جولد شتاين قدوة لشباب اسرائيل ، نطاق الدمار في الحرب المقبلة سيكون هائلاً على نحو لم تعرفه المنطقة نشرت صحيفة «هآرتس» في الرابع عشر من نوفمبر 1996 اقتباساً من تصريحات للحاخام اليتسور سيجال من المدرسة الدينية (الفكرة اليهودية) في إحدى المستوطنات يقول فيها: «مباح تنفيذ عملية تؤدي إلى الموت، على غرار الطريقة التي عمل بها الدكتور باروخ جولدشتاين في الخليل على أساس التضحية بالنفس» وقد نشرت أقواله في مجلة المعهد الديني «أبناء الأنبياء» وتم توزيعها مؤخراً في القدس. وللحاخام سيجال أقوال كثيرة في هذه المقالة منها الدعوة للتضحية بالنفس لأجل شعب إسرائيل، ويعتقد هذا الحاخام بأن الانتحار حرام لكنه «في الحروب لا يعد انتحاراً" وفي كل حرب يتوجب القيام بعمليات تؤدي إلى مقتل صاحبها وهي ضرورية لأغراض الحرب مستشهداً بقيام شمشون بهدم المعبد على مَنْ فيه وعلى الفلسطينيين، وكذلك اليعازر المكابي الذي طعن الفيل ببطنه فسقط عليه الفيل وقتله، والذين يقومون بهذه الأفعال هم أبطال - والحديث للحاخام سيجال. اللاءات الإسرائيلية قتل الفلسطينيين إذن أو قتل غير اليهود لا يعتبر قتلاً، وقتل العرب لا شك بأنه ليس محسوباً، أما موت اليهودي فمباح فقط عندما يفعل ذلك لأجل إسرائيل، هذا ما استنتجه من حديث سيجال وإن كان لم يقله بوضوح. ومعنى عبارة "لأجل إسرائيل" هي التمسك بأرض إسرائيل وعدم تسليم أجزاء منها وهذا سبب كافٍ لكي تَقتُل وتُقتَل. يقول رئيس بلدية كريات أربع تسفي كاتسوفير بأن محاولة إخلاء موقع استيطاني في الخليل معناه إعلان الحرب على المستوطنين، وهو يأمل بألا يصل الأمر إلى المطالبة بذلك بحجة صعوبة حماية اليهود بعد وقوع حادث اعتداء على العرب، كما كانت حادثة جولدشتاين، وستكون هناك صعوبة في مقابل ذلك بحماية السكان العرب داخل الأراضي اليهودية بعد اعتداءات على اليهود مثلما هي حال عشرات العائلات العربية التي تسكن بين كريات أربع وتلة الكرنتينا أو العائلات الوحيدة التي لا تزال تسكن وسط منطقة جوش عتسيون، وعندما يجري الحديث من قبل الحكومة الاسرائيلية عن إمكانية إصدار أوامر للجيش بإخلاء المستوطنين من الخليل يقوم مجلس مستوطنات الضفة والقطاع بالعمل على إعاقة عملية الإخلاء وذلك بتنظيم تجمعات كبيرة من مستوطنات المنطقة وبعض المؤسسات والمدارس الدينية. ورابطة الحاخاميين لأجل شعب إسرائيل وأرض إسرائيل هي الأخرى تعمل على عقد اجتماعات متواصلة لمناقشة سبل الصراع والاحتجاج ضد نوايا الحكومة إخلاء المستوطنات كما تعمل على تعزيز وتكثيف الاستيطان اليهودي في الخليل. أما وزير الخارجية آنذاك «ارييل شارون» فهو يقترح استكمال مفاوضات التسوية الدائمة بين إسرائيل والفلسطينيين بعد عشرين عاماً فقط ويمكن للطرفين خلال هذا الوقت العمل على تعميق العلاقات بينهما وحل الخلافات كما يقترح على الفلسطينيين إدارة شئونهم الداخلية بشكل مطلق من خلال التعاون الوثيق مع الإسرائيليين في المجالات الاقتصادية. لكني أعتقد بأن لدى الفلسطينيين قوة إرادة في الانفصال عنا تفوق إرادتنا في التمسك بهم. وتكتب الصحف الإسرائيلية من خلال قراءتها للوضع السياسي أن الأمر ليس في قيام دولة فلسطينية ولكن متى ستقوم وفي أية ظروف وأن إسرائيل لا تريد الدخول في ورطة كهذه، وإلى أن تقوم هذه الدولة يجب أن تكون هناك مباحثات ومناقشات لتهيئة علاقات سلام وتعاون مشترك بين الدولتين منذ البداية. والتعاون الذي أتحدث عنه ينطوي على تفاهم سياسي واتفاقيات سياسية وأمنية واقتصادية والدولة المستقلة لا تخضع للتهديد المتمثل بالاحتلال. والهدف من اتفاقات أوسلو هو بناء تسوية تمنح كل طرف ما يريده : دولة للفلسطينيين وأمن واندماج إقليمي مع إسرائيل، وهذا كله يأتي في مقالات الصحف لكن اللاءات لا تزال قائمة. وكل المرشحين في انتخابات 1999 تمسكوا بها وكأنهم ملزمون بذلك، فكيف يمكن تحقيق السلام من دون التنازل عنها ودون التخلي عن الاحتلال. يهوشفاط هركابي -الجنرال السابق ورجل حركة مباي يقول :«ان احتلال القدس أهون من معرفة لمن نعيدها» وأنا أقول في المقابل ان احتلال الضفة الغربية والاستيطان فيها أصعب وأخطر من الحياة بسلام مع جيراننا، فعند توقف الاحتلال سيتعامل معنا العالم بانفتاح ويعيد علاقات اقتصادية كانت قد انهارت مع انهيار مفاوضات السلام، فلماذا لا يقوم زعيم من المتنافسين على رئاسة الحكومة الاسرائيلية (1999) بالتفكير بصوت عالٍ إزاء سكان القدس الشرقية أليست إعادة المدينة هو الحل الأفضل لمن يتحدث عن فصل كامل بيننا وبين الفلسطينيين؟ أم أنه يعتقد بأن الضغوط التي تفرضها إسرائيل على سكان القدس العرب ستدفعهم إلى تركها أو ربما يطردونهم بالأوامر والقوانين، أو أن المطلوب بقاء عدد قليل من الناس لا يشكلون أية مشكلة ومن ثم يتم التعامل معهم كمرض عضال. يبدو من ذلك كله بأن المرشحين لرئاسة الحكومة يعتقدون بأن الأرض أرضنا نحن فقط وأننا من أجل السلام سنتنازل عما هو حق لنا ولأبنائنا. والظاهر أنهم ليسوا وحدهم الذين يفكرون على هذا النحو فعنزاريا الون مثلاً يوافق على إعادة التقسيم ومع حقيقة عدم السيطرة على جميع أنحاء البلاد لكنه لن ينظر يوماً إلى المناطق عبر الحدود على أنها أرض أجنبية، إذ أنه سيظل يعتبر الأماكن التي سنخرج منها جزءاً من أرض إسرائيل. واللاءات تمت صياغتها على شكل فرائض لا يمكن الخروج عنها ـ طاولة جاهزة وقواعد دين ـ فإذا لم يتصرف المرء وفق فرائض الدين ولا يحافظ على اللاءات فلن يكون بمقدوره الحصول على وظيفة تسمح له بالتمرد. ولاء الجولان هي الأقل تعقيداً بالقياس للاءات الأخرى، لأن الأمر فيها مكشوف، فكثير من الإسرائيليين يدركون في قرارة أنفسهم على الأقل بأن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل لن تجري على قاعدة "سلام مقابل سلام" كما أننا لا نستطيع فرض الاحتلال في هذه الحالة كمعادلة، لأنه إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نواصل الاحتلال؟ لماذا لا نقوم بإبعاد الحدود عن المناطق الشمالية؟ وأين نهاية الاحتلال وأين بداية السلام؟ فالسوريون كما قالوا لنا يعرقلون السلام لأنهم يرفضون «السلام مقابل السلام" ويمكن بعث الخوف في نفوس الإسرائيليين بأقوال مثل "الأسد سوف يغسل رجليه في مياه بحيرة طبريا». مع أن الهجوم على إسرائيل لا يحتاج الاقتراب إليها بهذه الدرجة، إذ يمكن مهاجمتها بصواريخ مختلفة الأنواع وهذا أخطر علينا دوماً من الالتحام العسكري البري، سنرد الصاع صاعين ويعيدون لنا الكرة وسيكون من الصعب في هذه الحالة إحصاء الإصابات، والناس البسطاء الذين يؤمنون بسذاجة ويصدقون أقوال المرشحين لرئاسة الحكومة هم المتضررون، كما أن حجم الدمار والخراب سيكون ضخماً على نحو لم نعهده من قبل. والمستوطنون في الجولان يدركون بالطبع أنهم الحدود التي ستؤدي إلى علاقة مع السوريين كما ستكون بحيرة طبريا عند انسحابنا من الجولان، كما أنه في جميع الأحوال سيظل حد التماس حتى لو حركناه باتجاه ضواحي دمشق. وعلاقات السلام الحقيقية هي الأمر الوحيد الكفيل بإزالة مخاوفنا من السوريين أو تبديد مخاوفهم منا. وهذه العلاقات ستكون أفضل من أية منطقة منزوعة السلاح أو خاضعة لترتيبات أمنيّة ـ مع أنني لا أعارض ذلك لفترة معقولة ـ وأعتقد أننا في حال إعادة الجولان أو الإعلان عن انسحابنا منها عند إحلال السلام وضمان حياتنا، كما حدث في حينه مع مصر فإن الاتصالات بيننا وبين السوريين ستبدأ والعلاقات ستنشأ. ولكن السلام مع مصر أيضاً لن يمنحنا الأمن طيلة الحياة إذا لم نتوصل إلى اتفاق وتسوية مع الفلسطينيين، عندما يعلن الفلسطينيون عن قيام دولتهم بدون اتفاق معنا فإن العالم كله وربما «ميكرونيزيا» ستعترف بها اعترافاً كاملاً. العجرفة لن تجدي لن تجدي عجرفة وغرور نتانياهو وقوى اليمين وعرفات لن يجلب لنفسه الكارثة بإعلان الدولة من طرف واحد لأننا لا نوافق على فعاليات من جانب واحد ولن نسمح لهم بالوجود، وإذا لم نتوصل لاتفاق مع الفلسطينيين فإن الكرة الأرضية ستظل تدور ولن تتوقف، كما أننا سنجد أنفسنا في مواجهة مع جميع جيراننا بما في ذلك مصر، ومع العالم كله، وعندها سنفقد الأمل الوحيد في العيش بأمان: أي سلام مع جيران ليسوا أعداء لنا. ومع أننا نتصرف وفق وحي والهام من التوراة واستناداً إلى وعد الهي بأن الأرض أُعطيت لآبائنا وذريتهم فإن أي زعيم أو حاخام لم يستطع إصدار أمر للشمس بالتوقف، والأجرام السماوية لن تأتي بالبشرى. أما اللاء الأكثر تعقيداً فهي (حق العودة) ومن الصعب الوصول إلى نتيجة فيه ولكن يمكن القول بأن جوهر المفاوضات قادر على الخوض فيها وصولاً إلى حل ـ في حال تغلب الزعماء على غريزة اللاء لديهم. الشيء المشترك لقد تحدثت عن الفقرة الغريبة الواردة في بداية وثيقة الاستقلال والتي تقول «بعد تهجير شعب إسرائيل عن أرضه بقوة الذراع ظل وفياً لها في جميع البلاد ولم يتوقف عن أداء الصلوات والأمل في العودة إلى وطنه وإعادة وتجديد حريته السياسية». كما ذكرت عن خراب الهيكل الثاني حيث يرد في «الموسوعة العبرية» بأن الرومان قد اخذوا سبعمائة رجل من البلاد لمسيرات النصر والألعاب التي كان يتقاتل ويتصارع فيها الأسرى مع بعضهم البعض بهدف توفير المتعة للمشاهدين. فما هي الرابطة بين هذا كله والتهجير أو الطرد بقوة الذراع، وهل ملايين اليهود في العالم هم ذرية هؤلاء السبعمائة رجل، وربما هاجر اليهود في فترات أخرى طويلة لأسباب مختلفة، ربما لأن البلاد تأكل مواطنيها. وربما توجهوا إلى مراع أكثر خصوبة؟. هناك شيء واحد مشترك لجميع اليهود في العالم الذين يتحدثون بسبعين لغة وهو شمولهم بقانون العودة أو بعبارة أخرى: يحق لجميع اليهود المجيء والاستيطان في إسرائيل والحصول على المواطنة فيها فوراً لأن الأرض ملكهم بناء للوعد الإلهي، فالمولود اليهودي تظهر عليه علامة ميثاق أو حلف مع خالقِه وربه. ومن الصعب جداً اختبار وتطبيق الحق وتطبيقه دون النظر إلى خطأ قيامه، فأولئك الذين لم يطردوا من البلاد عادوا إليها ولم يروا انها مسكونة. هذا في الواقع هو جوهر الصراع اليهودي العربي. أي أن الحروب ليست هي النزاع وإنما جوهر النزاع أدى إلى الحروب. وبعد حروب كثيرة حدثت أمور كالتوازن الذي انقلب بين أقلية يهودية وأغلبية عربية، وأدعى بن جوريون «أن الصراخ والبكاء على اللاجئين هو أحد الأكاذيب الكبرى، لقد هرب مائتا ألف عربي من البلاد قبل قيام الدولة، بناء على أوامر من المفتي، ودولة إسرائيل لم تطرد عربياً واحداً بل استوعبت أربعين ألف هارب (زاكي شالوم، دافيد بن جوريون والعالم العربي 1949 - 1956 ص 266)، هذا الإدعاء سهل جداً لبعيدي النظر الذين أدركوا ان مشكلة اللاجئين وإعادتهم سوف تتم مناقشتها ذات يوم، فهم لم يُطردوا وإنما هربوا، وهم ليسوا مليوناً ولا نصف مليون ولا أي رقم آخر، فهم فقط مائة وستون ألف عربي فقط، مثل الصرخة بالطبع، ولكن إذا لم يتم طرد اليهود وإنما هم غادروا فلماذا يحق لهم العودة؟ الأمر ليس سراً وفيما يتعلق بطرد العرب ومنعهم من العودة، قرأت في حوالي اثني عشر كتاباً قصة الوقائع والحقائق كما يوردها كتابها، إذ يكتب عاموس كينان في كتابه «سوسنة أريحا»: «اللد مثلاً لم نحتلها أبداً، لقد هرب سكانها بكل بساطة والذي لم يرغب بالهرب أو لم ينجح في ذلك يعلم جيداً عم أتحدث، وبعد مدة من الزمن تجول دايان على رأس قافلة من سيارات الجيب داخل شوارع اللد ومنها أطلق الجنود النار بدون تمييز صوب كل اتجاه. فأدى الأمر إلى تحطم زجاج هنا وإصابة دجاجة هناك. لم يقم أحد حتى اليوم بإحصاء عدد الدجاجات والبقرات والحيوانات الأخرى التي قتلت أثناء الحرب، اللد لا تزال غير محتلة فالمدينة كانت خالية فلم يكن هناك ما يمكن احتلاله، وجدنا هناك أرغفة خبز ساخنة وبقايا وجبة لجنود الفيلق العربي الأردني، وبعد فترة من الزمن تم رفع حظر التجول والذي بقي حياً في اللد نقل إلى المعتقلات وبعد مدة فتحت المعتقلات وسار الذين كانوا بداخلها على الأقدام من اللد حتى عمان» (ص 207 ـ ص 209). ومن الصعب علي قراءة ما كتبه كينان وكذلك قصيدة ناتان آلترمان التي تقول: أن المدينة كانت خالية. ربما وجدت خالية بعد قتل سكانها أو طردهم، فالقصيدة لا تتحدث عن قتل دجاج وإنما عن دم شيخ غطى الحائط وشاب جريء شجاع يجرب رشاشه، وتقول القصيدة أيضاً: «هذا تصوير من معارك الحرية أيها الأعزاء، هناك من هو أشد بسالة، ليس الأمر سراً، معاركنا بحاجة إلى تعابير وقصائد، لقد طلب بن جوريون من ألترمان طباعة القصيدة وتوزيعها على الجنود. لم تكتب صحيفة واحدة عما جرى في اللد ولكن كان بالإمكان معرفة أن الذي جرى هو شيء فظيع. وكتب جاي ايرليخ في جريدة «المدينة» في السادس من مايو 1992 وبعد أربعة وأربعين عاماً على احتلال اللد: «بعد استسلام مدينة اللد تحصنت مجموعة صغيرة من المقاتلين العرب المعاندين في مسجد دهمش الصغير. فأصدر قائد كتيبة البالماخ الثالثة أوامره بإطلاق عدة قذائف باتجاه المسجد. والقوة التي اقتحمت المسجد فوجئت بغياب المقاومة. فعلى حيطان المسجد وجدت بقايا المقاتلين العرب ـ مجموعة من عشرين حتى خمسين من سكان المدينة تم إحضارهم لتنظيف المسجد ودفن البقايا وعند انتهاء مهمتهم أطلقت النيران عليهم داخل الآبار والحفر التي حفروها بأيديهم». الفرصة التاريخية الكبرى بعد أن علم الوزير أهرون تسيزلينج بالفظائع التي حدثت في اللد قال :"بعد ما قرأت الرسالة التي تلقيتها لم استطع النوم طيلة الليل. لقد أحسست بأن الذي حدث يمس بروحي وبروح منزلي وبأرواح الجميع هنا، لقد حدثت أمور قام بها وارتكبها يهود، إنها أعمال نازية وإنني بكل كياني مصدوم ومذهول من هول هذا الأمر. أعضاء في حزب ماباي لم يدركوا معنى عملية الطرد الكبرى أو ما سمي «بالفرصة التاريخية الكبرى» وحاول بعضهم مناقشة الأمر حسب ما تسميه كل دولة متقدمة «جرائم حرب خطيرة» ولكن تم فرض التزام الصمت عليهم والمثقفون المفكرون تعاونوا معهم بصمتهم وذلك كله لخلق سياق تفكير يقول أن العرب هربوا وبما أنهم قد هربوا فلماذا يعودون؟ كتب يستحاق ليئور بلسان ممزق في صحيفة «هاآرتس» 19 سبتمبر 1994 يقول «إن اليد التي طردت سكان اللد والرملة ـ يمكن قراءة أحداث الطرد في كتاب ميلاد مشكلة اللاجئين 1947 ـ 1949 بيني موريس ـ هي اليد التي وزعت قصيدة الترمان على الجنود، ربما ليعتقد الجمهور بأن اليد التي وزعتها لا يمكن أن تكون قد بادرت إلى هذه الفظائع أو وافقت عليها». أما الذين حاولوا العودة إلى بيوتهم بعد طردهم منها أو هدمها فإن الحكم عليهم صادر ومفروغ منه، فهم متسللون. من جهة أخرى فإن الكتب الرسمية عن «حرب التحرير» لا تتحدث عن طرد عرب اللد والرملة. أكنان أورين في كتابه "في الطريق إلى المدينة" لا يذكر الطرد، والأمر كذلك في كتب كثيرة، أما عاموس كينان فيكرس فصلاً كاملاً (ص 217 ـ ص 220) لموضوع «لمن الحق في البلاد؟ ولا أعتقد بوجود مثل هذا الحق، فالملكية في كل بلد وأرض لجميع مواطنيها، وربما يتوجب صياغة هذه الملكية بشكل موسع، أي أن تكون ملك كل من يعيش فيها. «في كتاب بن جوريون وعرب أرض إسرائيل» ورد في صفحة 18 ما يلي: «للعرب حق كامل في أرض إسرائيل، من منطلق الاعتراف بأن الحق الوحيد الذي يمنح أرضاً لشعب بحق وإلى الأبد هو حق العمل. وقد حدث هذا بنفس المستوى الذي حدث مع الصهاينة". وهذا تعريف منطقي للملكية ما عدا كلمة (إلى الأبد) ففي حالة مغادرة العرب للبلاد برغبتهم والعمل في أرض أخرى فهل ستكون ملكهم يا ترى؟ ولماذا يحق لليهود العودة إلى البلاد بعد أن تركوها لأزمان طويلة ولا يكون للعرب مثل هذا الحق مع أنهم طردوا أو هربوا من فظائع الحرب والجرائم؟ وأريد التوقف عند مسألة «لمن الحق في هذه البلاد»، ففي بداية القرن كان هناك أكثر من مليون عربي وأقل من ستين ألف يهودي، ولو ظل الوضع على حاله ولم يتجاهل الصهاينة من قام بفلاحة الأرض فلربما كان بالإمكان تطور الأوضاع لفائدة الشريحتين السكانيتين ولما كان هناك نزاع. لكن الذي قامت به القيادة الصهيونية هو عكس ذلك، فقد استقدمت عمالاً من اليمن ليحلوا محل العامل العربي وتحت شعار «العمل العبري» أي طرد العمل العربي، ومن المحتمل أن يكون جلب اليهود من العراق والمغرب قد تم للأغراض ذاتها. ولم يتأخر النزاع بين الطرفين وذلك ليس لأن العرب بطبيعتهم عدوانيون ولكن لأنهم خافوا على أراضيهم ولم يتم شراء الأراضي من أرباب العمل بل من أصحابها «الأفندية» الذين ازداد شأنهم، أما عمال الأرض فقد ظلوا بلا أرزاق. فكان الخوف والغضب موجهاً ضد الذين اشتروا الأراضي. وتحول النزاع العنيف إلى حرب وعداء، ونتائج الحروب دائماً متشابهة: الكثير من القتلى والجرحى والمعاقين والأسر المدمرة ولا سلام. والتوازن السكاني تغير بسرعة غريبة فصارت الأغلبية لليهود والكثير الكثير من العرب قتلوا أو طردوا، لا أستطيع تقدير عدد الذين طردوا ولكن مصادر مختلفة تقول أنه يصل إلى مئات الألوف أو مليون وأكثر، ومازال الكثير من هؤلاء المطرودين يسكنون في مخيمات اللاجئين حتى اليوم. والغبي والأعمى فقط هو الذي يرمي مسئولية تأهيل هؤلاء على عاتق الدول العربية لأنهم عرب. ووجود اليهود في مساكن وأراضي هؤلاء اللاجئين زاد من ضراوة العداء. لقد مَرَّ جيلان واليهود يعيشون في منازل المطرودين، والمطرودون يعيشون في مخيمات، وطوال هذه السنين تقاتل اليهود والعرب ووقعت الخسائر في الطرفين ولم تجر أية مفاوضات لفترة طويلة لا حيال حق العودة ولا في أي موضوع آخر.