استقبلت العاصمة الروسية خلال الفترة الأخيرة وزير الخارجية السوري فاروق الشرع، ونائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان، والرئيس المصري حسني مبارك، وقد أسفرت هذه اللقاءات عن بروز مواقف هامة لروسيا الاتحادية، بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي وبالنسبة للوضع في العراق وامكانية رفع العقوبات عنه، كما حققت هذه اللقاءات نتائج ايجابية على صعيد العلاقات الثنائية بين روسيا الاتحادية والدول الثلاث، وان كانت العلاقات المصرية قد حققت تقدما واضحا يمثل نقلة نوعية جديدة لهذه العلاقات، حيث وقع الرئيسان مبارك وبوتين اعلان مبادئ للصداقة والتعاون بين البلدين، وهو اعلان يرتفع بهذه العلاقات الى مستوى جديد دون ان يبلغ أو يصل الى المستوى السابق للعلاقات المصرية السوفييتية في العهد الناصري. كذلك تم توقيع برنامج طويل الأجل للتعاون الاقتصادي والتجاري والصناعي والعلمي والفني، ومذكرة تفاهم بشأن الاستخدامات السلمية للطاقة النووية وأيدت روسيا الموقف المصري الداعي الى جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل. وبالرغم من أن الرئيس مبارك قد حرص على التأكيد بأن هذا التطور في العلاقات المصرية الروسية لن يكون على حساب العلاقات الخاصة بين القاهرة وواشنطن، هذا بالاضافة الى تركيزه الواضح على الجوانب المتعلقة بالتعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين البلدين، الا أن بعض العبارات التي وردت في خطاب الرئيس بوتين عند استقباله للرئيس مبارك عن العلاقات المصرية السوفييتية في عهد الرئيس جمال عبدالناصر، واشارته الى عودة الخبراء الروس الى العمل في مشروعات يعرفونها جيدا في مصر، ورد الرئيس مبارك بأن مصر لا تنسى ماقدمه الاتحاد السوفييتى السابق من مساعدات هامة لمصر، خاصة في مجال التسلح، حيث ما زالت الأسلحة الروسية في الخدمة بالقوات المسلحة المصرية حتى الآن، بعد ادخال تطويرات مصرية عليها، كل هذه الأمور تثير التساؤل حول مستقبل العلاقات الروسية العربية في ظل الواقع الدولي القائم الآن، خاصة أن مصر كانت البوابة التي دخل منها الاتحاد السوفييتي السابق الى المنطقة في أعقاب صفقة السلاح التشيكية لمصر عام 1955 وماتبعها من تطورات في العلاقات بين البلدين، كانت لها اثارها على التفاعلات العربية السوفييتية بعد ذلك. والواقع أن السؤال الخاص بمستقبل العلاقات الروسية العربية يكتسب اهمية خاصة، في ظل انهيار عملية التسوية السلمية للصراع العربي الإسرائيلي وتخلي الادارة الأمريكية الجديدة عن القيام بدور فاعل ومحايد في نطاق هذه العملية، واطلاقها يد شارون للتعامل مع انتفاضة الشعب الفلسطيني المشروعة في مقاومة الاحتلال الإسرائيلى، مستخدما في ذلك آلة الحرب الإسرائيلية في مواجهة أطفال الحجارة، مخالفا بذلك كل الاعراف والقوانين والتقاليد الدولية، ومنتهكا حقوق الانسان بأبشع صورة. واذا ما اردنا تفسير وفهم هذه التفاعلات العربية الروسية والمدى الذي يمكن أن تصل اليه في المستقبل، خاصة مع تواتر الانباء عن استعداد موسكو لاستقبال قادة ومسئولين عرب آخرين خلال الفترة المقبلة، فان هذا لابد وان يتم في اطار تحليل مجمل التطورات القائمة على الساحة الدولية الآن، وآثارها على المنطقة العربية، وفي هذه الصدد نشير الى مايلي: أولاً :السياسة الخارجية الأمريكية في عهد جورج بوش الابن مع تولي جورج بوش الابن مقاليد السلطة في البيت الأبيض بدا واضحا ان ثمة تغير في اتجاهات السياسة الخارجية، قوام هذا التغير التحول من ممارسة غطرسة القوة بأساليب مرنة لينة، الى ممارسة غطرسة القوة بأسلوب فج مباشر، لا يراعي الاعراف وقواعد العمل الديبلوماسي المتفق عليها ولا يأخذ في الاعتبار مصالح الدول الأخرى، بما فيها الدول الصديقة للولايات المتحدة، وقد أدى هذا الى احراج الدول الصديقة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي العديد من مناطق العالم الأخرى، هذا بالاضافة الى تفجير العديد من الأزمات، كالأزمة الدبلوماسية بين الولايات المتحدة روسيا بعد قيام الأولى بطرد خمسين ديبلوماسيا روسيا من السفارة الروسية في واشنطن بدعوى قيامهم بأعمال تتنافى مع طبيعة عملهم الديبلوماسي، وقيام روسيا باتخاذ قرار مماثل كرد فعل على القرار الأمريكي، ثم الأزمة الخطيرة القائمة في العلاقات الأمريكية الصينية، بعد دخول احدى الطائرات الأمريكية التي تقوم بأعمال التجسس الاجواء الصينية واصطدامها بطائرة صينية الأمر الذي أدى إلى سقوط الطائرة الصينية، وهبوط الطائرة الأمريكية في احد المطارات الصينية دون الحصول على اذن مسبق بالهبوط في المطار. وفي نطاق ادارة هذه الأزمة لجأت الولايات المتحدة الى استخدام ورقة تايوان للضغط على الصين، وسواء من خلال تزويدها لتايوان بكميات كبيرة من الاسلحة المتطورة أو الاعلان عن استعدادها للدفاع عن تايوان اذا ماحاولت الصين استخدام القوة لضمها. ثم جاء الاعلان عن عزم الولايات المتحدة نشر الشبكة المضادة للصواريخ اعتمادا على تكنولوجيا برنامج حرب النجوم الذي كان الرئيس كلينتون قد أوقفه وهو ما تعارضه روسيا والصين وعدد من الدول الأخرى، ليضيف عاملا آخر من عوامل اثارة القلق على المستوى العالمي من خطورة انفراد الولايات المتحدة كقوى عظمى وحيدة بقيادة العالم، هذا بالاضافة الى تخبط السياسة الأمريكية في العديد من المناطق الساخنة من العالم وأبرزها منطقة الشرق الأوسط حيث بدا واضحا تخليها عن دور راعي العملية السلمية المحايد، نتيجة لانحيازها الواضح لإسرائيل. هذه السياسة الأمريكية الجديدة المليئة بالثغرات دفعت العديد من القوى الدولية للتحرك للبحث عن أسلوب ملائم للحد من هذه الغطرسة الأمريكية ومن ثم كانت زيارة وزير خارجية الصين الاخيرة الى موسكو والتي التقى فيها مع وزير الخارجية الروسى ومع الرئيس بوتين وبحث في امكانية تزويد روسيا للصين بأسلحة متطورة لمواجهة الخلل في توازن القوى الناتجة عن السياسة الأمريكية تجاه الصين. ثانياً: العلاقات الأمريكية الروسية: بعد تفكك الاتحاد السوفيتي اتجه يلتسين رئيس روسيا الاتحادية السابق الى السعى الى التحالف مع الولايات المتحدة، وعرض يلتسين اثناء زيارته لواشنطن في فبراير عام 1992 التحالف لبناء درع عالمية ضد الصواريخ لحماية العالم الحر اعتمادا على تكنولوجيا حرب النجوم الأمريكية والتكنولوجيا الروسية، وقد تم توقيع وثيقة التعاون الأمريكي الروسي في كامب ديفيد في فبراير 1992 والتي تضمنت مجموعة من المبادئ المنظمة للتعاون بين الجانبين في المجالات المختلفة، الا ان يلتسين كان يأمل في الحصول على مساعدات من الولايات المتحدة لعلاج الأزمة الاقتصادية التي تواجه الدولة الروسية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي، وتحولها نحو نظام اقتصاد السوق دون تمهيد أو اعداد مسبق لمؤسساتها وهياكلها الانتاجية التي كانت تقوم في الاساس على اسس وقواعد النظام الاقتصادي المخطط، الأمر الذي أوجد أوضاعا بالغة الصعوبة في البلاد، وحالة من الفوضى الاقتصادية، وقد عبر كوزيريف وزير الخارجية الروسي انذاك عن هذا الموقف بقوله انه بدون المساعدات والقروض الأجنبية الغربية التي تستعملها لشراء الحبوب فان الشعب الروسي سيترك بدون خبز. ولكن الآمال الروسية في الحصول على المساعدات والقروض اللازمة لعلاج هذه الأوضاع تحطمت مع محدودية ماقدمته الولايات المتحدة والدول الحليفة من مساعدات، الأمر الذي أدى الى تفاقم الأزمة الاقتصادية، وصارت روسيا الاتحادية نموذجا فريدا لدولة تمتلك تكنولوجيا اسلحة الدمار الشامل ولا تستطيع في نفس الوقت الوفاء بالاحتياجات الاساسية لشعبها، ومع استقالة يلتسين وتولي فلاديمير بوتين مهام الحكم في روسيا الاتحادية بدا واضحا ان الجانب الروسي قد بدأ يدرك عدم امكانية تحقيق اهدافه الاقتصادية من سياسة التحالف مع الولايات المتحدة، ومن ثم بدأ في التراجع عن هذه السياسة. ثالثاً: السياسة الروسية الخارجية الجديدة: بدأ الرئيس بوتين في دفع سياسة روسية جديدة على المستوى الخارجي تقوم على أساس استقلال المواقف الروسية النسبي عن المواقف الأمريكية، ووجد انه من الضرورى القيام بتحرك ديبلوماسي نشط على عدة مستويات خاصة على المستوى الاقليمي لروسيا الاتحادية، وتجاه الدول التي كانت تربطها والاتحاد السوفييتي السابق علاقات قوية. وأدى تدهور الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط الى اتجاه روسيا الى احياء دورها في هذه العملية بوصفها احدى الدولتين الراعيتين لهذه العملية كذلك كان لورسيا الاتحادية مواقفها الخاصة تجاه العقوبات المفروضة على العراق وعلى ليبيا. رابعاً: المأزق العربي في ظل انهيار عملية السلام ووصل شارون الى الحكم.: تواكبت هذه المتغيرات الدولية مع انهيار عملية السلام في الشرق الأوسط ووصول شارون الى الحكم في إسرائيل الأمر الذي أدى الى ضياع أي أمل في تحقيق تسوية سلمية للصراع العربي الإسرائيلي، في ظل الانحياز السافر من جانب الولايات المتحدة لإسرائيل، ومن ثم فمن الواضح ان المصالح العربية تتلاقى مع مصالح دول أخرى خاصة الصين وروسيا الاتحادية فيما يتعلق بضرورة تغيير الوضع القائم الآن على الصعيد الدولي والاقليمي، وبالتالي يثور التساؤل حول امكانية تغيير قواعد اللعبة الدولية بصفة عامة وعلى المستوى الاقليمي في الشرق الأوسط بصفة خاصة؟ بعبارة أخرى هل يستطيع العرب اعادة بناء تحالفاتهم الدولية الاقليمية بالاستفادة بهذه المتغيرات الجديدة القائمة الآن وبما يحقق المصالح العربية؟ الواقع أن امكانية تحقيق هذا السيناريو المأمول تواجه العديد من المحددات أهمها مايلي: إن المنطقة العربية منطقة مصالح استراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة ومن ثم فانها لن تفرط فيها بسهولة، بل ستحاول بكل ماتملك من وسائل وأدوات الحيلولة دون حدوث ذلك. إن هناك مصالح عربية مع الولايات المتحدة بالرغم من الموقف الأمريكي القائم الآن لا يمكن عمليا تجاهلها. ان هناك مصالح روسية وصينية مع الولايات المتحدة، ومن ثم فهناك حدود لا يمكن لأى من الدولتين تخطيها أو تجاوزها. ان كلا من الصين وروسيا لا يملكان عناصر القوة الموازنة للولايات المتحدة في الفترة الحالية ومن ثم لا يمكن الاعتماد على أي منها خاصة روسيا اعتمادا كاملا. غياب استراتيجية عربية محددة الاهداف والمعالم، واضحة الوسائل للتعامل مع الواقع القائم. لهذه الاسباب يصعب تصور امكانية تغيير قواعد اللعبة في المنطقة من خلال تطوير العلاقات العربية الروسية في الأمد المنظور، الا ان هذا لا يمنع من السير في خطوات محسوبة بدقة في مجال تطوير العلاقات العربية الروسية تدريجيا املا في أن يؤول التراكم الايجابي في هذا المجال في الاسهام في خلق توازن جديد للقوى من المنطقة يساعد على ممارسة نوع من أنواع الضغط على الولايات المتحدة من أجل تغيير سياسة غطرسة القوة التي تمارسها الآن وانحيازها السافر لإسرائيل. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة القاهرة