عند الحديث عن العلاقة العربية الروسية ومن قبلها علاقة العرب بالاتحاد السوفييتي السابق لابد لنا أولاً أن نتذكر حقيقة جغرافية مهمة و هي أن الاتحاد السوفييتي السابق وروسيا لاحقاً هي القوة العظمى التي تكاد تتاخم الوطن العربي. ويرى بعض كبار الجغرافيين العرب أن مصالح الاتحاد السوفييتي السابق في العالم العربي كانت مصالح سلبية ويمكن تسميتها بأنها مصالح حرمان أي حرمان الغرب من المنطقة كقاعدة استراتيجية تهدده مباشرة وكمستودع لأهم سلعة استراتيجية في العالم وهي البترول. ولو عدنا إلى السياسة التي اتبعها الاتحاد السوفييتي السابق تجاه المنطقة لوجدنا أن هذه السياسة تحددت ملامحها بعيد اندلاع الحرب العالمية الثانية وبالتحديد بعد استسلام فرنسا في عام 1940 حيث اعتقدت دول المحور أن بريطانيا أيضاً في طريقها إلى الاستسلام مما حدا بها إلى عقد اتفاق فيما بينها يحدد نفوذ كل منها في أوروبا وآسيا وأفريقيا. وسعت ألمانيا النازية إلى توسيع الاتفاق ليشمل أيضاً الاتحاد السوفييتي، خاصة وأن الحرب لم تكن قد اندلعت آنذاك بين ألمانيا والاتحاد السوفييتي. وهكذا أسفرت الاتصالات السرية بين موسكو وبرلين عن تبادل مذكرات حول مطالب الاتحاد السوفييتي بعد انحسار الحرب العالمية الثانية وخاصة المطلب المتعلق برغبة موسكو في إنشاء قاعدة عسكرية سوفييتية على ضفاف البوسفور. ولكن ما جرى بعد انحسار الحرب العالمية الثانية كان مخالفاً لما تضمنته المذكرات المتبادلة بين موسكو وبرلين لسببين اثنين وهما: 1ـ التبدلات في المواقع التي جرت أثناء الحرب العالمية الثانية واندلاع الحرب بين الاتحاد السوفييتي والألمان وهو أمر كان له كبير الأثر على سير الحرب ونتائجها. 2ـ شهد الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الثانية تطورات حالت في الواقع دون تحقيق طموحات الاتحاد السوفييتي خاصة وأن الدول المؤسسة لجامعة الدول العربية في عام 1945 أكدت على استقلالها. زد على ذلك أن السمة التي اتسمت بها السياسة السوفييتية بعد الحرب العالمية الثانية كانت مساندة الاتحاد السوفييتي السابق لحركات التحرر العالمية، ومن بينها حركات التحرر العربية وذلك على الرغم من المفارقة الكبرى التي تفرضها مواقف موسكو من الكيان الصهيوني واعتراف الاتحاد السوفييتي بـ «إسرائيل». إلا أن الاتحاد السوفييتي السابق ورغم إقدامه على خطوات دعمت إقامة «إسرائيل» في البداية عاد وقوّم سياساته فيما بعد على ضوء ما تحققه علاقاته مع العرب من مصالح أبرزها رغبته في الوصول إلى موانيء المنطقة والاستفادة من النقاط الاستراتيجية في الوطن العربي. ويمكننا أن نلحظ ونحن نتحدث عن العلاقات العربية السوفييتية مجموعة تواريخ وأحداث كان لها الدور الأكبر في بلورة السياسة السوفييتية بعد إقامة الكيان الإسرائيلي في فلسطين عام 1948 والتي كان للسوفييت دور قوي فيها. أما أبرز هذه المحطات التاريخية فقد كانت في منتصف الخمسينيات حيث ساعد السوفييت في عام 1956 مصر بتعويضها عما خسرته في العدوان الثلاثي وساعدوها أيضاً في عملية التصنيع العسكري، بالإضافة إلى مساعدتهم لها في بناء السد العالي. وكانت هذه المساعدات السبب الأقوى لرفض معظم الدول العربية مشروع ايزنهاور الذي طرح عام 1957. ويرى بعض المحللين أن دعم مصر عسكرياً رغم موقف الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر المعادي للشيوعيين في تلك الفترة يعد دليلاً على عودة الاتحاد السوفييتي إلى واقعيته المعهودة. ويدعي أصحاب هذا الاتجاه أنه في الفترة ما بين عام 1955 و1972 ونتيجة للأزمات المتعددة التي مرت بها المنطقة استطاع الاتحاد السوفييتي السابق الحصول على قواعد عسكرية في أكثر من دولة عربية. وباستعراض تاريخي سريع موجز نرى أن علاقات الاتحاد السوفييتي السابق مع العرب تطورت حسب التسلسل التالي: 1ـ العلاقات مع مصر: تطورت هذه العلاقات منذ منتصف الخمسينيات عندما عقدت أول صفقة سلاح بين مصر والاتحاد السوفييتي في عام 1955 والتي أدت إلى توتر في العلاقات بين الاتحاد السوفييتي السابق والكيان الإسرائيلي، لا سيما بعد معارضة موسكو القوية للعدوان الثلاثي الذي تعرضت له مصر في عام 1956 وتوجيه الاتحاد السوفييتي إنذارات صريحة للدول المشاركة في العدوان. أما أشد هذه الإنذارات فكان إنذار سوفييتي جاء فيه أن «كيان إسرائيل» بالذات قد أصبح موضع شك وبحث واقترن ذلك كما هو معروف بالتهديد السوفييتي بإرسال متطوعين للقتال إلى جانب مصر. ونلاحظ هنا أن العلاقات السوفييتية الإسرائيلية ظلت على برودتها حتى عام 1967 عندما قطع الاتحاد السوفييتي السابق علاقاته الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني في العاشر من يونيو في أعقاب العدوان الإسرائيلي على الدول العربية. وتلا ذلك في عام 1971 توقيع اتفاقية صداقة وتعاون بين مصر والاتحاد السوفييتي. 2ـ العلاقات مع العراق: مع قيام ثورة 14 يوليو 1958 دخلت العلاقات السوفييتية العراقية مرحلة حساسة وجديدة حيث أوصلت هذه الثورة إلى السلطة في بغداد نظاماً سياسياً أكثر ميلاً لإقامة علاقات مع الاتحاد السوفييتي وكانت هذه المرحلة في العراق مقدمة لخروج العراق من حلف بغداد. هذا الخروج الذي يعد في الواقع شكلاً من أشكال النجاح السوفييتي نظراً للدور الذي لعبته موسكو آنذاك. واستمرت العلاقة العراقية السوفييتية في تطور مستمر بعد ذلك رغم تعاقب أكثر من حكومة عراقية وأصبح الاتحاد السوفييتي المصدر الأساسي والأكبر للأسلحة إلى العراق بالاضافة إلى تطور ملحوظ في علاقات البلدين على مستويات أخرى. 3ـ العلاقات مع سوريا: رغم وجود علاقات سورية سوفييتية قديمة إلا انه يمكن القول إن وصول حزب البعث العربي الاشتراكي إلى السلطة في هذا البلد العربي قوى من العلاقات بين البلدين، لا سيما وان سوريا التي عرفت بمواقفها المعادية لإسرائيل كانت بحاجة لدعم الاتحاد السوفييتي الذي شكّل فيما بعد مصدراً رئيسياً للأسلحة السورية كما تعززت علاقات البلدين بشكل كبير بعد عدوان الخامس من يونيو عام 1967 إلى أن وصلت إلى مرحلة متقدمة توجت بتوقيع اتفاقية صداقة وتعاون في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. 4ـ العلاقات مع اليمن ومحددات الاستراتيجية السوفييتية مع دول شبه الجزيرة العربية: نظراً لأهمية هذه المنطقة سعى الاتحاد السوفييتي إلى تحسين علاقاته مع اليمن لمعرفته بأهمية باب المندب الاستراتيجي. ولذلك نرى أنه حتى قبل ثورة اليمن عام 1962 شهدت العلاقات اليمنية السوفييتية بعض بوادر التحسن حيث قام الإمام البدر بزيارات عدة إلى موسكو للحصول على الأسلحة وتعززت العلاقات السوفييتية اليمنية بعد الثورة وازداد الوجود السوفييتي في هذه المنطقة بشكل ملحوظ بعد الانسحاب البريطاني من عدن حيث قام السوفييت بتزويد النظام الجديد بالأسلحة والمستشارين والخبراء العسكريين. 5ـ العلاقات مع الجزائر: شهدت العلاقات السوفييتية الجزائرية تطوراً ملحوظاً في عهد الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين وساهمت موسكو في ذلك الوقت وبشكل كبير في عملية البناء التي كانت تشهدها الجزائر. 6ـ العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والثورة الفلسطينية: تعد العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والثورة الفلسطينية علاقات مميزة، إذ أنه رغم بعض التعارضات في التوجهات السياسية لكلا الطرفين، إلا أن هذه العلاقات تميزت بالقوة باعتبار أن الاتحاد السوفييتي السابق نظر إلى الثورة الفلسطينية باعتبارها حركة تحرر رائدة وباعتبار أن الثورة الفلسطينية رأت في الاتحاد السوفييتي السابق جداراً قوياً تستند إليه في قوتها ضد الاحتلال الصهيوني لفلسطين. وهكذا شكلت موسكو وعلى مدى عشرات السنين قوة للكثير من قادة المقاومة الفلسطينية الذين رأوا في الاتحاد السوفييتي السابق حليفاً استراتيجياً لابد منه لمواجهة التحدي الامبريالي الصهيوني. انخفاض حرارة العلاقات العربية السوفييتية رغم كل ما تقدم ورغم النجاح الذي حققه السوفييت في علاقاتهم مع الدول العربية وحركة المقاومة الفلسطينية إلا أنه لابد من التوقف عند بعض الأحداث التي كان لها تأثير سلبي على هذه العلاقات. ومن هذه الأحداث موقف مصر وليبيا من الانقلاب الشيوعي الفاشل في السودان في عام 1971 وما أعقبه من قطع للعلاقات بين الخرطوم وموسكو بسبب مساندة الأخيرة لهذا الانقلاب. زد على ذلك قرار الرئيس المصري الراحل أنور السادات في عام 1972 القاضي بإنهاء مهمة الخبراء السوفييت في مصر. أما التراجع الأكبر لدور الاتحاد السوفييتي السابق فيرى البعض ولا سيما في حركة المقاومة الفلسطينية انه تجسد بشكل واضح في موقف الاتحاد السوفييتي السابق من الغزو الصهيوني للبنان عام 1982 حيث لم يتخذ السوفييت في هذه المرحلة موقفاً حازماً من العدوان، كما كان متوقعاً، الأمر الذي أخرج بعض قادة المقاومة الفلسطينية عن صمتهم وجعلهم يوجهون الانتقادات العلنية لحليفهم الاستراتيجي الذي سقط مرة أخرى في التجربة خلال حرب الخليج الثانية ما أفسح المجال أمام الولايات المتحدة للتفرد بالمنطقة حتى قبل انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية التسعينيات. ومع دخول المنطقة في حلقة أو مسلسل التسوية بعد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 نظر العرب إلى روسيا باعتبارها وريثاً لحليفهم السابق الاتحاد السوفييتي، إلا أن أمراضها السياسية والاقتصادية المزمنة أثرت على موقفها في المنطقة وأفقدت عملية التسوية أحد راعييها الأساسيين مما أوقعها في قبضة الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي القوي للكيان الصهيوني وحوّل هذه التسوية من محاولات لإيجاد حل عادل وشامل ودائم للصراع العربي الصهيوني إلى مجموعة ضغوط أمريكية وإسرائيلية بغرض تسوية تفصل على مقاسات المصالح الإسرائيلية الأمريكية. وهكذا وبعد هذا الاستعراض السريع والموجز للدور السوفييتي ومن ثم الروسي في المنطقة لابد من الاعتراف بأن العلاقات العربية السوفييتية ومن ثم علاقات العرب بروسيا تظل علاقات ضرورية لحفظ التوازن في المنطقة وهو ما دعا الكثير من القادة العرب مؤخراً إلى مطالبة روسيا بتفعيل دورها في عملية التسوية التي تحتضر على أيدي الإسرائيليين والأمريكيين لأن روسيا رغم كل الظروف الصعبة التي تمر فيها تبقى قوة كبرى ومهمة ليس بالنسبة للمنطقة فحسب وانما على الصعيد العالمي. ـ كاتب فلسطيني