اتت نيران الحرائق على ما مساحته 05.9334 هكتارا من غابات لبنان وذلك خلال الاعوام الخمسة الماضية (1996 ـ 2000) نتيجة اندلاع سبعمئة وستة وثلاثين حريقا، نصفها على الاقل، ان لم يكن ثلاثة ارباعها، مفتعل. وفي كل «طوفان ناري» ترتفع الاصوات ناعية «ثروة لبنان الحرجية» ومستنكرة إهمال اعتماد وسائل جدية وشراء آليات حديثة تعين المواطنين وأجهزة الدفاع المدني والاطفائية وعناصر الجيش اللبناني في إخماد الحرائق. وإذا كان «الاخضر» اي الغطاء الحرجي يمتد على ما نسبته سبعة عشر في المئة من المساحة الاجمالية للبنان منذ ما يقارب عشرين عاما، فإن نسبة الاحراج لا تتجاوز اليوم، وفي قمة التفاؤل الخمسة في المئة، اذا لم نقل ثلاثة في المئة، وعلى الرغم من الفارق الكبير ما بين النسبة الحالية والعشرين في المئة الضرورية للتوازن البيئي والطبيعي، الا ان جهود الدولة لم تزل في مكانها فيما يخص وضع حلول جذرية لهذه المشكلة. ونظرا لطبيعة لبنان الجغرافية، فإن «الوسائل البدائية المعتمدة في إخماد الحرائق، تعجز في معظم الاحيان عن وضع حد للكارثة قبل تفاقمها وخصوصا في الاودية والمنحدرات وفي الاماكن التي لا تصل إليها الخراطيم وسيارات الاطفاء. وإمعانا في اهمال حماية الغابات والاشجار، اصبحت مهنة ناطور الاحراج، إن وجدت، مجرد فولكلور، وبات دور الناطور، كدور اي موظف دولة لا يصل راتبه الى الحد الادنى للأجور فلا يحضر ولا يناوب ولا يقوم بعمله، لا سيما ان بعض النواطير لا يملكون وسائل تمكنهم من ابلاغ المعنيين بالسرعة المطلوبة بوجود الحريق قبل انتشاره واتساع رقعته. وهكذا استفحلت الحرائق المفتعلة بغية توسيع الممتلكات والاراضي الزراعية او الاتجار بالفحم والاخشاب او الإضرار بشخص ما، بالاضافة الى العوامل الطبيعية الناتجة عن ارتفاع حرارة الطقس، او انتقال الحريق الى الغابة من منطقة قريبة منها تم فيها احراق مكب للنفايات أو مزروعات يابسة أو بفعل حرائق الصيد او مواقد المتنزهين. وبما ان موازنة وزارة الزراعة لا تتجاوز وفي احسن الاوقات 6.0 في المئة من الموازنة العامة (اي ما قيمته 1.60 مليارا من اصل تسعة آلاف و975 مليار ليرة لبنانية)، فإن الحديث عن ضرورة شراء طائرات صهاريج ومنذ ان اثارت الامر «لجنة مكافحة الحرائق» في العام 1983 وتجددت المطالبة به بعد حلول «السلم الاهلي» ذاهب ويذهب ادراج الرياح، حتى بعد قدوم طائرة «كنادير» واستعراضها في لبنان في محاولة لاجتذاب المسئولين اللبنانيين ودفعهم لشرائها، الا انه يبدو ان من الصعب «إغراء» المعنيين في لبنان وخصوصا عندما يتعلق الأمر بحل مشكلة بيئية وصحية أساسية. واليوم تفيد مصادر في وزارة الزراعة بأن من المستبعد شراء طائرة «كنادير» نظرا لسعرها المرتفع (30 مليون دولار وبعضهم يقول 20 مليونا) ولحاجتها الى ثمانية ملايين دولار للصيانة سنويا مشيرة الى امكانية المطالبة بطائرات مروحية تدخل الى المنحدرات وبسعر اقل من «الكنادير» كما يمكن استعمالها لرش المبيدات للقضاء على دودة الصندل وغيرها من الآفات الزراعية. لدى مجلس الوزراء خطة متكاملة لمواجهة حرائق الغابات ولا تحتاج سوى للإقرار وللتمويل والتجهيز والتنفيذ وخصوصا للوعي بأهمية المخاطر التي تتهددنا نتيجة اهمالنا لثروتنا الحرجية. في معظم الدول خط اتصال ما بين مصلحة الارصاد الجوية وبين الاجهزة المعنية بإخماد الحرائق، فتزودها الاولى بإمكانية اندلاع الحرائق في بعض المناطق نظرا لارتفاع درجات الحرارة فيها. طبعا ليس لدينا هذه الخدمة، وعلى الرغم من «جهوزية» عناصر الدفاع المدني والاطفائية الا ان حرائق غاباتنا تقضي سنويا على ملايين الاشجار من دون ان تكون الاجهزة المتوافرة لدينا قادرة على مكافحتها والوصول إليها، كما انه مع عدم تجهيز الغابات بصهاريج للمياه يصبح من الصعب اخماد الحرائق ما دامت سيارة الاطفاء مرغمة على ترك المكان للتزود بالمياه في كل مرة تستهلك فيها خزانها.