أثارت الزيارات المتتابعة التي قام بها عدد من القادة العرب الى موسكو خلال شهر ابريل الماضي والتي بدأها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة ثم رئيس مجلس الأمة (البرلمان) الكويتي، فزيارة فاروق الشرع وزير الخارجية السوري، فطه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي وأخيرا الرئيس حسني مبارك، التساؤل حول امكانية تفعيل الدور الروسي في الشرق الأوسط، وحدود هذا الدور، وهل يمكن لروسيا استعادة دور الاتحاد السوفييتي وأحداث التوازن المطلوب مع الولايات المتحدة في المنطقة؟ فعلى مدى ما يزيد على أربعة عقود، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991 وفي اطار ما سمي بالحرب الباردة والمنافسة مع الولايات المتحدة والسعي للحيلولة دون انفرادها بالهيمنة على الشئون العالمية، احتل الشرق الأوسط مكانة هامة في أولويات السياسة الخارجية السوفييتية. وكانت الاعتبارات الايديولوجية هي الحاكمة لعلاقة الاتحاد السوفييتي وسياسته تجاه الشرق الأوسط. فقامت السياسة السوفييتية آنذاك على مساندة حركات التحرر الوطني والحركات الثورية ثم النظم الراديكالية المتولدة عن هذه الحركات، وكذلك تأييد الأحزاب الشيوعية ودعمها وقد كان هذا عاملا أساسيا في فشل الاتحاد السوفييتي في اقامة علاقات دبلوماسية مع عدد من الدول ذات النظم التقليدية في المنطقة. وعقب انهيار الاتحاد السوفييتي حدث تغيرا جذريا في السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط اتخذ عدة أبعاد اولها: تراجع أهمية الشرق الأوسط في أولويات السياسة الخارجية الروسية وذلك مع انتهاء الحرب الباردة والتوجه الغربي الواضح الذي هيمن على السياسة الروسية من ناحية، وتفاقم الأزمات الداخلية السياسية والاقتصادية وانشغال القادة الروس بترتيب الأوضاع في الداخل مما أدى الى تراجع القضايا الخارجية بصفة عامة وقضايا الشرق الأوسط خاصة في أولويات القيادة الروسية والانكفاء النسبي على الداخل، من ناحية أخرى. وثانيها: تراجع الاعتبارات الايديولوجية أمام الاعتبارات الاقتصادية التي أصبحت تحكم السياسة الخارجية الروسية بصفة عامة وتتمثل المصالح الروسية في المنطقة في جذب الاستثمارات من الدول الغنية بها خاصة دول الخليج، وتنشيط تجارة السلاح وزيادة الصادرات الروسية من الأسلحة الى دول المنطقة وهذا الى جانب تنمية التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية مع دول المنطقة. في ضوء هذه المصالح والأولويات تبلورت مجموعة من التوجهات للسياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط لعل أهمها تلك الخاصة بقضيتي التسوية السلمية والعراق. فالموقف الروسي من عملية التسوية السلمية للصراع العربي الاسرائيلي يتسم بالوضوح والثبات فقد تضمن دوما التأكيد على ضرورة التزام اسرائيل بتنفيذ كافة الاتفاقات الموقعة والمحافظة على مرجعية مدريد، وتطبيق مبدأ الأرض مقابل السلام، وحق الفلسطينيين في اقامة دولتهم المستقلة، ورفض سياسة الاستيطان والعنف باعتبارها لا تخدم العملية السلمية، وقد وضحت هذه التوجهات خلال الأزمة التي تعاني منها عملية السلام منذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في سبتمبر الماضي حيث أكدت روسيا على ضرورة وقف العنف تضافر الجهود الدولية والاقليمية من أجل استئناف المفاوضات كما نددت روسيا بإعادة احتلال اسرائيل للأراضي الواقعة تحت السيطرة الفلسطينية واعتبرته عملا يصعد من المواجهة بين الجانبين. ولكن رغم هذا الموقف الروسي المعلن والواضح، ورغم كون روسيا رسميا الراعي الثاني لعملية السلام في الشرق الأوسط، ورغم تحركات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وسعيه لاستعادة مكانة روسيا ودورها في الشئون الدولية، ورغم الدرجات المتزايدة من الاستقرار السياسي والاقتصادي التي تتمتع بها روسيا منذ توليه السلطة في مارس 2000، يظل الدور الروسي في عملية التسوية السلمية محدود للغاية. فروسيا ما زالت غير قادرة على ممارسة دور فاعل في هذا الاطار.. وذلك بالنظر الى افتقارها لمقومات التأثير والضغط على الأطراف المختلفة للصراع خاصة الجانب الاسرائيلي ومن ثم فإن دورها لا يتجاوز المساعي الحميدة ومحاولة التوفيق، وغالبا ما يقتصر على مجرد السلوك اللفظي، ويدعم هذا التوجه الهيمنة الأمريكية على عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، وحرص الولايات المتحدة على القيام بدور الوسيط الوحيد والحيلولة دون قيام أي قوة أخرى بممارسة دور يعتد به في هذه العملية. أما فيما يتعلق بالموقف الروسي من العراق، فيعتبر نموذجا واضحا لمدى ارتباط السياسة الروسية بالمصالح الاقتصادية، وكيف أن هذه الأخيرة هي المحرك الأساسي للسياسة الروسية في الشرق الأوسط. فروسيا تؤيد تخفيف العقوبات المفروضة على العراق منذ أغسطس 1990 تمهيدا لرفعها، وخفض النسبة التي يدفعها العراق لصندوق تعويضات متضرري حرب الخليج بل وقامت في سبتمبر الماضي باستئناف رحلاتها الجوية المباشرة الى بغداد، كذلك، ترفض روسيا استخدام القوة ضد العراق وأدانت بشدة الضربات الجوية الأمريكية البريطانية على العراق في يناير ويونيو 1993، وديسمبر 1998، وفبراير 2001. وتعتبر المصالح الاقتصادية لروسيا في العراق هي العامل الأساسي وراء اتخاذها مثل هذه المواقف. فمن المعروف أن العراق مدين لروسيا بنحو 10 بلايين دولار هي مديونية العراق للاتحاد السوفييتي والتي ورثتها روسيا، وتطمح روسيا الى استعادة هذه الديون اذا ما تم رفع العقوبات أو تخفيضها عن العراق. كما أن هناك مجموعة من العقود المبرمة بين روسيا والعراق تقدر قيمتها بنحو 20 بليون دولار مؤجل تنفيذها لحين رفع العقوبات عن العراق، من أهمها الاتفاق الخاص باستثمار حقول النفط في غرب القرنة جنوب العراق والذي تقدر قيمته بـ 3.8 بلايين دولار وتم توقيعه في مارس 1997 وقد أعرب وزير الوقود والطاقة الروسي خلال زيارته لبغداد في يناير 2001 عن اهتمام روسيا وحرصها على تنفيذ هذه العقود، يضاف الى هذا أن العراق كانت سوقا اساسيا للسلاح الروسي، فقد قدمت روسيا للعراق مفاعلا نوويا، وأسلحة تقدر قيمتها بـ 2.5 بليون دولار خلال حربها مع ايران فحسب، وتطمح روسيا الى أن تقوم، بمجرد رفع الحظر باعادة تسليح العراق. وإذا كانت العلاقات الروسية العراقية تقدم نموذجا لسيطرة المصالح والاعتبارات الاقتصادية على السياسة الروسية في المنطقة فإن العلاقات الروسية الايرانية تقدم نموذجا آخر على ذلك لا يقل وضوحا عن سابقه. كما يتضح ذلك أيضا من التقارب الروسي مع كل من مصر والجزائر في أعقاب الزيارة التي قام بها زعيما البلدين لموسكو الشهر الماضي. فقد نجح البلدان في وضع أسس جديدة لعلاقتيهما بموسكو تقوم على الاعتبارات الاقتصادية وتحقيق مصالح الطرفين من خلال توسيع حجم التبادل التجاري وجذب مشاركة روسيا في المشروعات التنموية والنفطية وتنشيط التعاون العسكري. إن توجهات السياسة الروسية تجاه الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة توضح عدم قدرة، أو رغبة موسكو في القيام بدور فاعل في عملية التسوية السلمية خاصة مع افتقار روسيا لمقومات المشاركة الفعالة في هذه العملية، كما تؤكد حقيقة إعلاء المصالح الاقتصادية وتحكمها في مسار هذه السياسة. ومن ثم فإن محاولات تنشيط وتفعيل الدور الروسي في المنطقة يتوقف على عدة عوامل لعل أهمها قدرة روسيا على تجاوز أزماتها الداخلية خاصة تلك الاقتصادية والتي بدأت بالفعل في الانفراج النسبي منذ تولي بوتين السلطة، وكذلك قدرة روسيا ودول المنطقة على اعادة هيكلة العلاقات فيما بينهما وفتح آفاق جديدة للتعاون بما يحقق مصالح الطرفين. ـ كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة