مطاعم «الفاست فود» هدفها الأطفال وموظفوها مراهقون ،هنري فورد اكتشف خط التجميع للسيارات فطبقوه على السندويتش في عام 1906 ذهب الصحفي الأمريكى القديم ابتون سنكلير ليكتب تحقيقا صحفيا حول ظروف التشغيل التى يعمل في ظلها مستخدمو صناعة اللحوم: الجزارون وعمال الجزارة والذبح والتجهيز والتقطيع والتغليف. يومها عاش سنكلير كابوسا مفعما بالرعب ازاء الأحوال الفظيعة التى يعيشها عمال اللحوم في شيكاغو، وأيضا ازاء الأساليب المروعة التى يقدمون بها انتاجهم الى ملايين المستهلكين، وهي أساليب تفتقر الى أبسط قواعد الصحة والنظافة والسلامة. جلس ابتون سنكلير الى مكتبه وأودع خلاصة هذا الكابوس الحافل بالميكروبات واللحم الملوث، الذي يتناوله الناس في أمريكا، يمرضون ويموتون بينما تجنى احتكارات اللحوم ملايين الدولارات، أودع هذا كله في رواية اختار لها عنوانا بالغ الدلالة هو: «الغابة» رفض كل الناشرين في شيكاغو أن يطبعوا الرواية، خافوا من بطش احتكارات اللحوم والمواشى والاعلاف. وصدرت «الغابة» على حساب مؤلفها، لتحدث دويا في المجتمع الأمريكى وتجبر الحكومة وقتها على أن تصدر قانونا جديدا بشأن نظافة الأغذية والعقاقير كان من شأنه تحسين ظروف تجهيز وتصنيع اللحوم وفرض مزيد من الرقابة عليها. ولكن كان على المجتمع الأمريكى أن ينتظر 95 سنة لكي يقرأ عملا صحفيا جديدا ينفذ بدوره الى كواليس صناعة الغذاء، اللحوم والمطاعم والسندويتشات وما تدره على أصحابها من مليارات الدولارات، فضلا عما تسببه لمستهلكيها من جراثيم وأمراض وميكروبات، العمل الصحفي هذه المرة لم يصدر على شكل رواية ولكنه جاء نتيجة دراسة واسعة النطاق، استخدم فيها صاحبها أسلوب البحث والاستقصاء العلمى لكي يرسم لقارئه صورة مكتملة لواقع صناعة الوجبات السريعة (فاست فود) التى حملت في أطباقها الورقية وملاعقها البلاستيكية ثقافة أمريكا أو فلنقل أسلوب الحياة الأمريكى الى شرق العالم وغربه. الكاتب الأمريكى إريك شلوسر أصدر كتابه الذي بين أيدينا مع مطالع العالم الحالى بعنوان: «أمة الواجبات السريعة» وحين صدر الكتاب قوبل بعاصفة من الاهتمام والتشجيع بقدر ماقوبل بوابل من الانتقاد والتجريح. الدكتور كلود بوشار، وهو طبيب بشرى، يكتب في نقد الكتاب قائلا: ان قراءته تجربة تجمع بين المتعة والاشمئزاز والغضب في وقت واحد (متعة البحث وقرف المطاعم والغضب ازاء مايقدمونه لنا على انه غذاء). كاتب آخر اسمه كريج وست كتب يقول: هذا كتاب محير فعلا، صاحبه يدعى انه بدأ عمله من أجل دراسة الثقافة الأمريكية المعاصرة وان صناعة الأغذية قادته الى مسار آخر. ولكننى أظن انه أراد أن يقدم لقارئيه طبعة جديدة من رواية «الغابة» التى اصدرها ابتون سنكلير منذ 105 أعوام كى يصدم الناس من جديد. العودة الى الغابة ان كاتبنا، إريك شلوسر، صحفي متميز، فاز بجوائز عديدة في مجال التحقيق الصحفي القائم على أسس بحثية ، عندما أراد أن يضع كتابه الذي نعرضه في هذه السلسلة من الأحاديث، واختار له موضوع الوجبات السريعة أو الغذاء السريع (فاست فود) كما يقول الأمريكيون، لم يكتف بقراءات في الأدبيات المنشورة وقد حصل منها القدر الكثير وخاصة فيما يمكن أن نسميه باسم، (سوسيولوجيا الطعام)، ولا اكتفي بأقاويل أو شكاوى او حتى مراجعة احصاءات الاستهلاك أو الأحوال الصحية أو حتى متابعة السير الشخصية لكبار مؤسسى الوجبات السريعة. مفهومها، أساليبها، تصاميم مطاعمها، وصفات تجهيزها وطرق مناولتها، لقد قام بهذا كله ولكنه انجز فوق ذلك أمرا آخر له أهميته الكبرى: امضى مؤلف الكتاب 24 شهرا كاملة في رحلة اشبه برحلة الأوديسة التى رواها شاعر اليونان القديم هوميروس. لكن الفرق كان كبيرا والبون كان أكثر من شاسع في البحار والمحيطات، يراقب الشروق ويرصد الغروب وتتناهى الى أسماعه اغانى العذوبة التى كانت تنشدها السيريناد عرائس البحر اللائى حكت عن سحرهن الأساطير في كتابنا كانت أدويسة المؤلف أقرب الى كابوس قاتم، عنيف، مروع ومخيف كيف لا وقد كانت سياحته محاولة للنفاذ الى كواليس وأسرار عالم مطاعم الوجبات السريعة التى تبدو واجهاتها مصقولة لامعة براقة مضاءة بأنوار النيون بكل ألوان الطيف، لكن وراءها تكمن سلسلة من المؤسسات والمواقع والعمليات التى تبدأ بتربية المواشى وذبحها وتجهيز لحومها واضافة مواد صناعية غريبة توصف بأنها (مكسبات الطعم) ومن ثم تغليفها وتقديمها الى المستهلك المسكين البريء الذي لا يكاد يدرى أن من هذه الاجراءات والعمليات ماكان مفتقرا الى الضمير المهنى أو الى النظافة الشخصية أو السلامة الحرفية أو الشروط الصحية ومنها ماكان مرتعا للجراثيم بأنواع شتى، وخاصة تلك التى تحمل اسم (إ.ى.كولى) وتصيب الامعاء ويمكن أن تدمر الجهاز الهضمى فما بالك وقد أنصب التوجه العام لمؤسسات الوجبات السريعة كما يذكر المؤلف على أهم مستهلك في هذا العصر وهو، الطفل الصغير، هو فرد البروباجاندا، القادر على سحر الاقناع ودعاياته هذه تتم لصالح مؤسسة المطاعم وهى في غاية الفعالية وهى ايضا لا تكلف شيئا، يكفي أن تغازل الطفل من خلال الزي والألوان البراقة والشخصيات الوهمية التى تخطاب خيال الطفل بخصوبته البالغة، ولا يستغرق الأمر سوى دمعة أو دمعتين، فاذا بهذا الديكتاتور الصغير الجميل المتجبر وقد أجيبت طلباته بغير مناقشة ولا تفنيد، واذا بالسندويتشات وقد جلبت، ومصاصات المشروب وقد اشرعت وأنواع الصلصات والسلطات وقد نثرت، وكله، كله يترجم الى أهوال تبدو بسيطة، بل زهيدة على مستوى الفرد أو الأسرة، ولكنها أصبحت، كما يؤكد مؤلف الكتاب، تشكل جزءا لا يستهان به من الدخل القومى في أمريكا. من بابا نويل أن مؤسسة مثل مكدونالدز أصبحت ـ والعهدة على المؤلف ـ رمزا راسخا لاقتصاد الخدمات في أمريكا لدرجة أنها باتت مسئولة عن 90 في المائة من فرص العمل الجديدة في البلاد. و في عام 1968 كانت تملك وتدير نحو ألف مطعم في طول أمريكا وعرضها. لكنها اليوم أصبحت تدير نحو 28 ألف مطعم يحمل اسمها في طول العالم وعرضه، لدرجة أنها تحتفل سنويا بافتتاح الفي مطعم. وهى تستخدم سنويا نحو مليون عامل معظمهم في سن المراهقة وبواكير الشباب، وهي كذلك تعد أكبر مؤسسات أمريكا إنفاقا على أغراض الدعاية والاعلان، الامر الذي جعل مكدونالدز أشهر اسم في العالم، حيث ازاح الكوكاكولا عن موقعها العتيد وقد كانت تتباهى سابقا بأنها معروفة في غابات افريقيا وفي أدغال اسيا قدر مايعرفها الناس في كبرى العواصم العالمية. وحين اجروا استطلاعا لآراء الأطفال في أمريكا اتضح أن شخصية (رونالد مكدونالد) هو ثانى شخصية يعرفها الأطفال ويتفاعلون معها، حيث كانت الشخصية الأولى هى سانتا كلوز، بابا نويل الذي يحمل الى الأطفال هدايا الكريسماس من عام الى عام. في تصديره للكتاب يؤكد المؤلف على أهمية موضوعه. أولا: لانه يتصل بطعام الناس ومن ثم بصحة الناس وخاصة الشباب والأطفال. وثانيا: لأن طعام الشعوب يدل على طبيعتها وينبئ عن أسلوب تفكيرها وانماط سلوكها ربما بأكثر مما يفعل الأدب والفن عند هذا الشعب أو ذاك. وثالثا: لأن الوجبات السريعة، شطائرها ووصفاتها وصفقاتها ومطاعمها باتت أمرا يصفه المؤلف بأنه من حتميات الحياة في أمريكا. ورابعا: لأن هذه الوجبات السريعة أصبحت معبرة عن ثقافة أمريكا ومن ثم فهى أول ماتنقله أمريكا، في عصر العولمة الراهن، الى العالم الخارجى لدرجة أن أكد الخبراء الاقتصاديون معها أن أى دولة تفتح أسواقها وتبدأ بالأخذ باقتصاديات العرض والطلب وبأسلوب تحرير التجارة تتمثل أولى خطواتها في اتاحة السوق لمؤسسات الطعام السريع، السلاسل التى تتعدد اسماؤها بين مكدونالدز وتاكوبل وكنتاكى ودونتس وبرجركنج وما إليها. أصل الحكاية هكذا أصبحت وجبات الطعام السريع حقيقة من حقائق الحياة بكل ماينجم عن ذلك من ايجابيات وسلبيات لدرجة يقول معها المؤلف مايلى: في عقد الخمسينيات، أصبح الهامبرجر والبطاطس المحمرة (فرنش فرايز) هما جوهر وجبة الطعام الأمريكية بفضل الجهود الدعائية التى روجت لها سلاسل الغذاء السريع. وهاأنت اليوم ترى الفرد الأمريكى العادى يستهلك مايقارب 3 سندوتشات هامبرجر وأربعة أكياس من البطاطس المقلية كل أسبوع. ثم يعمد المؤلف الى وضع هذه الظاهرة التغذوية ضمن نسق التطور العام الذي طرأ على مجتمع أمريكا مع مرحلة ايزنهاور في مطالع الخمسينيات ومن ثم ارتفاع الدعوة الى استخدام التقنية في كل شئ، ومع ظهور أفكار ورسومات والت ديزنى ومخاطبتها لخيال الطفل ونضوجها الى حيث أصبحت عالما مكتملا يكاد يكون مكتفيا بذاته اسمه (ديزنى وورلد) أو (ديزنى لاند). ونحسب أن الأمر أعمق من ذلك وربما أبعد أجلا من عقد الخمسينيات، وحين نطالع صفحات الكتاب، نجد المؤلف وقد ربط بحق بين التطور الذي طرأ على صناعة السيارات والتطور الذي نشأت في اطاره صناعة الوجبات السريعة هو تطور بدأ بالسيارة فوصل الى سندوتش الهامبرجر كما قد نقول. وأصل الحكاية أن دخول السيارة حياة الناس في أمريكا جاء ليغير كثيرا من الأفكار والمفاهيم. زمان كان المثل الانجليزى يقول: بيت المرء هو قلعته وحصنه الحصين. ولكن جاء الوقت مع بدايات القرن العشرين ليشهد مثلا أمريكيا هذه المرة يقول: سيارتك هى قلعتك. نعم، سيارتك تستطيع أن تنام فيها. أن تأوى اليها ان تكون فيها على راحتك تأخذ حريتك وتستمتع بانطلاقتك مع انطلاقتها، لقد جاءت السيارة تكريسا للمذهب الفردى، بل الممعن في الفردية في أمريكا، البيت يعنى بحكم التعريف الأسرة واللمة والفريج والجماعة ولكن السيارة جاءت على عكس هذه المفاهيم كلها، انها تعنى الفرد المتوحد يركب وحده، ويقود وحده، وحين يريد أن يتناول طعامه فهو يأكل وحده داخل السيارة ومن فوق مقعد القيادة، وهنا استحدثت احتياجات لمطعم لا تجلس الى طاولته ولا تنتظر جري نوادله كى يخدموك ولا تضيع وقتك وجهدك في التدقيق والمفاضلة والاختيار بين أصناف المحمرات واشكال المشمرات التى يحتويها، كل منها مختلف الطعوم والمذاق والألوان، وبعد أن تنفق وقتا لا بأس به في انتظار تنفيذ طلباتك ثم في التهام ماجاءوك به، ثمة وقت آخر تنفقه بانتظار أن يأتوك بالفاتورة، وقد تراجعها وغالبا ماتكتشف خطأ في الحساب، وبعدها تدفع البقشيش، ونادرا ماتحوز اكرامياتك رضا الجرسون، أو بسمة عرفان، من السيدة أو الآنسة الجرسونة. الغذاء الطياري أين هذا كله من الاكتشاف الجديد الذي دخل حياة الامريكان مع الربع الثانى من القرن العشرين؟ مطاعم هى عبارة عن مطابخ ذات واجهة مزينة ملونة تبرز منها كوة أو نافذة صغيرة يسلمون منها الطعام الى قادة السيارات، بعد أن يختاروا مايطلبون من ضمن قائمة معلقة على لافتة ذات أسعار محددة مسبقا والأصناف محدودة بدورها والوجبة جاهزة على مجرد التسخين، ثم التسليم، وبعدها تنطلق السيارة، بغير بقشيش ولا من يحزنون بل انهم في هذه الحالة يفرحون كثيرا، هكذا جاءت ثقافة السيارة لتؤثر بعمق شديد على ثقافة الطعام السريع، أو الغذاء الطياري. أكثر من هذا: سبق لثقافة صناعة السيارات أن أحدثت تأثيرا عميقا بدوره على صناعة الوجبات السريعة، هذا التأثير يمكن أن تلخصه عبارة مهمة واحدة هى: خط التجميع، يرجع الفضل الى هنرى فورد، رائد صناعة السيارات الى اكتشاف هذا الأسلوب في انتاج السيارة بالجملة، وكان ذلك في مطالع القرن العشرين. والذي حدث أن مؤسسى مطاعم الوجبات السريعة عمدوا الى تقليد خط تجميع السيارة فكان أن اتبعوا أسلوبا يمكن أن نسميه «خط تجميع السندوتش»: بمعنى تقسيم العمل وفصل العمليات، الخبز بوزن وحجم محدد، واللحم بنوعية محددة والسلاطة ومواد الطعم والمذاق المضافة، كل منها يتم تجهيزه وتسييره ضمن خط انتاج منفصل، وبعد ذلك تتلاقى الخطوط معا عند مخرجات العملية ومعها يلتقى خط البطاطس المحمرة وخط المشروب ومن ثم الى الخط الأمامى الذي يتعامل مع ا لزبون ومنه الى أهم نقطة في عملية الانتاج، وهى نقطة «الكاشير» حيث يتم الدفع نقدا وعدا وبذلك تنتهى العملية. وليس لنا أن نستهين بجانب هذا الدفع النقدى مقابل منتوجات الوجبات السريعة. لقد نجم عن هذا التعامل بالنقد الجاهز (كاش) ظاهرة اجرامية تعرفها الولايات المتحدة. أن معظم معاملات البيع والشراء هناك تتم، كما هو معروف بواسطة بطاقات الائتمان أو بالشيكات الورقية المسحوبة على البنوك. لكن حضرات اللصوص الأمريكيين يعرفون مقدما أن كل منفذ لبيع الوجبات السريعات يشمل خزينة تحتوى بدورها على آلاف من المبالغ النقدية، الجاهزة للاستيلاء عليها بواسطة الهجامين والخطافين مما أدى الى ارتفاع معدلات الاصابة التى تلحق بالعاملين في تلك المنافذ، وقوامهم كما اسلفنا من المراهقين الذين يلتحقون بها بصورة عرضية إما للحصول على مصروف أكثر للجيب أو لاستكمال مصاريف الدراسة الباهظة في التعليم العالى. وتدل الاحصاءات على أن عدد الاصابات اثناء العمل تبلغ 200 ألف اصابة سنويا سواء كانت حوادث انزلاق أو سقوط أو حروق، لكن الأخطر هو مانجم عن حوادث سرقة تلك المحلات من تعرض عمالها الشباب للقتل حيث تدل الاحصاءات كما يذكر المؤلف (ص83) على أن كل شهر يشهد مصرع واحد من كل أربعة عمال في محال الوجبات السريعة. صحيح أن المبالغ النقدية موجودة أيضا في محطات البنزين أو في المصارف أو محطات القطارات، لكن الصحيح أن هذه المواقع عمدت الى تدريب موظفيها على حسن مواجهة تلك المواقف المحفوفة بالخطر، ومنها ما زودهم بسترات واقية من الرصاص، اضافة الى حمايتهم بانشاء حواجز زجاجية محصنة ضد الطلقات يجلسون خلفها لخدمة العملاء ولكون الحال تختلف في مطاعم الأكل السريع حيث الاتصال لابد وأن يظل مباشرا، انسانيا وجها لوجه بين العامل والزبون، فمابالك اذا كان الزبون الأمثل والأهم هو الطفل أو الطفلة، ومابالك وأحوال العمل في تلك المطاعم والمنافذ تشهد تبدلات في موظفيها وعمالها الذين يتغيرون بمعدل أربعة أشهر فقط لا غير. تلك نظرة شاملة القيناها مع مؤلف هذا الكتاب على الموضوع الذي ندب نفسه للتحقيق فيه. بعد هذه النظرة الأولية، يبدأ المؤلف القصة من خيوطها الأولى، من الآباء المؤسسين لصناعة الوجبات السريعة.