في مرارة المعاناة العربية من السياسة الأمريكية المنحازة لإسرائيل والأضرار الفادحة التي لحقت بالأمة العربية من جراء الدعم الأمريكي للتوسعية الصهيونية، تقفز خاطرة قوية إلى الأذهان. هل فكر القادة العرب بالنظر إلى ما حولهم؟ هل طرحوا في لقاءاتهم مبدأ توازن المصالح في علاقاتهم بدول العالم عامة وبالدول الكبرى خصوصاً؟ هل أدرج في جدول أعمال الجامعة العربية أي بند يتعلق بتوثيق العلاقات مع روسيا أو الصين أو الهند؟ استقرت أوضاع مرحلة ما بعد نهاية الحرب الباردة على أساس أن الولايات المتحدة قد أصبحت القوة الدولية المسيطرة على معظم التفاعلات الرئيسية في تلك المرحلة، وأن النظام الدولي الحالي يقوم، إلى حد كبير، على «القطب الواحد»، وتعتبر هذه الحقيقة موجهة إلى دول العالم جميعاً وإلى روسيا تحديداً. ويدخل النظام العالمي مرحلة جديدة في المشروع الأمريكي للدرع الصاروخية ضد الدول المارقة الذي سوف تستفيد منه إسرائيل وسيكون موجهاً ضد تحسن العلاقات بين روسيا والعالم. روسيا الاتحادية الدولة ورثت عن الاتحاد السوفييتي الذي كان يمثل القوة الدولية النووية العظمى الثانية قبل عشر سنوات تقريباً، والتي وجدت نفسها إزاء معضلة حقيقية، في ظل الأوضاع الاقتصادية والسياسية المتردية التي اجتاحتها خلال تلك الفترة حيث كانت بقيادة يلتسين المعروف بفساده وفشله في قيادة روسيا بعد الاتحاد السوفييتي مما أودى بمكانتها السابقة. ولكن على الرغم من ذلك لا يزال لدى روسيا عناصر قوة هائلة تجعل منها احدى القوى الكبرى المؤثرة في الشئون الدولية، فلديها حصانة أمنية تتمثل في ترسانتها النووية الضخمة ما زالت الثانية في العالم، وقدرة على التأثير في التفاعلات الدولية عبر صناعاتها العسكرية المتطورة، رغم المشاكل التي تعانيها، إلا أن العنصر الأهم يتمثل في امتلاكها قدرات تكنولوجية قابلة للتطور بمستويات كبيرة، إذا تم التمكن من مواجهة الضائقة المالية التي تعانيها جراء عدم تسديد كثير من الدول لديونها للاتحاد السوفييتي. في روسيا صناعات متطورة في مجالات الفضاء والالكترونيات، والاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وتعاون دول العالم معها، ركيزة قوية لنظام دولي أكثر استقراراً وتطوراً يستطيع أن يقف في وجه «الأمركة» التي يسمونها «العولمة». إذا كان هناك من يحسن رصد حركة العلاقات الدولية، من الجهات الفاعلة في الأمة العربية، فسوف يكتشف أن هناك مرحلة جديدة تطرق الأبواب الآن، وهي مرحلة تختلف عن السنوات العشر العجاف التي أعقبت نهاية الحرب الباردة، وشهدت انفراداً أمريكياً كاملاً بقيادة السياسة العالمية، مما قاد إلى عدد من الحروب والفتن المسلحة في كثير من الدول في مناطق مستقرة ثم هاجمها التفرد الأمريكي، في إطار توجهات التعامل الجديد، التي أرادت أمريكا فرضه على العالم. فمن يقرأ ما يجري في الصين، واليابان، وأوروبا، خصوصاً البلقان، وما يجري في روسيا وما حولها من دول الحزام الإسلامي، يدرك أن الساحة العالمية تزخر بفيض من المظاهر الجديدة التي تجعل من المستحيل أن تمضي العلاقات الدولية على المسار نفسه الذي جرت عليه طوال العقد الماضي. على الصعيد العربي غدا المشهد الأمريكي هشاً وقاتماً وميئوساً منه. لقد صبر العرب كثيراً على الأذى الأمريكي ولديهم المسرح العالمي الذي يمكن أن يتحركوا فيه. لديهم روسيا الاتحادية والصين وغيرهما من الدول القادرة على تبادل العطاء والمصالح وتقديم المساندة. قد لا يكون لدى العرب القدرة العسكرية على التغلب على إسرائيل لفرض السلام عليها، بسبب التحشد الأمريكي، من كل شكل ونوع، إلى جانبها. لكن هذه القدرة تكفي للاستمرار في تهديد أمنها لتمنعها من فرض حلول سياسية، بتأكيد أمريكي. معنى ذلك أن المأزق مزدوج. بعد أن قام ثلاثة من القادة العرب بزيارة لواشنطن حفلت بإدانة العنف الفلسطيني، قبلت هذه إرسال واحد من أكثر ساستها كرهاً للعرب وازدراء لقادتهم هو إدوارد ووكر، الذي بدأ خدمته قبل أشهر ثلاثة بشتم بعض رؤسائهم بالاسم، إن هم رفضوا أن يزجّوا بلادهم في معركة أمريكية ضد العراق، وليس في معركة فلسطين ضد الاحتلال الإسرائيلي، معركة العرب الأولى. في هذه الأثناء، نسي العرب أن بوش وافق قبل شهرين فقط على جميع خطط شارون، ووعده بأقصى التغطية والدعم، وانتقد حشرية كلينتون، الأمريكي الضليل، الذي تجرأ وقدم تصوراً أمريكياً للتسوية على المسار الفلسطيني. أخيراً، تعهد بوش الصغير باستمرار الحلف المنيع مع إسرائيل. ماذا ينتظر العرب من زيارة ووكر؟ إنهم لا ينتظرون شيئاً. وهم يعرفون أن غرضها تضليل الرأي العام العربي، وإيهامه أن أمريكا لم تنفض يدها بعد من إقامة «سلام متوازن» في المنطقة. في المقابل ماذا نرى عند روسيا في المجال السياسي بعد أن نسيناها مدة عشر سنوات. نفهم من المواقف والتصريحات في المحافل الرسمية أن روسيا ليست على شاكلة أمريكا. روسيا تنطلق من أن التفاوض يجب، في خاتمة المطاف، أن يتوجه وجهة حل المشكلات الجذرية وذات الصفة الدائمة مثل الحدود والقدس والمستوطنات واللاجئين والموارد المائية. فموسكو واثقة من أن الشعب الفلسطيني سيحقق ما يصبو إليه من حقوق قومية، وبنتيجة التسوية بما فيها حقه في تقرير مصيره بنفسه وإنشاء دولته المستقلة. كما أن من الضروري ضمان الأمن الأكيد لكل الأطراف على السواء. إن روسيا مع الإسراع، ما أمكن، في إحياء المسار السوري مجدداً والمسار اللبناني المتلازم معه. والروس واثقون من ضرورة التحرك نحو التسوية مثلما في الاتجاهات الأخرى على أساس مبدأ «الأرض مقابل السلام»، أي أن السلام يمكن أن يتم إذا ما عادت سوريا إلى هضبة الجولان. ويحتاج الأمر في جنوب لبنان إلى اهتمام دائم. نهج روسيا يرمي عموماً إلى التعجيل ما أمكن في تجاوز مرحلة الخطر مع الحفاظ على إرث العملية السلمية واستمراريتها. ولأجل هذا تبقى موسكو على اتصالها الدائم مع الأطراف المعنية كافة آخذة في الحسبان أن المساعدة الدولية في التخفيف من حدة التوتر وتقريب مواقف طرفي التسوية هي من الأهمية بمكان. وينبغي في هذا الصدد الإبقاء على تفاعل بنّاء بين راعيي التسوية روسيا والولايات المتحدة. ولقد تأكد «تقارب موقفهما» في البيان الروسي الأمريكي المشترك الذي صدر في 12/4/2001 وشدد على ضرورة التوصل إلى تسوية شاملة للنزاع العربي ـ الإسرائيلي. ومع ذلك لابد من التشديد على أن الأطراف المنخرطة في النزاع مباشرة هي وحدها القادرة على اتخاذ قرارات تكون أهدافها محددة بإقامة سلام وطيد في الشرق الأوسط. إن تحليل الموقف الروسي بالنسبة إلى القضية الفلسطينية يمثل تراجعاً واضحاً عن موقف الاتحاد السوفييتي. غير أن تطور العلاقات العربية الروسية كفيل بتحسن هذا الموقف إلى إدانة التوسعية الصهيونية، مما يفتح المجال إلى تغيير قواعد العمل السياسي مع أحد راعيي السلام في المنطقة. الأمر المفيد للعرب في دور روسي فاعل يخدم المصالح العربية الروسية إذا تم التنسيق مع الدور الأوروبي ليعادل الكفة الأمريكية الراجحة حتى الآن. إن زيارة الرئيس مبارك لروسيا بعثت آمالاً طيبة في عودة العلاقات الروسية العربية من خلال الدول العربية التي كان لها علاقات قوية بالاتحاد السوفييتي. كانت العلاقات السوفييتية المصرية متميزة بإنجازات هائلة على الصعيد الثنائي. فلقد أنشأ السوفييت أكثر من ألف معمل في مصر، كانت قاعدة للتقدم الاقتصادي لمصر عقب ثورة يوليو. كما أن التعاون العسكري مكّن من تسليح الجيش المصري حين امتنعت الدول الغربية عن تقديم الأسلحة الدفاعية له. ويتضح من نتائج مباحثات مبارك ـ بوتين أنها حققت ثماراً طيبة يمكن أن تتبع نهجها الزيارات المقبلة لكل من رؤساء سوريا واليمن وغيرهم. وهذه الثمار تتضمن ما يلي: 1ـ الملف السياسي: أولاً: أكدت الزيارة سعي مصر إلى تنشيط الدور الروسي في عملية السلام في الشرق الأوسط، ليكمل ويدعم الأدوار الأخرى، بما فيها الدور الأمريكي، ودور الاتحاد الأوروبي. ثانياً: تضمنت الزيارة سعياً مصرياً للحصول على دعم روسي للمبادرة المصرية الأردنية، من أجل وقف المواجهات الفلسطينية ـ الإسرائيلية، واستئناف المفاوضات كحل وحيد لتحقيق السلام في المنطقة. وقد نجح الرئيس مبارك في تأمين الدعم الروسي للمبادرة. 2ـ الملف الاقتصادي: تم توقيع ثلاث وثائق للتعاون المصري ـ الروسي: أولاً: وثيقة برنامج التعاون طويل الأجل في مجالات العلوم، والثقافة، والتعليم، والتكنولوجيا، والاقتصاد. ثانياً: مذكرة تفاهم حول الاستخدامات السلمية للطاقة النووية. ثالثاً: وثيقة اتفاق التعاون في مجال الصناعات الكيميائية والدوائية. لقد كانت منطقة الشرق الأوسط في بؤرة اهتمام المصالح الروسية، وكانت مسرحاً لدور روسي نشط في ظل الحرب الباردة وصراع القطبين، وجاء تراجع هذا الدور كأحد أبرز مظاهر التراجع الروسي على الساحة العالمية بعد الانهيار السوفييتي المشهود. وفي ظل استمرار الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل والذي يأخذ شكل العداء العلني الواضح للمصالح والحقوق العربية، تبرز أهمية توجه القادة والمسئولون العرب إلى موسكو، وتشجيعها على المضي قدماً في خططها لاستعادة دورها العالمي، وفتح أبواب التعاون معها في عدد من المجالات، في مجالي التكنولوجيا والتسليح، اللذين ما زال الروس يتمتعون بمكانة بارزة فيهما، رغم المؤامرات التي كانت أمريكا وراءها لتدمير هذه المكانة، يساعدها في ذلك مافيا الفساد التي ثبت أن لليهود اليد الطولى فيها. ولقد استفادت إيران من التوجه الروسي نحو علاقات جديدة بالعالم منذ بعض الوقت. يدرك العرب أنهم لا ينبغي أن يعولوا كثيراً على دور روسي صلب في مواجهة هيمنة القوة الأمريكية. ان «روسيا ـ بوتين» التي تتلمس خطواتها بحذر على الساحة العالمية، لا تريد، على الأقل في الوقت الحالي، الاصطدام بقوة أمريكا، وتفضل تأجيل ذلك إلى وقت تتوفر لديها القدرة على الصمود، بمزيد من التنسيق مع الصين، أكبر مستورد للسلاح الروسي. لكن العرب مطالبون بأن يبعثوا برسالة واضحة لواشنطن بأن تغيير قواعد اللعبة ليس في يدها وحدها مع حليفتها إسرائيل، وانهم أيضاً قادرون على وضع قواعد جديدة تراعي مصالحهم وحقوقهم، وهو ما يتعارض بالضرورة مع المصالح الأمريكية الصهيونية. ـ سفير سوري سابق بالأمم المتحدة