بيان الاربعاء: ربة منزل تقليدية، لم تكمل تعليمها الجامعي. دخلت عالم السياسة عام 1987 وهي في الأربعين من عمرها عندما أصبحت نائبة في البرلمان الإندونيسي.. وكانت إندونيسيا في ذلك الوقت تمور بالسخط الشعبي ، على استبداد وفساد الديكتاتور سوهارتو وأسرته. فهل كان دخولها عالم السياسة من تلقاء نفسها؟ أم أن هناك قوى كانت تتأهب لإعداد بدائل لديكتاتور تشير قراءة الاحداث إلى أن الإطاحة به باتت وشيكة؟ اسمها ميجاواتي سوكارنو بوتري، يعني ميجاواتي ابنة سوكارنو؛ وربما لم يعد يذكر اسم ذلك الأب إلا من قاربت أعمارهم نصف القرن ممن عاشوا حقبة التحرر الوطني، وما كانت تمثله من أحلام لشعوب العالم الثالث، وشهدوا أيضا أفول الحركة مع سقوط البعض في مستنقع العمالة، والإجهاز على مشروعات التحرر الوطني التي لم تسندها نظم ديمقراطية حقيقية تدفع الشعوب إلى أن تشد بالفعل من أزر زعمائها في مواجهة الاستعمار الجديد. ولدت ميجاواتي في 1947 قبل عامين من استقلال بلادها عن الاستعمار الهولندي، ولم تدخل عالم السياسة إلا بعد عشرين عاما من الإطاحة بوالدها على يد انقلاب عسكري قاده سوهارتو ودعمته قوى الغرب وعلى رأسها الولايات المتحدة. ولا شك أن أولئك الذين يهمهم تدشينها كأحد بدائل حكم الديكتاتور، كانوا يدركون أن سمعة أبيها الراحل كقائد كاريزمي تمتع بحب قطاعات واسعة من شعبه سمحت لها بالوصول إلى صفوف النخبة السياسية في بلادها. ولعل هذه السمعة نفسها هي التي دفعت سوهارتو إلى الابقاء على حزب «اندونيسيا الديمقراطي» الذي أسسه أحمد سوكارنو في العشرينيات من القرن الماضي، فكان الحزب من بين ثلاثة أحزاب فحسب سمح لها الديكتاتور سوهارتو بالعمل في إندونيسيا. ولم يكن من الصعب على الابنة التي طرحت نفسها ـ أو طرحها البعض ـ مرتدية جلباب أبيها، أن تكسب شعبية متزايدة بين قطاعات كانت ساخطة على سوهارتو وتهفو إلى سيرة ابيها وذكريات التحرر الوطني، فتمكنت في 1993 من تولي زعامة الحزب. غير أن شعبيتها المتزايدة كانت سببا في نقمة سوهارتو الذي دبر انقلابا عليها داخل حزبها في 1996 اسفر عن انتخاب «سورجاوي» الموالي لسوهارتو زعيما للحزب بدلا منها. غير أن المؤامرة وما لحقها من اقتحام قوات الجيش مقار الحزب في جاكرتا لإخلائها من أنصار ميجاواتي المعتصمين جاءت لصالحها في النهاية، فتحولت ميجاواتي إلى زعيمة للمعارضة في مواجهة سوهارتو، وحصلت على اعتراف دولي واسع النطاق. وسرعان ما بدأت وسائل الإعلام الغربية تشيد بها، باعتبارها امرأة تمارس السياسة في دولة «إسلامية»، رغم تشكيك محللين في قدراتها القيادية، مستندين في ذلك إلى ضعف مشاركتها في الحركة الشعبية التي قادت إلى الإطاحة بسوهارتو في مايو 1998، ورفضها الحديث علنا في المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، إلى الحد الذي أسماها معه بعض المحللين «الأميرة الصامتة». تخرج عن صمتها أحيانا بيد أن تلك «الصامتة» لم تلزم الصمت إزاء الحركات الانفصالية في إندونيسيا فانتقدت بشدة قرار الرئيس السابق بحر الدين يوسف حبيبي ـ الذي خلف سوهارتو ـ في السماح بإجراء استفتاء على الاستقلال في تيمور الشرقية. كما أيدت اتخاذ موقف متشدد من حركة الانفصال في إقليم آتشيه. ولم تلزم ميجاواتي الصمت أيضا في قضية إقامة علاقات مع إسرائيل، وأيدت علنا إقامة مثل هذه العلاقات، وتسابقت مع الرئيس العليل عبد الرحمن واحد على المزايدة في هذه القضية، رغم ما قد يكون لذلك من تأثير سلبي على علاقتها بالعالم العربي والإسلامي، الأمر الذي يؤكد رغبتها في كسب تأييد قوى خارجية، يهمها حشد التأييد لإسرائيل، وهو ما يدعم اعتقادنا بأن تلك «الأميرة الصامتة» دفعتها قوى معينة، ذات مصالح محددة، للخروج من بيتها الهادئ وخوض غمار الحياة السياسية الصاخبة مستغلة في ذلك اسم والدها، الذي لا تشير التطورات إلى أنها تنتمي له بأكثر من الاسم. ولعله يتعين هنا أن نشير إلى أنها متزوجة من رجل أعمال يحمل الجنسية الأمريكية. هذه القوى هي نفسها التي كان أحد «حيتان» الاقتصاد الإندونيسي يتحدث باسمها عندما قال تعليقا على الإطاحة بسوهارتو «كان علينا أن نجري تغييرا من أعلى للحيلولة دون اندلاع ثورة من أسفل». إن هذه القوى الاقتصادية ـ في المقام الأول ـ والاستعمارية في النهاية، هي التي دفعت بتلك المرأة التي ظلت طوال عمرها بعيدة عن معترك السياسة إلى خوض غمارها والتطلع إلى منصب رئاسة الدولة، وهو الأمر الذي بدا قريبا من منالها ـ إذا لم يسبقها إليه انقلاب عسكري ـ بعد تصاعد حدة السخط على واحد، الذي لم تفوت فرصته وخرجت عن صمتها المزعوم مؤيدة لتوجيه اللوم إلى الرئيس الذي تعمل نائبة له. ويبدو أنها مازالت تراهن على مقولة «التغيير من أعلى حتى لا تندلع ثورة من أسفل». بقلم: إكرام يوسف