الحكومات في الشرق الأوسط تتعامل مع المواطن باعتباره حيواناً فتلغي حقوقه السياسية، أما في الغرب فإن الشركات هي من يتعامل مع المواطن باعتباره حيواناً فتقدم له علف الماشية أو طعام القطط والكلاب. ونقرأ هذه الأرقام: في الولايات المتحدة يصاب سنوياً (76) مليون مواطن بالتسمم الغذائي، يدخل منهم 325 ألفاً المستشفيات للعلاج، ويخرج من بين هؤلاء (5) آلاف مواطن جثثاً هامدة. وفقاً لإحصائية رسمية صدرت مؤخراً عن المركز الفيدرالي لمنع والسيطرة على الحمّيات. وفي الولايات المتحدة أيضاً فإن (430) مليون شوال من الذرة المعدّة علفاً للحيوانات تسربت إلى مخازن الحبوب البشرية في خلال العام الماضي، وتحاول الشركة التي قامت بهندسة هذه الحبوب وراثياً معرفة أسباب هذا التسرب وكيفية سحبها من المخازن. أما في بريطانيا، ووفقاً لصحيفة «الصانداي تايمز» فإن آلاف الأطنان من الدجاج الفاسد أو المصنف باعتباره طعاماً للحيوانات، من قطط وكلاب وسواها، أخذ طريقه إلى السوبر ماركت وتم تداوله في المطاعم وفي المدارس وفي بيوت العجزة و المسنين، وعلى مدى السنوات الست الماضية. كيف يحدث هذا في دول متقدمة ومتطورة ولديها عشرات الآلاف من المختبرات ومراكز المراقبة والمفتشين؟ التفاصيل تثير الهلع بالتأكيد لأن القواعد التي تحكم «تبييض» الأموال غير الشرعية، وفي كل أنحاء العالم، هي القواعد نفسها التي تحكم تبييض الطعام الفاسد أو الغذاء الحيواني لينتهي على موائد البشر. العبوة أمريكية والعصير مكسيكي في الولايات المتحدة كان الطفل تايلور هولت، وعمره سبع سنوات، قد أنهى عاماً في المستشفى وهو يعالج من داء السرطان، وعاد إلى المنزل كي يحتفل مع أهله وأصدقائه بعيد ميلاده. تايلور تناول قطعة من التورتة المجبولة بعصير البرتقال، وبعد ساعات أعيد إلى المستشفى، إثر إصابته بالتسمم، وأمضى فيها أربعة أيام من العلاج. وكما تبيّن فيما بعد، فإن عصير البرتقال كان ملوثاً بالسالمونيلا، كما أنه تم حفظه في ثلج ملوث بالبكتريا، أما كيف أخذ طريقه إلى الأسواق، فيشير تقرير نشرته جريدة «هيرالد تريبيون» الدولية إلى ان الشركة الأمريكية الكبرى الصانعة للعصير لم تستطع الاستجابة لكثافة الطلب على منتوجاتها الشهيرة، فقامت باستيراد صهريج من العصير من البلد المجاور المكسيك، وقامت بإعادة تعبئة حمولة الصهريج من العصير في العلب الخاصة بها والتي تحمل علامتها التجارية، وكانت النتيجة أن (400) شخص أصيبوا بالتسمم، بينهم رجل كهل توفي في المستشفى أثناء العلاج. الفواكه والخضروات مستودعات سامة وتبييض العصير هو حلقة فحسب في سلسلة تشمل الحبوب والفواكه والخضروات، وهو ما يثير الهلع فعلاً لأن الاعتقاد السائد لدى الأمريكيين، كما سواهم من الشعوب، هو أن الفواكه والخضروات بالذات تأتي في رأس قائمة الطعام الصحي، خاصة إذا تم أكلها طازجة، ولكن تقرير مركز منع الحميّات الأمريكي يقترح العكس تماماً، أي طبخ الخضروات، وغلي الفواكه أو غسلها بمياه فاترة أو تقشيرها وعدم تناول الكثير منها لأن هذه الفواكه والخضروات، بعد أن تتناوب عليها الأسمدة الكيماوية لتجعلها تنمو بسرعة قياسية، والمبيدات الحشرية لتحافظ عليها، وتحميها فإنها تتحول، ونتيجة أخطاء بشرية أو تقنية إلى مستودعات للسموم (!). وتكتمل دائرة الذعر عندما يشير التقرير إلى أن الطعام البحري، من أصداف وقواقع وأسماك، بالإضافة إلى الأجبان تشارك الخضار والفواكه في إصابات التسمم. هل يمكن منع ذلك؟ مدير مركز العلوم في خدمة المجتمع، وهو أحد أجهزة المراقبة الشعبية يقول: «إن ما تحاوله مصلحة مراقبة الطعام هو إطفاء النار ولكن بعد اشتعالها»، وفي العام الماضي تم سحب (315) صنفاً من الأغذية من الأسواق بعد أن تبيّن أنها ملوثة، مع أن هذه الأصناف كانت قد حصلت على الإجازة الرسمية بصلاحيتها. شبكات التبييض إن تبييض الأغذية يعتمد على عمليات ربما كانت أشد تعقيداً من تبييض الأموال، وهو يعتمد على شركات تشكل واجهات برّاقة وشبكات تعمل في وضح النهار، كما حدث في بريطانيا عندما اجتاحها وباء جنون البقر قبل سنوات فاشتد الإقبال على تناول الدجاج، ولكن، وكما حدث مع شركة العصائر في أمريكا، فقد اشتد الطلب وفاق ما هو معروض، وعندئذ بدأت الاجتهادات السوداء ومن بينها أصحاب شركة لتعليب طعام القطط والكلاب، فقامت بجمع النفايات ومخلفات الدجاج وحتى الدجاج الملوّث من أماكن الذبح ومن المزارع، وبعد جمع هذه النفايات كانت تلقى في المرجل مع مياه شديدة الملوحة، ثم يتم عزل العظام عن اللحم، وبعدها كانت تخرج هذه النفايات على شكل بيرجر أو مقانق وسواها، وتأخذ طريقها إلى أفواه المستهلكين وامعائهم، ولعل نجاح شبكة تبييض مخلفات الدجاج وعلى مدى ستة أعوام في إطعام البشر طعام الكلاب يكشف عن مواهب واسعة في عالم شركات الأغذية واللحوم. وكانت شبكة أخرى تم اعتقال أعضائها العام الماضي نجحت في جني أرباح وصلت إلى (12) مليون جنيه استرليني من تبييض الدجاج الفاسد أو المخلفات، ولكنها كانت أقل حظاً من هذه الشبكة الأخيرة، إذ لم تتجاوز مدة نشاطها ثلاث سنوات، قبل اعتقال أعضائها. أين نصل من كل هذا، بل ماذا يصلنا من كل هذا؟ نقرأ البيانات الرسمية فنطمئن، و... نأكل (!).