بعد جفاء استمر عشر سنوات وأعقب انتهاء زمن الحرب الباردة، عاد الود الى التدفق فجأة في شرايين العلاقات العربية الروسية، في الوقت الذي صعد مؤشر التفاؤل العربي كالعادة الى اقصاه، تجاه قيام روسيا الاتحادية، تحت قيادة فلاديمير بوتين بلعب الدور الذي كان قد عهد اليها اصلا منذ مؤتمر مدريد، والذي اختيرت بموجبه كشريك للولايات المتحدة في عملية سلام الشرق الأوسط. قد يكون هناك بالفعل ضرورة ملحة لأن يدخل طرف جديد على خط العملية السلمية المتعثرة في الشرق الأوسط، للحد من استفراد الطرف الأمريكي الذي بات العرب مقتنعون بعدم حياده، بل واصراره على الوقوف الى جانب مساندة إسرائيل في كل خطواتها الاستفزازية والهمجية ضد العرب، والتي تجلت بشكل واضح خلال المئة يوم الاولى من تولي الادارة الأمريكية الجديدة برئاسة جورج بوش الابن مقاليد السلطة في البيت الابيض. فبعد التصويت باستخدام الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار كان يدعو لإرسال قوة حماية دولية للمدنيين الفلسطينيين في الاراضي الفلسطينية المحتلة من أعمال القتل والتدمير والاغتيالات التي تمارسها السلطات العسكرية الإسرائيلية والمستوطنين الصهاينة ضد ابناء الشعب الفلسطيني الأعزل، وبعد التصريحات الاستفزازية التي ادلى بها وزير الخارجية الأمريكية كولن باول والتي حبذ فيها نقل السفارة الأمريكية الى القدس واكد عزم ادارته على فعل ذلك مهما اغضب العرب. بعد كل هذا فانه لم يعد هناك بديل امام الدول العربية في مساعيها لإقرار سلام عادل في الشرق الأوسط يعيد الحقوق المسلوبة الى اصحابها الحقيقيين، ويرسي دعائم سلام شامل في المنطقة، سوى التوقف عن الاعتماد على طرف وحيد كالولايات المتحدة ظل يمارس دور الوسيط بلا أدنى حيادية، وشكل مبعوثوه الى الشرق الأوسط ابتداء من فيليب حبيب الى الصهيوني الكريه دينيس روس أدوات ضاغطة على الطرف العربي لصالح إسرائيل. الرهان الأوروبي وفي الوقت نفسه فان هناك ايضا ضرورة للتوجه الى اطراف اخرى يمكن ان تكون مؤثرة وتستطيع القيام بدور ايجابي في عملية البحث عن وسائل تمكن الاطراف الرئيسية في المنطقة الشرق أوسطية من الوصول الى السلام الحقيقي، وهنا تحديداً لابد من ان تستدعي الذاكرة الرهان الذي ظل العرب يعقدونه على الاتحاد الأوروبي، للقيام بدور يحقق التوازن في تلك العملية عملية البحث عن السلام العادل في الشرق الأوسط - ولكن اثبتت التجارب التي تم خلالها اختبار هذا الدور، انه ظل على هامش العملية بشكل اعاد الولايات المتحدة لاعبا وحيدا في المنطقة وفي العملية السلمية. ولعل ذلك ماحدث عندما حاولت بعض الدول العربية اعطاء الفرصة لما بدا قبل عدة سنوات من انه بداية تنسيق في المواقف بين ألمانيا هيلموت كول و فرنسا جاك شيراك، وقد ودفع طموح الدولتين الذي كان في ذلك الوقت يبحث عن مساحة يمكنه فيها جس النبض حول دور يمكن ان يتطور ليكون أوروبيا، ويكون هدفه الوقوف ضد انفراد الولايات المتحدة بممارسة دور اللاعب الوحيد في البلقان والشرق الأوسط وحتى افريقيا، حتى عندما سعت الدول العربية لإعطاء الفرصة لهذا التحالف الفرنسي الألماني، فان النتيجة كانت غير المتوقع اذ سرعان ما تلاشى هذا الدور في مهده، لتظل أوروبا بكاملها على هامش احداث الشرق الأوسط وربما احداث العالم كله. فهل بعد ان فشلت أوروبا بكل ثقلها في القيام بهذا الدور على الشكل الذي كان مرتجيا، يمكن لدولة مثل روسيا الاتحادية المنهكة بمشكلات عديدة، ان تقوم به وبالشكل الذي يمكن معه القول ان باستطاعتها ان تكون على مستوى الندية مع الولايات المتحدة. تحركات عربية ان الإجابة بالإيجاب عن هذا السؤال ستظل محفوفة بالشكوك، في امكانية ان تكون لدى روسيا الحالية مؤهلات تساعدها على لعب اي دور في عملية سلام الشرق الأوسط، على الرغم من ان الأمل في تحقيق ذلك، كان وراء التحركات العربية الأخيرة تجاه موسكو والتي كان ابرزها زيارة الرئيس المصري حسني مبارك التي وصفت بأنها ناجحة وأسفرت عن توقيع اعلان موسكو للتعاون العسكري والاقتصادي وتعهد البلدان بموجبه بالعمل سوية من اجل سلام عادل وشامل في الشرق الأوسط، وتحويلها الى منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل والمساعدة على نزع السلاح فيها، وهي الزيارة التي قال عنها فاسيلي سريدين المبعوث الشخصي للرئيس بوتين لشئون الشرق الأوسط، انها عنيت بتنسيق المواقف تجاه التسوية في الشرق الأوسط من منظور المبادرة الروسية التي سبق وطرحتها موسكو وتسعى حاليا لإدخال بعض التعديلات عليها. من هذا المنظور فان موسكو حددت خطواتها القادمة في انها سوف تواصل تمسكها بضرورة حشد كافة الجهود الدولية لدعم عملية التسوية السلمية وطرح توسيع اطار الوساطة ليضم الى جانب راعيي السلام روسيا والولايات المتحدة، كلا من الاتحاد الأوروبي ومصر والأردن وسوريا وبلدان أخرى قد تكون الصين واليابان. موسكو ايضا اشارت الى ان موقفها الجديد تجاه القضايا الدولية والإقليمية يركز على الدعوة الى ضرورة بناء عالم متعدد الأقطاب وتضافر الجهود من أجل تجاوز سلبيات العولمة وحظر انتشار اسلحة الدمار الشامل وتسوية القضايا الإقليمية استنادا الى مباديء الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة بما في ذلك قضية الشرق الأوسط والقضية العراقية والأوضاع في منطقة الخليج. ومع ان الانطباع الذي خرج به الرئيس المصري حسني مبارك عقب هذه الزيارة جسده في القول بأنه وجد تطورا في الاهتمام الروسي بالسياسة الخارجية «مقارنة بما كان عليه الوضع في الزيارة التي كان قد قام بها لموسكو عام 1997»، واصفا ذلك بأنه «تحول كبير»، ومع كل المؤشرات التي تؤكد سعي موسكو الحثيث في السنوات الأخيرة لتعميق العلاقات مع الدول العربية بهدف ضمان مصالحها في المنطقة، التي كانت خلال الخمسينيات والستينيات لاعبا اساسيا فيها، فان المراقبين الروس انفسهم يعترفون بأن روسيا لا تملك بعد الإمكانيات الكافية التي تساعدها على اداء دور ناشط في المنطقة يكون له تأثير ملموس على الوضع المترتب وتحقيق توازن دولي هناك، متكافيء مع الدور الأمريكي. تحرك مكثف وعلى الرغم من ان قيادة الكرملين اتخذت اخيرا قرارا بايفاد ممثلين عنها الى منطقة الشرق الأوسط سعيا الى تفعيل دور روسيا فيها، وهو القرار الذي تزامن مع اعلان موسكو عن انتظارها زيارة عدد من القيادات العربية، في الوقت الذي يستعد فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للقيام بعدد من الزيارات الى بلدان المنطقة، الأمر الذي يؤكد ان هناك استعداداً جاداً هذه المرة لدى الروس للخروج من الشرنقة التي كمنت فيها بلدهم منذ وضع جورباتشوف ومن بعده يلتسين نهاية للاتحاد السوفييتي السابق. لكن السؤال الذي يظل مطروحا هو، هل هذه الأمنيات التي يسعى لها القادة الروس الجدد قابلة للتحقق، في ظل انهيار مقومات الدولة في روسيا، وفي ظل المشاكل التي غرقت فيها، سواء على المستوى الداخلي، او على مستوى النزاعات والصراعات التي غرق فيها الكيان الروسي والتي هددت في بعض الأحيان بانهيار الدولة. قد يكون شعور الروس بالإهانة التي ظلت توجه اليهم من الأمريكيين خلال السنوات الأخيرة هي الدافع الرئيسي وراء مساعيهم الحالية للخروج من دائرة العزلة واللادور، ولعل ذلك قد ازداد خلال الأسابيع الأخيرة التي واصل فيها الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن، سياسة سلفه كلينتون المعادية بشكل حاد للاتحاد الروسي، بل ان بوش تفوق اكثر بكثير عن كلينتون، عندما واصل تهديده باقامة شبكة للردع الصاروخي، الذي أزعج الروس بشكل حاد. ولعل الانزعاج الروسي من القيادة الأمريكية الجديدة، قد التقى مع انزعاج مماثل يشعر به العرب أيضا منذ اعلنت ادارة البيت الأبيض عزمها على الانسحاب من عملية السلام في الشرق الأوسط، ومواقفها غير الودية من القضايا العربية في مجلس الأمن. لكن المؤكد هو ان الروس لن يستطيعوا في ظل ظروفهم الحالية، والمرشحة للاستمرار لفترة طويلة القيام بدور مؤثر في صراع الشرق الأوسط، الأمر الذي يعني ان التوافق العربي الروسي، قد يكون بمثابة ردة فعل على تمادي أمريكي لحدود المنطق المحايد وانحيازه التام ضد العرب والروس معا، ولعل ذلك يتماس ولو بشكل غير مباشر مع الإعلان عن سحب القوات الأمريكية من سيناء، في الوقت الذي يواصل فيه شارون وحكومته اطلاق التهديدات ضد الدول العربية. ان الأمر كله بملابساته، لا يمكن ان يصب في خانة الصدفة، فالوقائع تنذر بالخطورة، ولعل العودة الى الأحضان الروسية رغم برودتها الثلجية، هي في ختام المطاف تبدو اكثر حنوا من دفء أمريكي مخادع، لا يمكن تصنيف ادائه في قضية الشرق الأوسط تحديدا في خانة الوسيط النزيه. ـ كاتب مصري