تتداخل مجموعة من المفاهيم في قراءة الواقع الروسي وحركته النشطة والجديدة بعد حالة الهدوء النسبي الذي سيطر على السياسة الروسية وخاصة ضمن مرحلة الانتقال من الاتحاد السوفييتي إلى الاتحاد الروسي ، وإذا كان طابع العقد الأخير من القرن العشرين هو عقد التحولات الداخلية بالنسبة لروسيا فإن هذه المرحلة لم تستطع رسم حدودها الخارجية على أيدي جورباتشوف ويلتسين بقدر ما تلونت بالفساد الاداري واستغلال الاقتصاد الداخلي على أيدي قلة من رجال السلطة وأخرى من رجال المافيا مما جعل زعماء تلك المرحلة يصبون اهتمامهم على الوضع الداخلي متناسين أنهم بذلك يسحبون بساطهم من تحت أرجلهم ليسلموه لعدوهم التقليدي الولايات المتحدة التي بدأت تسعى عمليا لبسط عولمتها على العالم بعد تجميد الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفييتي وتقديم هدية انهياره إلى ساسة القطب الآخر، ولكن هل نستطيع القول ان روسيا الحالية بقيادة فلاديمير بوتين تلك الشخصية التي أتت من خلف الأضواء إلى أمامها ستبقى في بحر الجليد الواسع الذي لم يستطع يلتسين ان يدفئه بحركته الخارجية الثقيلة. لماذا الآن؟ التحرك الروسي المتسارع في منطقة الشرق الأوسط وآسيا عموما لا يمكن قراءته إلا من خلال مجموعة من السياسات المحيطة بروسيا أولا وبمجال تحركها ثانيا، ولعل أول ما يميز انفتاح الشهية الروسية على مجال تحركها أمران الأول داخلي ويحدد من خلال نمط التفكير الذي يعتمده الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذي يرتبط بشكل مباشر بإنعاش الاقتصاد بطريقة مختلفة عما اتبعه سلفه سواء جورباتشوف أو يلتسين حينما حاولا التقرب إلى الغرب وانتظار الوعود بالمساعدات الاقتصادية التي لم تجن من هوائها سوى الغبار وعواصف الفضائح المالية والاقتصادية وحتى الادارية. وأما المجال الثاني لانفتاح شهية روسيا الآن فيكمن في التحدي الواضح الذي بدأت تمارسه الولايات المتحدة الأمريكية خاصة إعلانها المستمر عن السعي في برنامج الدفاع الصاروخي وفي هذا الإعلان تبدو واشنطن انها تخلت عن الاتفاقيات الموقعة بهذا الشأن والتي تطال اتفاقيتي (ستارت 1 وستارت2) الخاصتين بتقليص الأسلحة النووية. والواقع ان نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي ليس موجهاً كما تدعي أمريكا ضد الدول التي تدعوها بالمارقة بل هو قذيفة حقيقية في وجه احتمال صعود روسي جديد على الساحة الدولية خاصة ان هذا الصعود مازال متوقعا على أرضية ما تمتلكه روسيا من قدرات نووية وتكنولوجية وكل ما ينقصها إذن هو الاقتصاد القوي، لذلك نجد موسكو تتحرك في هذا المجال أيضا ضاربة عصفورين بحجر واحد، ولعل صفقة الأسلحة الأخيرة مع ايران هي جزء من هذه الضربة، حيث تعتبر رداً سياسياً واستراتيجياً على الولايات المتحدة وبرنامجها الصاروخي من خلال تزويد ايران عدو واشنطن بالأسلحة المتطورة وهذا بالطبع سيوفر للخزينة الروسية بحلول عام 2005 حوالي 8 مليارات دولار وهو الشكل المعلن للاتفاق ويمكن ان يصل إلى أضعاف هذا الرقم، إضافة إلى صفقة أخرى مشابهة من حيث الفائدة السياسية والاقتصادية وقعتها موسكو مع بكين وبلغت 15 مليار دولار ولا ننسى الصفقات التي وقعت مؤخرا لتصدير الأسلحة إلى مصر والجزائر وبعض الصفقات السرية مع دول أخرى. وما يمكن ان نراه هنا هو عودة روسيا إلى الساحة الدولية بما تمتلكه من أسلحة، وهذه العودة تأخذ من التفكير السوفييتي السابق جزاء مهما من حيث اعتماد تصدير الأسلحة هدفا من هدفين الأول سياسي استراتيجي والثاني اقتصادي، وهو النمط الذي اعتمده الاتحاد السوفييتي قبل انهياره، ولكن الأسلوب سيختلف هذه المرة كون روسيا تريد فتح صفحات جديدة لم يكن الاتحاد السوفييتي قد فتحها بسبب طبيعته الشيوعية وهذا قد يحقق دفعا آخر لروسيا باتجاه بناء استراتيجية عالمية جديدة يمكن لها ان تقف منطقياً في وجه القطب الأوحد من خلال مراكز ثقل تؤلف دائرة قوامها اتفاقات تضم اضافة إلى روسيا الصين والهند وباكستان وحتى إيران والعراق وإن كان ذلك مستبعداً في الظروف الحالية بالنسبة لإيران والعراق، وإضافة إلى ذلك فإن شمولية هذه الدائرة قد تمتد إلى كوبا وفيتنام خاصة بعد زيارة فلاديمير بوتين إلى هاتين الدولتين. ولا ننسى ان روسيا تلعب على مستوى آخر وبمكان مختلف ومؤثر وهو هيئة الأمم المتحدة التي بات معروفا عنها سيطرة الفيتو والاقتصاد والسياسة الأمريكية داخل مؤسساتها، ولكن حلفا من الأعضاء الدائمين تسعى روسيا لبلورة عمله يضم إضافة إليها كلا من الصين وفرنسا اللتين تطمحان بابعاد الهيمنة الأمريكية عن مؤسسات هيئة الأمم المتحدة لكي لا توصفان صفراً على يسار الرقم. وهذه التحالفات إذا ما تمت فإنها بلاشك ستؤثر بشكل كبير على السياسة الأمريكية وعولمتها من جهة وعلى روسيا التي تحاول من خلالها النهوض من ثياب الرجل المريض وإعادة الشباب له بعد ان فقد خاصية التأقلم الاستراتيجي العالمي مع السياسة الخارجية وبعد ان اختلفت مفاهيم الاتحاد السوفييتي السابق واختلفت أيضا مفاهيم الهروب من الواقع الجديد إلى أحضان الغرب الأوروبي والأمريكي وكل هذا الاختلاف يمكن ان يعزز مفاهيم جديدة تسعى روسيا للتحرك في مجالها. هل يستفيد العرب؟ إذا كانت روسيا تسعى لايجاد نفسها في العالم الجديد فإن الوطن العربي سيتأثر شئنا أم أبينا بهذا التحرك وهذا التأثر نابع من المكانة التي يحتلها الوطن العربي اقليميا وعالميا لذلك يرتبط مفهوم التأثر والتأثير بالقدر الذي تستطيع الدول العربية ان تتعامل به مع المعطيات الجديدة، وما يرى مبدئيا ان الدول العربية تتحرك بالاتجاه السليم مع التحرك الروسي من خلال الزيارات العربية لموسكو وما افرزته من نتائج فزيارة الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة قدمت شكلا جديدا للعلاقات الروسية العربية وزيارة الرئيس المصري حسني مبارك خرجت بإعلان مباديء ركز على مسألتين هامتين الاولى داخلية وهي «تطوير وتعزيز العلاقات الثنائية التجارية والاقتصادية والعلمية والتكنولوجية واقامة مشاريع مشتركة» ويدخل في ذلك الاتفاق على استيراد مصر للاسلحة الروسية وهذا ما نوه عنه الرئيس المصري بقوله: لانزال نستخدم اسلحة روسية ونريد تطويرها. والمسألة الثانية اقليمية ركزت على الصراع العربي الصهيوني استنادا لما جاء في اعلان المباديء الذي اكد على «ممارسة شعوب المنطقة حقها المشروع في تقرير المصير والامتثال لقرارات مجلس الامن 242 و338 والاتفاقات والترتيبات التي تم التوصل اليها في اطار مفاوضات السلام ومؤتمر مدريد» ونرى ان هذه الفقرة من اعلان المباديء تشمل ما يطالب به العرب من عملية السلام. وعلى نفس المستوى كانت زيارة وزير الخارجية السوري فاروق الشرع الى موسكو وما افرزته من نتائج وفي الواقع ان الموقف الروسي من العملية السلمية بات معروفا واذا كانت روسيا لم تقم بدورها بعد مؤتمر مدريد وهي احدى راعييه بسبب ظروفها الداخلية فإنها الآن تبدو مستعدة للعمل رغم تحفظ اسرائيل والولايات المتحدة ولكن هذا التحفظ يمكن لروسيا ان تكسره من خلال اصرار العرب على قيام موسكو بدورها ومن خلال اليهود الروس الذين هاجروا الى اسرائيل، وقد يستغرب البعض ذلك خاصة انه من المعروف عن اولئك اليهود تطرفهم الشديد للصهيونية ولكن يمكن ان نستنتج ان بعض هذا التطرف وليس كله جاء لاقناع الدولة العبرية بولائهم لها وهم يرون الضعف الذي اصاب روسيا في العقد الماضي، ولكن حادثة صغيرة تؤكد حالة ما يعيشه المواطن الاسرائيلي من ثنائية، ومضمون هذه الحادثة ان روسيا عندما اطلقت احدى مراكبها الفضائية بنجاح سارع «يهودي روسي» قاطعا مسافة طويلة الى حي «يهود امريكا» في اسرائيل ليطرق بابه قائلا لقد تفوقنا عليكم من جديد.. وهذه الحادثة فيها دلالة واضحة على الحنين الى الانتماء الحقيقي، والمفارقة الطريفة في هذه الحادثة انه لم يتصل به هاتفيا بل اصر على المواجهة!! واكثر من ذلك فإن البرنامج الانتخابي لاي مرشح اسرائيلي لابد ان يظهر تقربه من روسيا او حتى يزورها ويزور بعض مصالحها الهامة لكي يكسب الصوت اليهودي الروسي في اسرائيل.. وهذه الادلة يمكن ان تؤيد فكرة التأثير الروسي على من هاجر منهم الى اسرائيل وبالنتيجة التأثير على اسرائيل ذاتها. ولكن كيف يمكن للعرب ان يتعاملوا بفاعلية مع الموقف الروسي؟! ان روسيا تؤكد على احياء كافة المسارات وتتلهف لدور فاعل في العملية السلمية وفي الوقت ذاته بحاجة الى دعم اقتصادها المحلي، وهاتان الفكرتان يمكن ان تربطهما ببعض، فبإقامة علاقات اقتصادية جديدة مع موسكو يمكن العرب الاستفادة منها وافادة موسكو كذلك خاصة في مجال الاستثمار العربي في روسيا وهي بحاجة اليه وكذلك وفي مجال الاستيراد العربي للاسلحة الروسية التي قد توازي الاسلحة الامريكية بفاعليتها لكنها ارخص ثمنا. ومن جانب آخر يمكن للدول العربية خاصة النفطية ان تنسق مع روسيا في سبيل استقرار اسعار النفط كونها بلداً منتجاً ومصدراً، وبجميع الاحوال فالوطن العربي يجب ان يتعامل مع موضوع العلاقات الروسية على اساس جديد ومختلف تماما عن اسلوبه الذي تعامل ويتعامل به مع الولايات المتحدة والحكمة في هذا الموضوع هي التخلص من السيطرة الامريكية وعدم الوقوع تحت السيطرة الروسية. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق