النشاط المكثف الذي تشهده العلاقات العربية الروسية خلال الأسابيع الأخيرة تشير شواهد كثيرة الى أنه ليس مجرد فورة سرعان ما تخمد، وإنما بداية لمرحلة جديدة من العلاقات بين العواصم العربية ، وموسكو فمستوى الزيارات واللقاءات التي جرت وتلك التي يجري الاعداد لها وطابع القضايا المطروحة للنقاش، ونتائج الزيارات، وتوقيت هذا النشاط الكبير.. كلها أمور تشير الى رغبة موسكو القوية في استعادة دور مهم لها في المنطقة. كما تشير الى ترحيب عربي واضح بهذا التوجه الروسي، بل وسعي الى حفزه، لأنه يصب موضوعيا في اتجاه إضعاف الانفراد الأمريكي شبه المطلق بمقدرات الشرق الأوسط، ذلك الانفراد الذي لا تستفيد منه سوى إسرائيل، بحكم انحياز واشنطن المستمر لها، انطلاقا من توافق الاهداف والمصالح بصورة تقترب من التطابق. والواقع أن الاختلال الكبير لموازين القوى في المنطقة لصالح التحالف الأمريكي الإسرائيلي يفرض على العرب ضرورة استكشاف كل السبل الممكنة لادخال أي قدر من التعديل على التوازن الاستراتيجي المختل ومن هنا تبرز أهمية الأدوار التي يمكن أن تقوم بها في المنطقة أطراف دولية مثل روسيا والاتحاد الأوروبي وغني عن البيان أن مثل هذا التغيير مشروط بتوافر ارادة عربية قادرة على التعامل مع واقع العلاقات الدولية انطلاقا من ضرورة الدفاع عن المصالح العربية. أمريكا.. و(جنرالات الأفراح) وبالنسبة لروسيا فإن سياستها الخارجية تشهد تطورات مهمة خلال السنوات القليلة الماضية، وبصورة أخص منذ تولي فلاديمير بوتين السلطة، وهي تطورات يمكن ان تكون مفيدة للعرب إذا أحسنوا التعامل معها، ومعروف أن سياسة موسكو خلال السنوات الأخيرة من وجود الاتحاد السوفييتي تم خلال أغلب سنوات حكم يلتسين، اتسمت بتبعية واضحة للولايات المتحدة.. وانعكس هذا على الشرق الأوسط في صورة فتور ملحوظ للعلاقات العربية الروسية، مقابل تعزيز ملحوظ لعلاقات موسكو بتل أبيب. وكان من أهم أسباب ذلك الوجود القوي للوبي الصهيوني في أعلى مستويات السلطة في روسيا، ووجود وزير يهودي صهيوني على رأس وزارة الخارجية هو أندريه كوزيريف. وبالرغم من أن روسيا ورثت عن الاتحاد السوفييتي ضمن ما ورثت دور (الراعي الثاني لعملية السلام في الشرق الأوسط) فإن هذا الدور ظل شكليا بحكم انهيار القوى الشامل الذي واجهته روسيا لأسباب لا محل للدخول فيها هنا وكذلك بحكم تبعيتها للولايات المتحدة. ولم يكن مسموحا (للراعي) الثاني بأكثر من مشاركة الرئيس السوفييتي السابق جورباتشوف في رئاسة مؤتمر مدريد (أكتوبر 1991) أو باستضافة اجتماعات بعض لجان المفاوضات متعددة الأطراف (بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في ديسمبر 1991). وباختصار فإن دور (الراعي) الروسي ظل دائما أشبه بدور (جنرالات الأفراح) وهي ظاهرة كانت معروفة في روسيا القيصرية، حيث كانت الأسر الموسرة من محدثي النعمة تدعو الى أفراحها بعض كبار الموظفين المفلسين، مقابل أجر معلوم، بملابسهم الرسمية ونياشينهم ليضفوا بعض المهابة المفتقدة على الحفل مع الزعم بأنهم من أقارب العريس أو العروس!! أما حينما كانت موسكو (تصدق نفسها) وتطرح لنفسها دورا ولو كان متواضعا فقد كانت تواجه برد أمريكي أو إسرائيلي فقط، أو بالتجاهل. وكان لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بنيامين نتانياهو قول مأثور في هذا الصدد، اتسم بالدقة رغم ما فيه من ابتذال.. ففي معرض رده على بعض الاقتراحات الروسية قال نتانياهو: (إن المطبخ الواحد لا يمكن أن يتسع لطباخين اثنين)!! وبعبارة أخرى فإن (مطبخ التسوية) الشرق أوسطية لا يتسع إلا (للطاهي الأمريكي)! وبألفاظ أكثر تهذيبا فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تتصوران (للراعي) الروسي أكثر من دور (جنرال الفرح) أو (شاهد الزور) وأي دور أكثر من هذا ينبغي أن يكون بطلب من أمريكا أو إسرائيل مثل استغلال علاقات روسيا الطيبة مع الأطراف العربية للضغط على هذه الأطراف أو (تسويق) بعض الأفكار الإسرائيلية والأمريكية مثل (ضبط) حركة حزب الله في لبنان، أو الانتفاضة في الأراضي الفلسطينية! وينسجم هذا التصور الأمريكي الإسرائيلي للدور الروسي مع جوهر التسوية بمعناها الواسع (الحقيقي) من وجهة نظر واشنطن وتل أبيب، والذي يتمثل في اعادة رسم خريطة الشرق الأوسط بما يضمن تحقيق الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية الأمريكية عليه، مع منح دور الشريك الأصغر لإسرائيل. واذا أخذنا التسوية بهذا المفهوم الواسع (والحقيقي) فإن من الطبيعي أن تعتبر الولايات المتحدة وإسرائيل الدور الروسي معاكسا لاهدافهما. بل إنهما ترفضان حتى القبول بدور ذي وزن للاتحاد الأوروبي في التسوية اللهم إلا في دفع أعبائها المالية! في صورة مساعدات للسلطة الفلسطينية أو لبنان، أو في صورة قبول بعض الدول الأوروبية بتوطين عدد من أبناء الشعب الفلسطيني لديها لابعادهم عن وطنهم الأم. عودة الوعي إذا كانت روسيا قد رضخت عموما للتقليص الشديد لدورها في الشرق الأوسط وقنعت بالصورة الشكلية لدور (الراعي) حتى قرب نهاية التسعينيات، فإن الأمور قد بدأت تتغير تدريجيا في السنوات الأخيرة، فبعد اتضاح الثمار المرة لهزيمة موسكو في الحرب الباردة، ولسياسة التبعية للولايات المتحدة، بدأت تتعزز في روسيا الاتجاهات القومية واليسارية الوطنية الرافضة للتبعية، والواعية لسياسة روسية استقلالية وهي اتجاهات لم يكن بوسع يلتسين ألا يأخذها في الحسبان، خاصة وأنها وجدت دعما قويا في القوات المسلحة رغم كل عمليات (التطهير) التي تعرضت لها. لقد بدأت روسيا (تستعيد وعيها الغائب) وفي مواجهة توسع حلف (الناتو) باتجاه الشرق، والتغلغل الأمريكي في الجمهوريات السوفييتية السابقة، واستئناف مشروعات (حرب النجوم) والمحاولات الأمريكية للهيمنة المطلقة على العالم تحت اسم (النظام العالمي الجديد).. في مواجهة ذلك كله بدأت موسكو تراجع سياساتها ومواقفها. وتعزز تحالفاتها القديمة وتقيم تحالفات جديدة.. فاتجهت لاقامة تحالف استراتيجي مع الصين وايران، وتعزيز تحالفها مع الهند.. الى آخر تلك الخطوات والسياسات التي تناولها (الملف السياسي) في الفترة الأخيرة بتفصيل واف أكثر من مرة. وانعكست هذه السياسة الأكثر نشاطا وديناميكية على العلاقات الروسية العربية، على أكثر من صعيد. وطرحت عدة مبادرات مهمة تتصل بمنطقة الخليج مثل: المبادرة الداعية لاقامة (منظومة أمنية خليجية) ينضم اليها العراق وايران. المبادرة بشأن العراق الداعية لاستئناف تعاون في مجال الرقابة على أسلحة الدمار الشامل مقابل تعليق العقوبات، ثم الغائها في مدى زمني محدد، وتطبيع العلاقات بينه وبين جيرانه. عرض الوساطة الروسية بين العراق وايران. وكلها مواقف واضحة التناقض مع السياسات الأمريكية في منطقة الخليج. ا ما بالنسبة لموضوع مثالنا الرئيسي، وهو موقف (الراعي) الروسي تجاه التسوية الشرق أوسطية، فينبغي الاشارة الى عودة روسيا الى تبني مواقف أكثر وضوحا وقوة في توازنها خصوصا اذا ما قورنت بالمواقف الأمريكية مثل التأكيد على تأييد موسكو لقراري مجلس الأمن رقم 242 و338 ومرجعية مؤتمر مدريد، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.. الخ كما صوتت روسيا لصالح مشروع قرار لمجلس الأمن يدعو لارسال قوات حماية دولية للفلسطينيين، وهو المشروع الذي اسقطته الولايات المتحدة باستخدام حق النقض (الفيتو) مؤخرا. كذلك أعلنت روسيا مجددا تأييدها للمبادرة المصرية القديمة المستمرة باعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من السلام النووي. وكلها مواقف تختلف بوضوح عن المواقف الإسرائيلية والأمريكية وتقترب كثيرا من المواقف الرسمية العربية. حاضرون.. بسلاحهم! وبالرغم من ذلك كله يظل صحيحا ما يشير اليه المراقبون من أن موسكو مستبعدة من المشاركة الفعلية في عملية التسوية وبالتالي فإن دور (الراعي) يبقى شكليا. إلا أن هناك نقطة بالغة الأهمية لا يجوز اغفالها في هذا الصدد.. تلك هي أن موسكو إذا كانت مستبعدة مما يسمى (بعملية السلام).. وإذا لم يكن لها مقعد على موائد المفاوضات منذ سنين طويلة.. إلا أن السلاح الروسي ظل شريكا في التسوية خلال هذه السنوات واستطاع أن يؤثر في مجرى الأمور، رغم غياب أصحابه!! وبصورة أوضح نقول أن السلاح الروسي لعب دورا حاسما في مساعدة دمشق على الصمود في وجه التهديدات الخطيرة للترسانة العسكرية الإسرائيلية وإن استئناف تسليح موسكو لدمشق منذ أواخر التسعينيات مكنها من تفادي المضي مرغمة نحو تسوية مذلة. كما مكنها من دعم المقاومة الوطنية اللبنانية التي حققت انتصارا تاريخيا مشهودا بإجبارها القوات الإسرائيلية على الانسحاب من جنوب لبنان. أي أن السلاح الروسي وضع ولا يزال يضع عقبات جدية أمام فرض تسوية أمريكية إسرائيلية مذلة على سوريا ولبنان بل وأتاح للمقاومة اللبنانية تحقيق انتصار تاريخي. وبهذا المعنى فإن (الراعي) الروسي لا يظل مجرد ديكور في عملية التسوية. ويبقى شريكا في واقع الأمر من خلال سلاحه الموجود في أيد عربية. ويساهم في إرباك مسيرة التسوية بمفهومها الأمريكي الإسرائيلي، وخلط أوراقها.. أو (لخبطتها) إذا سمح لنا القارئ العزيز أن نستخدم هذه الكلمة العامية المصرية المعبرة. وبالنظر الى هذه الحقيقية فإن ما تشير اليه التقارير عن تنشيط لصفقات السلاح الروسية الى سوريا، واحتمال تزويدها بصواريخ (إس ـ 300) المضادة للصواريخ والطائرات.. أمر جدير بالترحيب لما يمثله من دعم لصمود دمشق. وعلى ضوء كل ما ذكرناه يصبح منطقيا أن نتوقع ضغوطا أمريكية على كل من الأطراف العربية المعنية وروسيا على السواء لمنع التقارب الجاري بين الجانبين، وإبقاء روسيا بعيدة عن المنطقة وعن التأثير في مجريات الأحداث فيها. والمؤكد أن واشنطن لديها الكثير من أوراق الضغط القوية. ولهذا السبب بالذات فإن العرب يحتاجون لإظهار ارادة سياسية قوية. فلا يمكن أن نبقى الى الأبد أسرى للهيمنة الأمريكية، والعربدة الصهيونية. ـ كاتب مصري