بيان الاربعاء: في سرده لسيرته الذاتية يقول «دايو سدادو ماكاباجال» أن شعاره في الحياة حكمة تعلمها من جدته تقول «افعل دائما ما هو صحيح، وابذل أقصى جهدك، وسيتكفل الله بالباقي». وكان حدس الجدة قد ألهمها عند ولادته أنه سيكون ذا شأن في المستقبل ومن ثم أسمته «دايوسدادو» (نعمة الله). هو خامس رؤساء الجمهورية الثالثة في الفلبين، لم يخجل من الإشارة إلى فقر أسرته الذي أورثه صحة عليلة بسبب سوء التغذية، لكنه لم يفقده ـ على حد قوله ـ الثقة في الله أو الإيمان بالمثل العليا التي دفعته للنجاح في حياته حتى حصل على درجتي دكتوراه في القانون والاقتصاد، كما أعان شقيقيه على إكمال دراستهما الجامعية، رغم أنه أخفق في إحدى سنوات دراسته الجامعية بسبب ما كان يعانيه ن أمراض سوء التغذية. وسجل في مذكراته أيضا «كنت سعيدا في زواجي، ورزقت بأربعة أبناء لطفاء، حرصت أنا وزوجتي على أن نحسن تربيتهم». بيد أن النوايا الطيبة والأحلام الطوباوية لا تكفي وحدها لتثبيت أركان نظام حكم. فرغم جهوده لخدمة الفقراء بتخفيض سعر الأرز ـ الغذاء الرئيسي ـ إلى أدنى سعر له، وإصدار قانون الإصلاح الزراعي في 1963 الذي ألغى نظام العبودية الذي كان استمر قرونا تحت اسم «الإيجارة الزراعية»؛ إلا أنه ظل يؤكد أن أكثر ما يثير شعوره بالإحباط هو «عجز الجماهير الفقيرة، التي كان تخليصها من الفقر الذي عايشته طوال عمرها هو الهدف الأساسي لعملي السياسي كأول رجل فقير يصبح رئيسا للبلاد». وكان طبيعيا ألا تطول فترة حكم رئيس الجمهورية الذي كان أول قراراته يحظر على موظفي الحكومة منح معاملة خاصة لأقاربه، كما كانت توجيهاته لأقاربه أن يربأوا بأنفسهم عن الشبهات. وألا يستخدموا نفوذهم لتحقيق مكاسب شخصية. فلم يكن وراء الرجل قوى ذات مصالح تثبته في الحكم. بل أنه حتى لم يستطع توظيف شعبيته في دفع الجماهير لتنظيم نفسها في أحزاب أو نقابات أو أي شكل من أشكال التنظيمات القوية التي يمكنه من تعزيز نظام الحكم المدافع عنها. ضيق ذات اليد وفي الانتخابات التي جرت عام 1965، مني الرجل بهزيمة يعزوها إلى قلة إمكانياته المادية، بينما يرجع السبب الحقيقي في رأينا الى افتقاره إلى مساندة قوى شعبية منظمة جيدا تثق بقدرته على تحقيق مصالحها. بيد أنه من الواضح أن تعاليم ومبادئ «نعمة الله» لم تذهب هباء، فبعد أكثر من عشرين عاما من انتهاء فترة رئاسته انضمت ابنته الثالثة جلوريا إلى حكومة الفلبين في 1986 ضمن إدارة الرئيس كورازون أكينو التي عينتها وكيلة وزارة التجارة والصناعة، ثم واصلت طريقها في عالم السياسة إلى أن انتخبت نائبة للرئيس السابق جوزيف استرادا. وما أن اندلعت أنباء فضائح الرئيس استرادا في أكتوبر الماضي حتى أعلنت استقالتها من منصبها كوزيرة للشئون الاجتماعية. وكررت جلوريا دعوتها عدة مرات للرئيس السابق بالاستقالة إثر اتهامها له بقبول رشاوى من شركات القمار غير القانونية. ويبدو أن الرئيسة الجديدة بقدر ما تربت على مباديء والدها بقدر ما تعلمت الدرس من إخفاقه في الحفاظ على منصب الحكم، ففي عام 1992 فازت بلقب «أقوى امرأة» في استفتاء أجرته مجلة «آسيا ويك» إثر انتخابها عضوا في مجلس الشيوخ، وبعد ثلاث سنوات فحسب فازت فوزا ساحقا لتصبح نائبا للرئيس السابق جوزيف استرادا. ورغم الرقة التي تحرص جلوريا على التحدث بها، إلا أنها كانت حازمة في وعودها بالسعي للقضاء على المحسوبية وإحياء الإصلاحات التي بدأها الرئيس السابق فيديل راموس. وتحرص أرويو على إظهار تدينها، وعندما ترددت أقاويل تربط بينها وبين شركات القمار المحظورة التي كانت سببا في استقالة الرئيس واستندت هذه الأقاويل إلى موافقتها على أن تكون «عرابة» ابن أحد مالكي نوادي القمار، ردت على الاتهام بأنها وافقت على ذلك باعتباره «واجبا مسيحيا». ومن الواضح أن الرئيسة الجديدة تتمتع بقدر من البراجماتية يفوق والدها، فهي تصر على الاستفادة من سيرته الطيبة بتشديدها على أنها تتبع فلسفة أبيها الداعية إلى بذل الجهد والقيام بما هو صحيح وترك الباقي «ليتكفل به الله». لكنها لم يفتها أن تعلن في حسم أنها ستضمن مزيدا من الاستقرار في البلاد من خلال اعتماد إدارتها على أعتى سلطتين في البلاد: المؤسسة الدينية حيث يدين أكثر من 90 في المئة من السكان بالكاثوليكية، والمؤسسة العسكرية. وتشير التطورات الأخيرة إلى قوة نفوذها في هاتين المؤسستين: فها هو مطران مانيلا يناشد عبر الإذاعة المواطنين الدفاع عن أرويو ضد أي هجمات محتملة يقوم بها الموالون للمخلوع استرادا، كما أن الرئيسة نفسها أكدت في تصريحاتها الاخيرة على ثقتها في ولاء الجيش والشرطة لنظام الحكم وقدرتهما على الحفاظ على الاستقرار. بقلم: إكرام يوسف