بيان الاربعاء: نظم مركز البحوث العربية في القاهرة مؤخرا ندوة في بداية موسمه الثقافي لعام 2001 تناولت دراسة التطورات الجوهرية في الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية خلال السنوات الاخيرة، والظواهر التي ترتبت عليها وتأثيرها على مستقبل مصر. تحدث في الندوة د. محمود عبدالفضيل استاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، حيث طرح السؤال على النحو التالي: هل مصر فعلا في مفترق طرق؟ وكيف السبيل إلى الخروج وإلى أين؟ يقول الدكتور محمود عبدالفضيل: (اننا الآن على أعتاب مرحلة جديدة لابد أن نستكشف معالمها ونرى ماهى الديناميات التى تحركها. . وبشكل عام نحن نشهد نهايات شرعيات قديمة فى المنطقة كلها، وبدايات تأسيس شرعيات جديدة سواء بحكم التطور الاجتماعى أو الاقتصادى أو التكنولوجى.. ولا جدال ان هذا يحدث على صعيد العالم كله وليس فقط على مستوى المنطقة العربية أو مصر وحدها.. بل انه يحدث أيضا على مستوى أو مجمل الحركات التقدمية العربية التى تقف كذلك فى مفترق طرق، والذى تابع أعمال مؤتمر الاتحاد الاشتراكى فى المغرب مؤخرا سيرى حجم الانقسام الموجود حول طرق المستقبل فى واحدة من أكبر الحركات الجماهيرية التى حققت أكبر أغلبية برلمانية فى تاريخ الحركات التقدمية العربية. بالطبع، هناك من يتحدث هذه الأيام، عن الحاجة الى عقل جديد لعالم جديد.. وانه لابد من تغيير العقلية أو المنهج أو اساليب التفكير التى كانت موجودة من قبل.. وهذا صحيح الى حد ما، ولكن يجب عدم دفع هذا الى أوسع مدى لان هناك عناصر منهجية مفيدة فيما تراكم من تراث فكرى وسياسى يساعد ايضا على فهم هذه المرحلة التى نعيش فيها.. ولذلك سوف أطرح بعض القضايا التى تثير قدرا كبيرا من البلبلة لدى الجمهور بالدرجة الأولى، ولدى أيضا جانب كبير من المثقفين.. فلاشك أن هناك تطورات اقتصادية جديدة، وهناك عولمة، وهناك مجتمع المعلومات وتكنولوجيا المعلومات وغيرها.. انما ماهى الرهانات القادمة بالنسبة لنا؟! السوق مقابل الخطة يقول عبدالفضيل من وجهة نظرى ان القضية الأولى هى قضية (السوق مقابل الخطة) وهل يمكن لاقتصاد سوق أن ينجح فى حل مشاكل التنمية.. وهل يمكن تماما تجنب دور التخطيط والتوجيه الاقتصادى؟.. لاشك أن هناك حملة كبيرة منظمة تحاول الايحاء بان كل ماهو توجيه أو تخطيط اقتصادى سيؤدي الى شلل اقتصادى وسوء توزيع موارد وعدم كفاءة اقتصادية وغيرها.. وأريد أن أقول أن هذه الحملة موجودة فى ميديا (وسائل الإعلام) وكتابات بشكل مكثف داخل مصر وخارجها فى هذه الفترة.. ولكن الحقائق التاريخية تقول أن أى محاولة لعمل نهضة اقتصادية فى مصر لا يمكن أن تستند الى آليات السوق.. لأن كل النظريات التى تتحدث عن آليات السوق تتحدث عن اقتصاديات وصلت الى مستوى عال بدأ من النضج الاقتصادى وهى أقرب مايكون الى مجموعة السبع الكبار.. وانه عندما تصل الى هذا المستوى فمن الممكن أن تناقش اقتصاد السوق، وان تترك عجلة القيادة لكى تلعب آليات السوق دورا كبيرا فى الاقتصاد.. أما فى بلدان العالم النامي جميعا والتى هى فى مرحلة انتقال من التخلف الى النمو، ومن النمو الى التنمية، ومن التنمية الى النهضة، فمن الصعب عليها أن تعتمد آليات السوق كى تحقق ذلك.. وهناك تجربة حية هى تجربة جنوب شرق آسيا، رغم انها تمت فى اطار رأسمالى. والى حد ماوضعت فيها نوع من الليبرالية الاقتصادية، انما اذا دققنا النظر فى الأمر سنجد أن هذه التجربة كانت محكومة باشياء عديدة.. فمن الواضح ان هذا السوق كان محكوما بتوجيهات الدولة التنموية، ومحكوما بخطة تأشيرية تحدد اتجاهات التطور الاقتصادى والتكنولوجى ولم تكن اطلاقا عملية عشوائية تركن لآليات السوق. كراسة كينز أيضا على مستوى النظرية الاقتصادية نفسها سنجد أن نظرية (اوتوماتيكية الأسواق) سقطت علميا منذ أمد طويل، وهناك (كراسة اقتصادية) هامة أصدرها المفكر الاقتصادى (كينز) عام 1927 اسمها (نهاية دعه يعمل، دعه يمر) ويقول فيها أنه لم يعد من الممكن، حتى فى الاقتصاديات المتقدمة، أن تسير بنظام دعه يعمل دعه يمر.. ورغم ذلك سنجد أن (تاتشر) فى انجلترا (وريجان) فى أمريكا حاولا احياء هذا النظام، وهو ايضا مايحاول (بوش الابن) أن يفعله الآن. ومن ناحية أخرى أن هذه النظرية تفترض وجود (أسواق مستقبلية متكاملة)، بمعنى أن يوجد أسواق لجميع السلع والخدمات اليوم وغدا وفى المستقبل، وذلك كى تتسق النظرية وتبقى سليمة.. والجميع يعرف جيدا أنه لا توجد فى مصر اسواق مستقبلية، وانما هناك مجرد أسواق لسلع استهلاكية وموضات وامزجة ولا يوجد أى نوع لخطط المستقبل.. اذن ليس لدينا أسواق مستقبلية، أو تخطيط للاستثمارات، وبالتالى فانه عمليا لا يوجد أى سند نظرى للقول بأن نظرية الأسواق تستطيع أن تحل مشكلة التنمية أو توجه الاستثمارات التوجيه السليم.. واعتقد انه فى حالة مصر سوف نجد ذلك واضحا تماما، فمن المعروف أن المستثمرين فى مصر خلال الربع قرن الماضى عملوا جميعا بدون أى فكر أو توجيه، واندفعوا الى قطاعات اقتصادية تتشبع سريعا مثل القطاع العقاري.. أو انتاج السيراميك الى أن (نسف الناس كلهم حماماتهم مرة واثنين وانتهى الأمر).. ولو كان عندهم مايسمى بالتخطيط التأشيرى أو بعيد المدى كان نفس القطاع الخاص سيأخذ قرارات أكثر رشدا ولا يبدد الأموال في مجالات استثمارية لا تعود بالنفع العام أو المكسب على أصحابها، ولذلك أقول أن النموذج المصرى خلال التسعينيات، فى هذا الموضوع يوضح تماما فشل هذه النظرية حتى انه يستخدم الآن تعبير (فشل نظرية الأسواق).. لكن هل يعنى ذلك أنه لا يوجد دور للأسواق؟! .. لا، هناك دور وآليات معينة لأسواق معينة، لكن ليس هذا معناه أن السوق هو المنظم او الحاكم فى العملية الاقتصادية، وبالتالى أرى انه من الضرورى أن يتم تصحيح ذلك خلال الفترة المقبلة والا ستؤدي هذه الآليات الى مشاكل اقتصادية عميقة، وأعتقد أننا بدأنا نحصد بعض ثمارها المرة عند نهاية هذا القرن.. العام والخاص أما القضية المحورية الثانية في هذا النقاش فهى قضية أيهما أولا، القطاع العام أم القطاع الخاص؟.. وأرى أن هذه القضية فى الحقيقة هى مناقشة ايديولوجية ليس لها أي أساس فى حالة العديد من البلاد النامية سواء فى أمريكا اللاتينية أو اسيا والتى فيها بعض النهضة أو التحرر.. وأنا أشبه هذه العملية مثل سيارة تسير على طريق، ولابد أن يكون لهذه السيارة عجلتان فى الامام واخرتان فى الخلف، وبالتالى فان الجدل حول ان يكون القطاع العام امام والقطاع الخاص فى الخلف هو جدل غير منطقى لأن السيارة فى كل الأحوال لابد أن تنطلق وتتحرك بالاربع عجلات معا.. ورغم ذلك أرى انه ولابد فى المرحلة الأولى من التقدم أن يكون القطاع العام أولا والخاص وراءه، وعندما تصل الى موضع افضل فأنت تحتاج الى قطاع خاص قوى ووطنى ومنتج.. وهذه قضية هامة تجعلنا نتحدث بالضرورة عن طبيعة الفئات الرأسمالية التى تستطيع أن تواكب مشروع نهضة، ونقول انه لا يمكن لأى رأسمالية متربعة أو تقوم على تسليم مفتاح أن تقوم بنهضة اقتصادية، والرأسمالية عندنا فى مصر الآن هى للأسف رأسمالية متربعة وتقوم على تسليم مفتاح، لذلك نجدها متحمسة جدا لعمليات الخصخصة لأنها لا تريد أن تحصل على كل شئ بطريقة تسليم المفتاح.. ولا شك أن هذه القضية مهمة الثورة وبالذات تجربة طلعت حرب سنجد انها تجربة متميزة تماما للعمل الاقتصادى الأهلى والخاص.. حيث كانت تجتاح هذه الرأسمالية الوطنية مكانات جديدة فى ظل استعمار بريطانى وفى ظل سيطرة اجنبية على قطاعات كثيرة، وتعمل على تحريرها.. مثل قطاع التأمين، والشحن البحرى، والبنوك، حتى قطاع السينما.. وهذه كانت رؤية رأسمالية لها قدر كبير من التصور حول معنى النهضة.. أما الفئات الرأسمالية الموجودة حاليا فهى تثير مشكلة، بمعنى انه لو كان عندنا (عجلتين) قطاع خاص، فهما (عجلتان نائمتان) وبالتالى سنجد أن السيارة لا تتحرك.. ولذلك أؤكد مرة أخرى ان الجدل حول أيهما أولا هو جدل عقيم لان فى أى عملية تطور لابد ان تحتاج الى قطاع خاص وبالذات فى الفئات الرأسمالية المتوسطة والصغيرة لانها موجودة فعلا، ولا تستطيع أن تقود المجتمع بالقطاع العام وحده.. ولكن ماهى علاقات الترابط الأمامية والخلفية؟.. أعود وأشير الى المشكلة الاولى وهى أن الخطة التوجيهية أو التأشيرية هى التى تحكم العلاقة بين الاثنين وبالذات علاقات الترابط الامامى والخلفى وبالتالى انفتاح الأبواب امام أى تطور اقتصادى حقيقى فى المرحلة المقبلة. الهجرة وينتقل عبدالفضيل الى نقطة اخرى هى الهجرة قائلا: التطورات الاجتماعية التى حدثت فى مصر مهمة أيضا لانها تفسر الكثير من الأزمات السياسية الموجودة حاليا.. وسوف اتحدث عن الربع قرن الأخير لأن هذه الفترة حرجة جدا فى تاريخ مصر، ومؤثرة تماما على السنوات المقبلة، حيث تم خلالها اعادة حرث الأرض طبقيا.. فى هذه الفترة من 75 الى 2000 تزاوجت قضية الانفتاح مع هجرة العمالة غير المنظمة، ووصل عددها كل سنة على الأقل وحتى منتصف التسعينيات مايقرب من مليون مصرى فى الخارج يعولون أسر فى الداخل أى انه كل سنة تقريبا كان هناك مليون مواطن مصرى فى الخارج.. ولم تكن هذه هى المشكلة فقط، وانما المشكلة ان هذا العدد من الناس أخذ يتقلص تدريجيا، وبالتالى تأثر عدد كبير من الأسر فى مصر.. وخطورة ماحدث بغض النظر عن نزيف الكفاءات أو المهارات ان هذه الهجرة أدت الى احداث خلخلة كبيرة جدا فى الخريطة الطبقية، لان أهم شئ حصل هو ازدواجية حالة التكسب.. فى الماضى كان هناك فئات واضحة.. هذا شخص مالك.. وهذا يعمل بأجر أو غيرهما اليوم لا تستطيع أن تتحدث عن احصاء دقيق للتركيبة الطبقية، لأن الشخص الذى يشتغل فى الصباح ستجده بعد الظهر مالكا أو شريكا فى مشروع سواء كانت سيارة أجرة أو غيره، وبالتالى أصبح هناك ازدواج طبقى، وليس هذا فقط، وانما أيضا اذا كان هناك أى نضال حقوقى أو مطلبى فى مصر أصبح يصطدم بصعوبة الحل الجماعى للمشكلة طالما أن مخرج الهجرة أو الخلاص الفردى هو المتاح لحل الأزمة ولو مؤقتا.. وأعتقد أن هذا الامر ساعد بشكل كبير على ميوعة الوضع السياسى داخل مصر.. وبغض النظر عن ازدواجية الكسب سنجد أن الذين يعملون لحسابهم الخاص زادوا عدديا ونسبيا، والذى أريد قوله أن جزءا كبيرا من البلبلة الفكرية والاضطراب الموجود فى المجتمع المصرى سببه اتساع قاعدة من يعملون لحسابهم الخاص.. الى أى مدى يمكن أن يستمر ذلك مستقبلا؟ اعتقد ان موضوع الهجرة يتقلص بشكل كبير، كما انه من الطبيعى ان المدخرات السابقة التى عملها من هاجر الى الخليج بدأت تقل الى حد كبير.. ومن هنا سنجد انه من الضرورى ان يكون هناك تقدم داخلى ذاتى.. وبالخصوص فى الفروع الانتاجية والفروع القابلة للتصدير وليس أى فروع من فروع النشاط.. واعتقد أن هذه ستكون قضية حياة أو موت بالنسبة للمجتمع المصرى، وهذا بطبيعته اذا ماتم سيحدث اعادة فرز طبقى ليعيد الأمور الى نصابها الى حد ما. تآكل الطبقة الوسطى أما موضوع الطبقة الوسطى فهو يطرح أيضا فى المناقشات ليس فى مصر وحدها وانما هناك جدل كبير حولها فى العالم كله.. ولكن فى المنطقة العربية ومصر سنجد أن الحديث مستمر حول تآكل الطبقة الوسطى، وتآكل الطبقة لا يعنى أن حجمها المطلق أصبح قليلا حيث أن النمو الديموغرافى لها مازال موجودا.. وانما المقصود بالتآكل أن وضعها النسبى فى خريطة توزيع الدخل أصبح يقل ويتقلص، وأن وضعها المعنوى يتقلص، بل يمكن القول بأنه يتعرض الى قدر كبير من البهدلة الاجتماعية والاقتصادية والمعنوية.. وفيما يتعلق بتوزيع الدخل سنجد انه فى الربع قرن الأخير قد ساء بشكل كبيرجدا، ساء بمعنى أن النصيب النسبى للـ (20%) الذين فى قمة التوزيع تزايد على حساب الفئات الوسطى والدنيا.. وهذا ملموس بشكل واضح فى بعض الاحصاءات رغم عدم دقتها حيث نجد أن 20% من المجتمع يسيطرون تقريبا على 45% من القوة الشرائية، وان 80% من المجتمع يسيطر على 55% من القوة الشرائية.. وهذا أدى فى تقديرى الى وجود ثلاثة أسواق اقتصادية فى مصر.. اقتصاد يعمل للـ 20% الذين يملكون نصف الدخل القومى تقريبا.. وهذا هو السوق الذى تركز عليه الشركات الدولية لانه يستطيع ان يستهلك السلع التى يريدون ترويجها، وسوق ثانى للفئات الوسطى والشعبية، والسوق الثالث هو سوق اقتصاد غير رسمى وهذا فقه قطاعات كثيرة هامشية تعيش عليه، أما عن طريق الأعمال المؤقتة أو الارتزاق بطرق مختلفة أو مايطلق عليه (تسول الرزق).. وهذه ظاهرة خطيرة جدا فى المجتمع المصرى لان عددا كبيرا من الناس لا يرتزقون من خلال العمل أو بشكل فيه كرامة.. وانما احيانا بشكل (تسول الرزق) أو دخول مختلفة مثل الاكراميات أو الرشاوى وغيرها.. اصبح لا يوجد كرامة للمكتسب فى هذا القطاع، وخطورة ذلك أنه يؤدى الى تقويض جانب معنوى هام جدا لفئة ضخمة جدا من الناس حول سبل التكسب.. وبالتالى سنجد أن المجتمع المصرى يتمزق الى ثلاثة مجتمعات أو ثلاثة اقتصاديات ولذا فان فكرة المجتمع الموحد والسوق الموحد التى هى فكرة مهمة جدا فى أى تنمية تمر بأزمة، ومن نافلة القول ان نقول انه خلال الربع المقبل من القرن الحالى لابد من اعادة لحمة الاقتصاد الوطنى والمجتمع كله، وهذا لن يكون الا من خلال سياسات اعادة توزيع الدخل واعادة توزيع الأصول وبطريقة تؤدى الى اقتصاد واحد والى نوع من المجتمع الواحد المتكافل، وبالتالى لابد أن يحصل كل مواطن على اجر يساعده على الحياة الكريمة، ولابد من تحول هيكلى فى السياسات الاقتصادية والاجتماعية وان نركز انظارنا على اعادة تنظيم الاقتصاد والعلاقات الاجتماعية بشكل جديد. العولمة ويضيف عبدالفضيل لا يمكن أن نتناول قضايا مستقبلية دون أن نطرح موضوع الاقتصاد المصرى فى خريطة التطورات الاقليمية والعالمية.. والسؤال هنا.. كيف نتعامل مع العولمة ليس كأيديولوجيا وانما كعملية تاريخية تتفاعل من حولنا؟ البعض يسمى هذه العولمة بالموجة الثانية، حيث يرى هؤلاء انه كانت هناك موجة أولى من العولمة بدأت حوالى عام 1870، وانحصرت مع الحرب العالمية الأولى، وكانت هذه الموجة أيضا جارفة ويساندها تطور تكنولوجى واقتصادى هام جدا، أما الموجة الثانية الحالية فقد بدأت فى السبعينيات والثمانينيات واكتسبت قوة دفع هائلة فى التسعينيات وقوة الدفع هذه جاءت من خلال الشركات الدولية، وما أضيف عليها من اليات جديدة مهمة جدا مثل منظمة التجارة العالمية، والشركات المالية الجديدة التى تحكم السوق العالمية وبالذات فى مجال المال.. وهذه الآليات الجديدة هى التى تسيطر على الملعب الاقتصادى اليوم، ومن أهمها على الاطلاق هى منظمة التجارة العالمية، وسواء كانت مصر وقعت على الاتفاقية أم لا.. وهى طبعا موقعة الا انها لابد وأن تأخذ موقفا من هذه المنظمة.. مثل ما هو شكل العلاقات الخارجية التى يمكن ان تنشأ للاقتصاد المصرى خلال هذه العولمة؟ أول شئ فى تقديرى هو انه لابد من التركيز على بناء البيت العربى اقتصاديا فى البداية، وهذا يتطلب وجود نواة ولا أقول سوقا مشتركة بين مجموعة من الدول العربية لتشكل كتلة حرجة تستطيع أن تواجه بها بعض تحديات العولمة، ولتكن هذه النواة مشكلة من مصر، لبنان، سوريا، العراق عندما ينهض، أى دولة خليجية توافق على هذا الطرح.. وبدون ذلك لن تستطيع مصر أن تواجه عواصف العولمة.. هناك أيضا تجربة ماليزيا التى يجب أن ندرسها ونستفيد منها فى كيفية تعاملها مع العولمة بشروط وطنية.. ففى ماليزيا اقتصاد مفتوح وعلاقات مع كل دول العالم، ولكن الدول لها بعض الشروط، مثل انه اذا ما دخلت (الأموال الساخنة) لتبعث باقدار الاقتصاد الماليزى فلابد لراسم القرارات الاقتصادية أن يتخذ قرارات حادة مثل وقف الاستثمار الاجنبى فى البورصة أو منع خروج رؤوس الأموال المضاربة.. وقد نجحت هذه التجربة رغم كل محاولات التشكيك فيها.. ورغم ذلك اشير الى أمر لا يجعلنا نغالى فى تجربة ماليزيا وهى انها تمتعت بدعم اسيوى كبير خلال تجربتها، وهذا الدعم أن لم يكن معلن فهو دعم خفى.. حتى أن بعض البلدان الآسيوية اقترضت باسمها أموالا لصالح ماليزيا عندما كانت أسواق المال الدولية تغالى فى اقراض ماليزيا بأسعار فائدة باهظة. ولذلك أريد أن أقول انه عندما نفكر فى العولمة يجب أن نستبشر بعض الخير، بمعنى انه مع نهاية القرن الماضى سنجد ان مسيرة العولمة بشكلها الطاغى والمتوحش وصلت الى نقطة فيها مراجعة.. كما انها تواجه تحديين هامين جدا.. وعلى الدول النامية ومن ضمنها مصر ان تستفيد من ذلك.. وأول هذه التحديات هى (وقفة سياتل) حيث ان الحركة الاحتجاجية لم تكن فى شوارع سياتل فقط، وانما كانت داخل أروقة المؤتمر ذاته، ولم ينجح هذا المؤتمر فى اطلاق أى تفاوض جديد.. وهذا لأن أغلب الدول طالبت بفترات سماح أطول وبمراجعة نصوص كثيرة، وأصبح هناك مجالا للمساومة التاريخية فى كل شئ.. أما الأمر الثانى هو أن اليابان بدأت تلعب دورا فى تشجيع فكرة انشاء صندوق نقد اسيوى، وقاد هذه الفكرة نائب وزير المالية اليابانى فى حملة من أجل انشاء هذا الصندوق الذى سيكون بديلا عن صندوق النقد الدولى وشروطه.. وبالتالى على كل منطقة أن تؤسس صندوقا خاصا بها يساعدها على الخروج من أزمتها دون شروط.. واعتقد ان هذه الحركة الجديدة اضافة الى الضغوط على العولمة ستساعد دولا نامية كثيرة فى الوقوف أمام آليات العولمة التى وصلت الى حد كبير من التوحش والطغيان. المستقبل فيما يتعلق بالمستقبل أرى انه لا بديل امام مصر والدول العربية الا ان يكون هناك تحالف استراتيجي مع أحد الأطراف الفاعلة فى الاقتصاد الدولى وفى تقديرى ان التحالف الاستراتيجى المرشح هو مع اسيا، لان البلدان الاسيوية هى بلدان باهظة اقتصاديا، ولديها تكنولوجيا متقدمة، وامكانيات انتاجية متطورة تسمح بالتعامل الاقتصادى بقدر عال من الكفاءة.. وهناك كتلة هامة فى اسيا وهى مجموعة الاسيان + ثلاثة، ومعروف طبعا مجموعة الاسيان، أما الثلاثة فهم الصين واليابان وكوريا الجنوبية والذى يريد أن يفتح أبواب المستقبل فعليه فعليا أن يفتح هذا الباب.. ويمكن ذلك من خلال (دبى) لكى تلعب دورا هاما لصالح العرب فى هذا المجال، لأن (دبى) فى تطورها الحديث طرف مهم في العولمة الدولية المقبلة، ويجب أن توظف لصالح العرب اذا توجهت لها النواة العربية قبل أى شئ آخر.. ايضا يجب أن تكن هناك علاقات تعاون مع تجمع أوسطى.. ودون ذلك ستكون هناك أزمة حقيقية فى مصر. وفى النهاية أعتقد أنه من الناحية الاقتصادية والاجتماعية تلك هى أهم القضايا التى ستواجه الاقتصاد المصرى والمجتمع المصرى خلال ربع القرن المقبل، وأؤكد أن وضوح الرؤية مهم، والاجماع الوطنى حول توجهات المستقبل يعتبر ضرورة تاريخية.. ولا مفر من تشكيل تلك الكتلة الوطنية التاريخية التى تستطيع أن تجعل هذه الرؤية المستقبلية