين الاطنان المترية أو ما يعادلها من 264.5 في 1985 إلى 414 في 1990 إلى 463 في 1995 إلى 555 في 1999. بعبارة اخرى زادت واردات الولايات المتحدة من البترول باضطراد فيما تراجع انتاجها باضطراد ايضا، وهكذا فان معدلات اعتماد الولايات المتحدة على «نفط الاجانب» زادت من 30% عام 1985 إلى 44.6% عام 1990 إلى 49.6% عام 1995 ثم إلى 56.6% عام 1999. ولكن لماذا؟ الامريكان يقولون ان لديهم 152 مليار برميل من البترول تحت الارض، أو هذا ما هو وارد في احصائيات الاحتياطي الامريكي المؤكد الصادرة عن وزارة الطاقة، فلماذا لم يستخرجونه؟ لم يكن ميل الامريكيين إلى الاستيراد بدلا من الانتاج ميلا احمق غير قابل للتفسير، ان تفسيره يكمن ببساطة في قوانين السوق، فحين ينخفض السعر لا يصبح التنقيب المكلف في الاراضي الامريكية مغريا. ولكن فلنعد الان إلى ما هو جاد، اي لنبتعد قليلا عن خفة دم قاضي آلاباما، ولنفحص ذلك الجهد الذكي الذي بذله نائب الرئيس الامريكي ديك تشيني لوضع استراتيجية طاقة للولايات المتحدة، لقد كان قرار تشكيل فريق العمل التابع لنائب الرئيس هو احد القرارات الحاسمة المبكرة التي اتخذتها الادارة الحالية، فقد تشكل الفريق بأمر من جورج بوش في 29 يناير الماضي، اي بعد 9 ايام فحسب من توليه مهام الرئاسة. وفي 19 ابريل سربت جريدة «واشنطن بوست» الملامح الاولى لتوصيات فريق تشيني والتي اتضح منها ان الفريق ركز على ثلاثة امور: تطوير المصادر الوطنية للطاقة، زيادة حصة مصادر الطاقة البديلة «مثل الطاقة النووية» من استهلاك الولايات المتحدة، وزيادة انتاج الدول المصدرة للنفط في العالم بهدف ابعاد شبح نقص الامدادات، ولعل هذه المسألة الاخيرة بالذات هي ما دعت الفريق ـ طبقا لما قالته الواشنطن بوست ـ يطالب برفع العقوبات عن ايران وليبيا. وكان تفسير فريق العمل لمطلب رفع العقوبات هو «ان هذه العقوبات تنعكس سلبا على قدرات البلدين في مجال تصدير النفط مما يؤثر على استقرار السوق، بل ان التوصيات اشارت بصورة ما إلى ضرورة رفع القيود عن عمل الشركات الامريكية في مجال الاستكشاف والانتاج في العراق، وذلك على اساس ان الدول الثلاث، ايران والعراق وليبيا، تمتلك بعضا من اضخم احتياطيات النفط في العالم. واضافت توصيات الفريق ـ طبقا للجريدة الأمريكية ـ ان الادارة ستسعى لتكوين شراكة مع الكونجرس لاصلاح نظام العقوبات لان قضية الامداد من اولويات سياسة الولايات المتحدة الخارجية والداخلية. وقالت «واشنطن بوست» ان توصيات فريق العمل تأتي وسط معركة محتدمة حول ما اذا كان ينبغي على الكونجرس ان يعيد تجديد قانون العقوبات الايرانية ـ الليبية لمدة خمس سنوات اخرى حين ينتهي مفعول القانون في اغسطس المقبل، وفيما تضغط شركات البترول لتخفيف القيود المفروضة على الاستثمارات النفطية «في البلدين» فان اللوبي الاسرائيلي المتقدم وحلفاءه يضغطون للابقاء على هذه العقوبات دون تعديل، وذلك حسب قول الصحيفة حرفيا، مما يشير إلى التسريب ذاته كأنه «بالونة اختبار». ولتأكيد طبيعة التسريبات حول توصيات فريق تشيني، ان كونها بالون اختبار يهدف إلى قياس ردة فعل اللوبي الاسرائيلي وانصاره في الكونجرس قالت «واشنطن بوست» ان المسئولين الامريكيين يؤكدون ان تلك التوصيات هي مجرد توصيات وانها ليست نصا نهائيا، ونقلت الصحيفة عن المتحدثة باسم ديك تشيني وتدعى جوليانا جلوفر ويس قولها: اننا لا نزال بعيدين عن اي نص نهائي يمكن تقديمه للرئيس، وحتى يقرر الرئيس فان كل النصوص المقترحة قابلة للتعديل. الا ان اللوبي الاسرائيلي كان قد بدأ تحركة بالفعل لاعادة التجديد لقانون العقوبات الايرانية ـ الليبية، فقد اعد عضوا الكونجرس المواليان لاسرائيل جوردون سميث وتشارلز شومر «ورقة» اولية تهدف إلى تجديد القانون في اغسطس المقبل دون تعديلات تذكر، ويجري الان تمرير الورقة اعضاء الكونجرس في مجلسيه وذلك بهدف جمع التأييد لمحتوياتها قبل اقتراب موعد التجديد بفترة كافية. دور اللوبي الصهيوني وليس من الضروري ان يتمسك اللوبي الاسرائيلي بتجديد العقوبات على ايران وليبيا في كل الاحوال، اذ ان مثل هذه المعارك السياسة تخضع لمنطق خاص بها معروف جيدا في واشنطن، ذلك ان بوسع اللوبي ان يطلب ثمنا محددا يتعلق بقضية اخرى مختلفة تماما، قد تكون مثلا قضية ذات صلة باسرائيل، وذلك مقابل «سحب معارضته» لرغبة الادارة رفع العقوبات عن ايران وليبيا أو التخفيف منها، فاذا ما تمت الصفقة فان اعضاء الكونجرس المتحمسين لتجديد العقوبات يتعرضون فجأة لنوبة نسيان، اذ تسقط القضية تماما من ذاكرتهم. وكانت ادارة الرئيس كلينتون قد لجأت إلى اصدار «اوامر ادارية» تمنح بموجبها استثناءات لبعض الشركات الاوروبية من الخضوع لبنود قانون العقوبات وذلك بعض ضغوط من حكومات بلدان تلك الشركات، وسوف تستخدم ادارة بوش هذا المنطق ضمن محاولاتها تمرير توصيات فريق تشيني وان كانت النتائج غير مؤكدة بعد، ذلك ان من المتوقع ان تشير الادارة إلى ان قانون العقوبات بصياغته الراهنة ادى إلى استفادة شركات الدول الاخرى على حساب الشركات الامريكية التي فقدت اي علاقة لها تقريبا بكل من العراق وليبيا وايران. ولم توضح «واشنطن بوست» ما اوردته الوثيقة حول العقوبات العراقية وان كان الموقف الشائع في واشنطن الآن يميل إلى السماح للعراق باستيراد احتياجاته التقنية المتعلقة بانتاج النفط والسماح للشركات الامريكية بدخول ذلك القطاع في العراق وان بصورة غير مباشرة ثم السماح للعراق بتصدير كل النفط الذي يمكن له ان يصدره، كل ذلك مع شرط الابقاء على دخل مبيعات النفط العراقية داخل نطاق الحساب الخاص الذي تشرف عليه الامم المتحدة، اي مع استمرار الالتزام بمنع السلطات العراقية من تسلم عائدات مبيعاتها النفطية بأي صورة مباشرة. ولكن المسألة الجوهرية في توصيات فريق العمل هي تلك التي ذكرتها «واشنطن بوست» بصورة عرضية تقريبا، إلى مسألة «الحوافز الضريبية» التي ستمنح للشركات الامريكية على استثماراتها في مجال الحفر والتنقيب، ان هذه المسألة تبدو في واقع الامر اخطر مقترحات الفريق، على الاقل فيما يتعلق بنا. ولتوضيح ذلك يجب ان نعود إلى ما ذكرناه آنفا من ان انخفاض اسعار النفط يؤثر سلبا على الاستثمارات الرأسمالية في عمليات الحفر والتنقيب، ذلك ان المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة واضحة تماما، يريد الامريكان استيراد النفط رخيصا، ولكنهم لو دفعوا بالاسعار الدولية إلى الانخفاض فان ذلك يؤدي إلى وقف جهودهم في تطوير مواردهم الوطنية من البترول، واذا دفعوا بهذه الاسعار إلى الارتفاع لتطوير مواردهم الوطنية فان اقتصادهم يتأثر سلبا، انها معادلة صعبة بالفعل. ووجد تشيني، باعتباره «رجل نفط» ان خلاصة المشكلة هي ارتباط الاسعار الدولية بحجم الاستثمارات الرأسمالية في عمليات الانتاج الامريكي المحلي، وهكذا فقد فكر في فهم هذا الارتباط، هذه هي المسألة باختصار، اما بالتفصيل فان ما يريد نائب الرئيس ان يفعله يتركز في جعل عمليات الحفر والتنقيب داخل الولايات المتحدة «غير مكلفة» بالنسبة للشركات، ولكن كيف بوسع نائب الرئيس خفض تكلفة هذه العمليات؟ ليس امامه الا منح «حوافز ضريبية» امام من يقومون بها، أي إذا استثمرتم كذا مليار دولار في هذه العمليات فسوف نعفيكم من قدر كبير من الضرائب، فاذا ما حسبت الشركات الحسبة ووجدت ان استثماراتها في عمليات الحفر والتنقيب ستعود عليها بفوائد ـ غير مباشرة من حيث ان الخصم الضريبي هو «ربح» غير مباشر ـ فانها لابد ستقوم على زيادة هذه الاستثمارات، ان تشيني يحاول فك الاشتباك بين قوانين السوق وعمليات الاستكشاف في الولايات المتحدة، اي انه يحاول بناء جدار حماية يعزل عمليات الشركات في الاراضي الامريكية عن اسعار السوق الدولية. عندها سيمكن للادارة الامريكية ان «تنقض» على اسعار السوق العالمية فتخفضها اذا ارادت ذلك دون الخوف من ان ينعكس ذلك سلبا على عملياتها الوطنية، واذا نجحت هذه الصيغة، أو اذا لم تلق معارضة داخلية أو دولية فان بوسع نائب الرئيس ان يقترح اعفاءات ضريبية مماثلة على عمليات الشركات الامريكية في «مناطق مختارة» من العالم، مثل آسيا الوسطى أو المكسيك. ترى ماذا يقول تشارلز واينر بشأن اقتراحات ديك تشيني؟ ان ويلز يعترض على «تنسيق اوبك» لانه يعد تدخلا في عمل قوانين السوق، فكيف يمكن ان نسمي «الحوافز الضريبية» التي يقترحها فريق نائب الرئيس؟ ولكن ذلك غير مهم لنا، فان بوسع الامريكيين ان يضعوا ما يشاءون من سياسات نفطية، بل ان وجود استراتيجية طاقة امريكية واضحة هو امر مفيد للجميع، اذ انه يضيف عنصر استقرار للسوق حين يصبح بوسع الجميع فهم سياسة واشنطن في هذا المجال، بل ان تحركهم لزيادة انتاجهم الوطني هو اتجاه صحي، لانه يقلل من معدلات انضاب الموارد النفطية في العالم ويتيح هامش مرونة اوسع امام السوق. الا ان المهم في كل هذا هو ان تبقى الاسعار عند مستويات معقولة، لقد اثبتت تجارب تاريخية مريرة ان «العبث» بهذه الاسعار، يدفعها دفعا إلى ارتفاع مبالغ فيه، أو إلى انخفاض مبالغ فيه، لا يفيد احدا بالمرة، ان المشكلة الحالية ليست مشكلة امريكية فحسب، بل هي مشكلة عالمية، ذلك ان استهلاك العالم من النفط يمضي بمعدلات تفوق الزيادة في انتاجه، وارقام الزيادة في الطاقة الانتاجية تمضي ببطء مقلق، فالامر يحتاج إلى استثمارات بمئات المليارات كي يتأهب العالم لمواجهة التزايد في الاستهلاك، خفض الاسعار هنا لا يفيد، بل انه مقدمة لكارثة حقيقية قد يشكو منها تشارلز واينر نفسه