كانت مفاجأة مدوية حقاً حادثة سقوط الولايات المتحدة في الانتخابات التي جرت الأسبوع الماضي لاختيار أعضاء اللجنة العالمية لحقوق الإنسان. كانت المفاجأة مدوية لأنها المرة الأولى التي تسقط فيها الولايات المتحدة في تلك الانتخابات وذلك منذ إنشاء الأمم المتحدة، وإنشاء اللجنة في أواسط الأربعينيات.، وكانت المفاجأة مدوية لأن حادثة السقوط لم تكن مدبرة من أي جهة فلم تكن ثمة «مؤامرة» وراء الموضوع وانما نتاجاً لتفاعلات طبيعية تمت تحت الأرض، أو وراء الحجب، وأدت إلى ذلك السقوط المزري. وكانت المفاجأة مدوية لأن الولايات المتحدة لم تتوقع قط أن تسقط في تلك الانتخابات، لا سيما بعد أن أجرى مندوبها بالمنظمة الدولية اتصالات محمومة للاستقطاب، وجلب الأصوات، وأخذوا وعوداً بالدعم من 40 دولة. ولكن لما كانت الانتخابات قد أجريت عن طريق التصويت السري، فقد آثرت بعض تلك الدول أن تتخلف عن التزاماتها بالتصويت للولايات المتحدة، والتصويت لصالح دول أخرى في المجموعة الغربية هي فرنسا، النمسا، والسويد، ففازت تلك الدول، حيث نالت فرنسا 52 صوتاً، والنمسا 41 صوتاً، والسويد 32، بينما لم تنل الولايات المتحدة إلا 21 صوتاً فقط، وفازت دول أخرى من دون منافسة هي السودان والبحرين وباكستان وكرواتيا وكوريا الجنوبية وأرمينيا بينما سقطت دول أخرى مع أمريكا هي: ايران وأذربيجان ولاتفيا. الكونجرس يتوعد وعلى إثر إعلان النتيجة أعلن المندوب الأمريكي السابق في اللجنة عن أسفه للخسارة، قائلاً إن أمريكا كانت تتمنى أن تتاح لها الفرصة للمشاركة بتلك اللجنة. وصرح أحد مسئولي الخارجية الأمريكية أن اللجنة لن تستطيع مباشرة عملها بكفاءة بدون مشاركة أمريكا بها. أما رد فعل الكونجرس فقد كان عنيفاً جداً، وللكونجرس رأي سلبي قديم بمنظمة الأمم المتحدة وقد انتهز المناسبة الأخيرة ليعيد تكرار الرأي السقيم، وقد كان أسرع أعضاء الكونجرس لإعادة اجترار ذلك الرأي النائب الجمهوري هنري هايد، رئيس لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب، الذي بادر بالقول ان اسقاط عضوية بلادنا بلجنة حقوق الإنسان يؤكد لنا مجدداً عقم وعدم جدوى بعض المنظمات الدولية. أما ديك آرمي زعيم الأغلبية بمجلس النواب فقد أعلن سخطه قائلاً إن الأمم المتحدة لم تزد على أن تطرد من تلك اللجنة أقدم ديمقراطيات العالم، وتضع في مكانها السودان، وهو أسوأ دولة في العالم انتهاكاً لحقوق الانسان! ودعا نواب آخرون استولى عليهم الغضب إلى اعادة النظر في دفع متأخرات الولايات المتحدة المستحقة للأمم المتحدة، وهي نحو 1.7 مليار دولار، كما دعا آخرون بصفة عاجلة إلى إيقاف القسط المقبل من تلك المتأخرات وهو مبلغ 650 مليون دولار تتضمنه ميزانية وزارة الخارجية الأمريكية 8.2 مليارات دولار وهي الميزانية التي ستخضع للنقاش في مجلس النواب خلال هذا الأسبوع، وحسبما قال النائب بنيامين جيلمان، فإن الاحتمال الأرجح هو أن يتخذ المجلس قراراً بوقف دفع ذلك القسط. وقد تمادى النائب جيلمان في التغالي عندما طلب ان تتجه واشنطن لمعاقبة كل الدول التي لم تصوت لصالح أمريكا في تلك الانتخابات، التي انجلت عن طردها من عضوية اللجنة، وقال إن ذلك الاتجاه يجد مساندة بعض أعضاء مجلس النواب الذين بحثوا ذلك الموضوع معه، وبالطبع فإن ذلك يقتضي أن تقوم الولايات المتحدة بالإخلال بمباديء الديمقراطية التي تكفل سرية الاقتراع، وتقوم بعملية تجسس أو تقص فوق العادة، لتعرف كيف صوتت كل دولة في تلك الانتخابات. أسباب الكارثة هكذا اندفع أعضاء الكونجرس في انفعالات صاخبة بعيدة عن الموضوعية والتعقل، وبعيدة عما يجب أن يقوموا به من بحث لاستجلاء أسباب الكارثة. أما من حاولوا أن يكبتوا غيظهم ويعملوا عقولهم في التحليل فإنهم لم يذهبوا بعيداً في سبر أغوار الموضوع، واتفقت تحليلاتهم على إرجاع سبب الكارثة إلى غياب المندوب الأمريكي بالأمم المتحدة «لم يعين بعد!» عن نيويورك، وبالتالي فشل عملية الاستقطاب التي كان ينبغي أن يقودها هو، وفي ذلك التحليل إدانة واضحة لحكومة بوش التي لم تستعجل التعيين، ولكن في استبطان ذلك الأمر فإن فيه إدانة للكونجرس نفسه، لأن بوش أعلن تسمية جون نيجربوتون مندوباً لبلاده لبالأمم المتحدة، ولكن الكونجرس هو الذي تباطأ في عقد جلسات الاستماع اللازمة لإعلان الموافقة على ذلك التعيين، وهكذا كان ينبغي للكونجرس أن يتحمل قسطه من المسئولية إزاء ذلك التقصير. ذلك هو السبب الذي ركز عليه الناقمون من أعضاء الكونجرس والناقدون لإدارة بوش. ولكن هل كان ذلك هو السبب الوحيد، أو كان سبباً أساسياً! كلا.. فقد كانت هنالك أسباب كثيرة تضافرت وأدت في النهاية إلى ذلك السقوط الرهيب ومن تلك الأسباب ما كان واضحاً جداً، ولكن مشكلة الإدارة الأمريكية انها لم ترد أن تنظر اليه، دعك من ان تعترف به، أو تواجهه وهو السبب المتعلق باستغلال امريكا لشعار حقوق الإنسان لتحقيق مآربها السياسية في الضغط على الدول التي تختلف معها في توجهاتها الاستراتيجية. في الدورة الماضية لأعمال لجنة حقوق الانسان بذلت أمريكا كل جهدها، وبصورة استثنائية ومبتذلة حقاً لكي تصدر اللجنة إدانة وتقريعاً علنياً للصين بتهمة انتهاك حقوق الانسان.. وقد فشلت امريكا في استصدار ذلك القرار، حيث وقفت اكثر الدول بما فيها روسيا والهند وباكستان، وفرنسا ضد اصدار ذلك القرار، وقد كان ذلك نذيراً كافياً للولايات المتحدة لكي تقلع عن ذلك الاستخدام المرذول لشعار نبيل مقبول من قبل الجميع، ولكن أنّى لأمريكا أن ترتدع بمجرد النذير، فقد استمرأت استخدام ذلك الشعار لتدين به دولاً لا تعتدي على دول ولا على شعوب أخرى، وفي نفس الوقت تمنع بكل قوتها من أن تقوم بقية دول العالم باستخدام ذلك الشعار لإدانة اسرائيل وهي تقصف المدنيين على مشهد ومرأى من العالم أجمع! وفي خلال فترة قصيرة استفزت أمريكا معظم دول العالم برفضها للتوقيع على اتفاقية تحريم غرس الألغام البرية، وبرفضها للتوقيع على اتفاقية كيوتو لمكافحة التلوث البيئي العالمي، وبرفضها لإنشاء المحكمة العالمية لمجرمي الحرب، ورفض الكونجرس التجديد للاتفاقية القاضية بمنع إجراء التجارب النووية، ثم تجاسر إدارة بوش على إحياء البرنامج الأمريكي للدفاع الصاروخي. وكل تلك العوامل أسهمت بشكل أو آخر في تشكيل قناعة دولية بانتقائية أمريكا في استخدامها لشعار حقوق الإنسان. بعد الأوان وفي داخل لجنة حقوق الإنسان كان المندوبون الأمريكيون يعملون بكل قواهم لعرقلة أي قرارات تصادم مصالح الحكومة أو الشركات الأمريكية، مهما كانت مبدئية ومشروعية تلك القرارات، ومن ذلك وقوف المندوبين الأمريكيين ضد إصدار قرارات تدين تشغيل الأطفال بالمصانع التي تمتلكها وتديرها الشركات عابرة القارات ببعض الأقطار الآسيوية واللاتينية وكذلك وقوف المندوبين الأمريكيين موقفاً سلبياً تجاه مشروع قرار لإدانة عمليات اختطاف واحتجاز المدنيين الأبرياء أثناء الحروب. وبعد الأوان قام المندوب الأمريكي الأسبق بالأمم المتحدة وليام فاندين هيوفيل بالاعتراف بخطأ أمريكا اللامبدئي تجاه أمثال تلك المشاريع، وذلك في محاضرة له بمعهد روزفلت بنيويورك بقوله: على الولايات المتحدة أن تواجه الواقع بشجاعة وتعترف بأن أعداداً متزايدة من الدول أصبحت لا تخفي تضايقها من تناقض أعمالنا مع أقوالنا، ولا تخفي علينا علناً أنها غدت قليلة الثقة بنا. وفي واشنطن كان النائب الجمهوري كريستوفر سميث، يقف موقفاً شجاعاً يواجه به أعضاء الكتلة الجمهورية التي كانت تموج بالغيظ. وقد تحدث النائب سميث عن خبرة حية ماثلة اكتسبها مباشرة من الحقل، إذ كان بالإضافة إلى عمله كنائب لرئيس لجنة مجلس النواب للشئون العالمية يشارك في اجتماعات لجنة حقوق الإنسان بجنيف في الآونة الأخيرة، ممثلاً لإدارة بوش، هناك حيث رأى الواقع بعينين مفتوحتين، جمع كل الحقائق ليصرح بأنه الوحيد الذي لم يفاجأ بسقوط أمريكا في انتخابات تجديد العضوية بتلك اللجنة. وعزا عدم مفاجأته لرؤيته لتنامي مشاعر السخط بين مندوبي الدول الأوروبية على المواقف الأمريكية المتناقضة. وبنص تصريح النائب سميث فإن إسقاط عضوية أمريكا كانت انتقاماً عالمياً. وفي ذلك النص الصريح شجاعة غير معهودة في نقد الذات لدى نواب الكونجرس، ولكن ذلك سرعان ما اختلط بالهوى حيث دعا ذلك النائب لكي يقوم الكونجرس بتوجيه اللجنة العالمية لحقوق الإنسان، بطرد بعض أعضائها المنتخبين، لأنهم يسيئون لها ولمصداقيتها بانتهاكهم لحقوق الإنسان! ولم يحدثنا النائب ما هي سلطة الكونجرس على اللجنة الدولية لحقوق الإنسان، فهي تابعة للمجلس الاجتماعي والاقتصادي، الذي يتبع بدوره لمنظمة الأم المتحدة، ولكن ربما أراد النائب أن يقول: على الكونجرس أن يشترط ذلك على الأمم المتحدة لقاء تسديد التزاماته المالية لها، وهو قول غير سديد، لأنه استمرار للإملاء ودلالة على عدم استيعاب الدرس جيداً. لقد كان على أمريكا أن تقبل قرار إسقاط عضويتها لأنه إدانة دولية لها لتسييسها لشعار حقوق الإنسان لا سيما انها سبقت ان أدانت مجموعة الدول لتسيسها لمنظمة اليونسكو إثر ذلك انسحبت من تلك المنظمة. ويشار إلى ان الكونجرس سينظر هذا الأسبوع مشروع قرار بعودة أمريكا إلى اليونسكو وتسديد 670 مليون دولار لها. وذلك بعد أن فشلت المساعي الأمريكية لإجهاض مهامها وكسر شوكتها. اليونسكو وقفت ضد المحاولات الأمريكية لتسييسها أما لجنة حقوق الإنسان فقد كانت مسيسة بتسيير أمريكا لها، أما وقد انزاحت أمريكا عن نطاقها، ويمكن لها أن تبرأ من استغلال وتسييس ذلك الشعار النبيل.