بيان الاربعاء: تحمل ملامحه الكثير من سمات والده، بعينيه الزرقاوين وشاربه القصير ووجهه الباسم، وربما يتماس تكوينه الشخصي مع تكوين الأب من حيث انخراط كل منهما في صفوف المؤسسة العسكرية التي تمثل عماد الحياة السياسية في سوريا، وإحدى دعامات استقرارها، رغم أن الرئيس بشار الأسد لم يلتحق بصفوف الجيش إلا بعد وفاة شقيقه الأكبر باسل في 1984 بعدما قطع شوطا في تخصصه الأصلي وهو طب العيون الذي مارسه في مستشفى تشرين العسكري ـ أيضا ـ عقب تخرجه. بيد أن الابن يتميز عن والده الراحل حافظ الأسد بما تربى عليه من ثقافة غربية منحته طلاقة في الحديث باللغتين الرئيسيتين في العالم؛ الإنجليزية والفرنسية، فضلا عن متابعته الدؤوب لآخر التطورات في عالم التكنولوجيا، وبوجه خاص تكنولوجيا المعلومات، حيث رأس الجمعية العلمية السورية للمعلوماتية وأشرف على ندواتها ومعارضها السنوية، وربما كان ذلك أحد جوانب الجاذبية الشخصية التي زادت شعبيته بين قطاعات الشباب. وإلى جانب ما تردد قبل توليه الرئاسة عن تحليه بالقدرة على الحزم والحسم في قراراته وسلوكه، كانت الحملة التي قادها بتوجيهات من والده الراحل لملاحقة الفساد، والتي طالت عددا من الأسماء الكبيرة في الدولة، عاملا آخر جذب إليه الأضواء واضاف أسهم إلى شعبيته خاصة مع ما تردد أنه كان المهندس الحقيقي لحملة مكافحة الفساد. ولعل هذه المقومات الشخصية إذا أضفنا إليها ثلاثة عوامل أخرى هي: أولا؛ الدور الذي لعبه الوالد الراحل في إعداده لتحمل المسئولية وتهيئة المناخ المساعد له. وثانيا؛ القبول الدولي الذي حظي به. وثالثا؛ الظروف الموضوعية التي تولى فيها الرئيس بشار وسط تعثر مسيرة التسوية في الشرق الأوسط، كانت كلها عوامل كافية لتيسير انتقال السلطة إلى الأسد الابن على ذلك النحو من السلاسة التي جرى بها. عناد ودهاء فالأسد الأب الذي حقق استقرارا سياسيا في بلاده دام ثلاثين عاما بعد سلسلة من الانقلابات العسكرية التي شهدتها سوريا، ولعب دورا هاما باعتراف المراقبين، حتى المختلفين معه في بناء دولة عصرية، بل ـ وعلى نحو ما ـ قوة إقليمية. كما أصبح ينظر إليه، بفضل ما عرف عنه من عناد ودهاء سياسيين ـ يفتقر إليهما كثير من الرؤساء ذوي الأصول العسكرية ـ باعتباره مفتاح التوصل إلى حل شامل في الشرق الأوسط، وباتت القوى الدولية تحسب لمواقفه ألف حساب، رغم أنه ظل سنوات طويلة سابقة هدفا لانتقاداتها. ولا يجب أن نغفل قراره بالانضمام إلى التحالف الدولي في حرب الخليج الثانية الأمر الذي ساعد في تحسين العلاقات السورية مع كل من مصر والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال نفوذ الكتلة الاشتراكية التي كانت تمثل دعما للأسد الأب في فترة سابقة. وفي أكتوبر 1991 اختار الأسد الأب الانضمام إلى مسيرة السلام في الشرق الأوسط ودخلت سوريا إلى محادثات مباشرة مع الإسرائيليين في مدريد، ومع بداية هذا التحول أخذت الحالة الصحية للرئيس الأسد في التراجع؛ وربما كان ذلك من ضمن الأسباب التي دعت الرئيس الراحل إلى السعي لتأمين انتقال السلطة بهدوء في حالة غيابه، وكما هو معروف فقد عمل على إعداد ابنه الأصغر بشار لهذه المهمة بعد وفاة ابنه البكر باسل. ولعله مما يحسب للرئيس الراحل انه ظل حتى آخر حياته متمسكا بتحقيق انسحاب كامل من مرتفعات الجولان ولم يتنازل أمام الضغوط الدولية عن هذا الهدف الذي تمنى إنجازه قبل وفاته، ولم يتردد في المراهنة على عامل الوقت، ورفض أي تسوية لا تحقق الهدف على النحو الذي رآه. ولعله كان في اختياره لابنه حريصا على أن يضمن أن من سيخلفه سيواصل العمل على تحقيق هذا الهدف. وفي هذا الإطار علينا ألا نتجاهل ولاء القوات المسلحة بقيادة العماد مصطفى طلاس الذي عرف عنه إخلاصه الشديد للأسد الأب. بيد أن الظرف الموضوعي الذي تمر به عملية السلام كان أهم الدوافع التي ضمنت الدعم الإقليمي والدولي السريع والفعال لتولية بشار الأسد خشية تعريض الاستقرار ـ النسبي ـ في المنطقة للخطر في حال ظهور أي سيناريو غير متوقع مثلما يرى العديد من المحللين. وفور وفاة الأب حرصت الصحف السورية الرسمية على الإعلان عن اتصال بشار الهاتفي بالرئيس كلينتون فيما اعتبره المحللون إشارة قوية تهدف إلى طمأنة العالم إلى أن القيادة السورية الجديدة ملتزمة بالمسيرة السلمية في المنطقة. كاريزما وجاءت مشاركة الرئيس الجديد في مؤتمر القمة العربي قبل الأخير في القاهرة تدشينا لصورة رئيس شاب يمتلئ حماسا ويحرص في نفس الوقت على إبداء الحكمة، ولعل كلمته أمام الزعماء العرب في المؤتمر أضفت عليه بعدا كاريزميا خاصة بعدما أثار إعجاب قطاعات من الشباب العربي ـ المفعم بالحماس للانتفاضة الفلسطينية ـ عندما اعترض في كلمته على المطالبة بحقن دماء الفلسطينيين مؤكدا على أن الشعب الفلسطيني الذي انتفض لا يريد حقنا لدمائه وإنما استردادا لحقوقه وأصبحت مقولته «أن الفلسطينيين لو كانوا يريدون حقن دمائهم فحسب ما خرجوا من بيوتهم وما اندلعت الانتفاضة أصلا»، من الأقوال المأثورة في الشارع العربي. ولم يفته في كلمته التأكيد على إصرار القيادة السورية الجديدة على استرداد الجولان كاملة دون أي تنازل. وجاءت آخر تصريحاته القوية الفاضحة للارهاب الصهيوني «خلال زيارة بابا الفاتيكان لسوريا» لتضيف بعدا آخر يزيد من شعبية «بشار» في عيون وقلوب الشارع العربي بالتحديد، وخاصة بعدما أثارت هذه التصريحات موجة هجوم عليه من قوى غربية واجهها بصلابة. ومن هنا يشير المحللون إلى أن المهمة الأصعب أمام الأسد الابن تتمثل في السعي لتحقيق السلام في المنطقة؛ ومعالجة المشكلات الاقتصادية الثقيلة التي تعاني منها بلاده بسبب حالة الركود الاقتصادي منذ 1996، ومواصلة حملة مكافحة الفساد؛ فضلا عن تحقيق الإصلاحات السياسية التي وعد بها، وذلك على النحو الذي يضمن له قدرا أكبر من التأييد الشعبي الذي هو العماد الحقيقي لتحقيق استقرار فعلي وفعال لنظام الحكم. بقلم: إكرام يوسف