شهدت العاصمة الروسية خلال شهر ابريل الماضي سلسلة كاملة للزيارات العديدة الرفيعة المستوى للضيوف العرب ابتداء من وزراء خارجية ونواب رؤساء حتى زيارة الرئيس الجزائري والرئيس المصري، وإذا أضيفت إلى ذلك زيارة الرئيس الايراني التي تمت في مارس الماضي فيمكن الجزم بتبلور المؤشرات الواضحة الدالة على التنشيط الجدي لسياسة روسيا في منطقة الشرق الأوسط، ويجب تقييم هذه النزعة على ضوء التصريحات الأخيرة للقيادة الروسية بصياغة أولويات السياسة الخارجية الجديدة والتي يجب أن تخدم معالجة قضايا التطور الداخلي للبلاد وفي نفس الوقت تسعى نحو تحقيق المصالح القومية لروسيا اما تحديد هذه المصالح فلم ينته بعد ولكن ما لا يدع مجالا للشك ان الشرق الأوسط يدخل في مدار هذه المصالح حتما، فجاءت الزيارات العديدة للمسئولين العرب لموسكو تأكيدا على ان تطوير العلاقات والتعاون مع روسيا مما يعكس المصالح القومية للعرب أيضا. ومن حيث المبدأ اتفاق المصالح الروسية والعربية ليس أمرا جديدا حيث كان من مسلّمات العلاقات الدولية في الشرق الأوسط في الستينيات بل من الخمسينيات، ولكن هذا الاتفاق تحقق سابقا في ظل ظروف عالمية أخرى واكبت الحرب الباردة بين القطبين والصراع السوفييتي الأمريكي العنيف والمواجهة المباشرة للمعسكرين الاشتراكي والغربي. وعلى ضوء ذلك لا يعني تنشيط الدور الروسي الحالي في المنطقة محاولة لاعادة السياسة السوفييتية القديمة في الشرق الأوسط، بيد ان روسيا تسعى لنسج دور جديد وصياغة علاقات جديدة من نوعها فما هي منطلقات هذه العملية؟ السؤال مفتوح لأكثر من احتمال ويستدعي الاجابة عنه قبل كل شيء تقدير الدور الروسي الحالي في الشرق الأوسط عامة وعلاقات روسيا مع الوطن العربي خاصة. وحتى الآونة الأخيرة كان هذا الدور محدودا لا يعكس وزن روسيا في الساحة العالمية مما يعود إلى أسباب عدة على رأسها التطورات والظروف الداخلية لروسيا نفسها مثل الأزمة الاقتصادية والسياسية التي كانت تعانيها طوال سنوات بعد سقوط الاتحاد السوفييتي اما الآن فبعد انتخابات الرئاسة الأخيرة في مارس عام 2000م. وتولي بوتين زمام السلطة تبلورت بعض المؤشرات للخروج من هذه الأزمة العميقة الخانقة فعلى المستوى السياسي تتمثل هذه المؤشرات في الاستقرار السياسي الملحوظ والتعاون المثمر الكافي بين الرئيس والحكومة والسلطة التشريعية وقيام التكتل القومي للقوى السياسية الموالية للرئيس والمساندة له وبالمقابل اضعاف مواقف المعارضة في وجه سلطة الكرملين الأمر الذي يرافقه النهوض البطيء بالاقتصاد بما يُغني روسيا عن الاعتماد الكامل على المساعدات والمعونات المالية للغرب والمؤسسات المالية العالمية أو كحد أدنى الاعتماد على هذه الركائز بصورة أقل قياسا بما كان عليه في السنوات الماضية في ظل حكم الرئيس يلتسين. هذا، وقد أثرت تغييرات الأوضاع الداخلية حتما على سياسة روسيا الخارجية التي تصبح أكثر استقلالا وتوازنا وعمليا على كافة الأصعدة وعلى وجه الخصوص تُولي روسيا حاليا أهمية بالغة لعلاقاتها مع الدول الافريقية والآسيوية كما تحاول ممارسة السياسة النشطة على الساحة الأوروبية عامة وتجاه ألمانيا خاصة. ومما لا شك فيه ان سياسة روسيا الخارجية الحالية تتأثر تأثرا عميقا بطبيعة علاقاتها مع أمريكا وتواجه هذه العلاقات مع الادارة الأمريكية الجديدة بعض المشاكل والصعوبات وفي طليعتها تبني الرئيس الأمريكي مشروع اقامة النظام القومي الاستراتيجي للدفاع المضاد للصواريخ تنازلا عن الاتفاقية المعقودة بهذا الشأن بين روسيا وبين أمريكا في عام 1972 وهذا كله اضافة إلى خطة توسيع حلف الأطلسي شرقا وفي ظل هذه الظروف والتهديدات التي تخل بمصالحها القومية تحتاج روسيا موضوعيا إلى تنشيط سياستها الخارجية استفادة في ذلك من كافة الاحتياطات المتبقية لديها والفرص المتاحة لها وتشغل الدول العربية مكانة مهمة ضمن هذه الاحتياطات والفرص مما لا يعود إلى ماضي العلاقات الروسية العربية فحسب بل إلى الدور الجديد النشط لروسيا في المنطقة والذي يعكس من ناحية معطيات العصر وقضايا الساعة ومن ناحية أخرى يعتبر هذا الدور مطلبا لا غنى عنه في المرحلة الراهنة. ومن المؤكد ان الأوضاع السائدة حاليا تختلف مبدئيا عن ظروف الشرق الأوسط السابقة من حيث ان الاتحاد السوفييتي كان ينظر إلى علاقاته مع العرب غالبا من زاوية صراعه مع الولايات المتحدة اما الآن فتكمن مصلحة روسيا الأولية في الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي في هذه المنطقة والاسهام في تعزيز هذا الاستقرار لان روسيا أحوج ما تكون إلى الاستقرار لتنفيذ مشاريعها الداخلية ومن معطيات العصر الحديث الأخرى تغيير علاقات روسيا مع اسرائيل مما يؤثر على علاقاتها مع العرب ودور روسيا كأحد راعيي عملية السلام في الشرق الأوسط وحل القضية الفلسطينية ويجب الأخذ بعين الاعتبار هذا الأمر عند التفكير في الدور الذي يمكن أن تلعبه روسيا في الشرق الأوسط إلى جانب علاقات روسيا المميزة مع كل من العراق وإيران وسوريا والسلطة الفلسطينية وأيضا وهذا كله بصرف النظر عن كون روسيا دولة نووية ذات العضوية الدائمة في مجلس الامن الدولي هل هذه الاوراق كافية للجزم بأن روسيا لاتزال تملك الامكانيات للتأثير على الساحة الدولية عامة ومنطقة الشرق الاوسط خاصة؟ السؤال يقبل الردود المختلفة وسترجح بعضها على البعض الاخر نتيجة لتغيير الاوضاع في المنطقة وتغيير قواعد اللعبة التي تمارسها الاطراف الاساسية المشاركة في تطورات الشرق الاوسط. فعلى سبيل المثال نسمع كثيرا شكاوى العرب من دور امريكا المنحازة دوما لاسرائيل في عملية السلام التي تحتضر الآن للاسباب العديدة التي بينها هذا الانحياز الامر الذي تترتب عليه ضرورة اشراك الاطراف الاخرى القادرة على توازن هذا الدور الامريكي المنحاز هل روسيا مرشحة لتكون مثل هذه القوة الموازنة؟ تقود الاحداث الاخيرة الى الاجابة الايجابية، هل يمكن المراهنة على دور روسي فاعل في الشرق الاوسط؟ بتصوري نعم، بل بشرط ان تغير قواعد اللعبة التي تقوم بها كل الاطراف اللاعبة في المنطقة فمثلا كيف يمكن الرهان على اي دور خارجي في ظل نقص استراتيجية عربية واحدة على الصعيدين الاقليمي والدولي؟ وبالتالي يؤدي تعدد الاستراتيجية الى سياسة الكيل بمكيالين بكل سهولة ليس فقط من قبل الادارة الامريكية وروسيا بل من قبل الدول العربية نفسها! هذا ويتطلب تغيير اللعبة قبل كل شيء الاعتراف بالحقائق بكل صراحة وصدق وعدم دفن الراس في الرمل والا تذهب الجهود النبيلة والمطالب المشروعة ادراج الرياح عند الطرف الواحد الذي يرغب في الحفاظ على الامر الواقع ويحكم على هذه الجهود والمطالب بالفشل مقدما. من المعروف ان السياسة الدولية الحديثة لعبة وكأية لعبة اخرى تتقيد ببعض القواعد ومن حيث المنطق يستلزم تغيير السياسة تغييرا لهذه القواعد ولكن المنطق نفسه يتطلب التمييز بين مختلف انواع القواعد او بالاحرى الاحكام فاذا حاولنا مقارنة السياسة الدولية عامة ودور روسيا في الشرق الاوسط خاصة باللعبة فيمكن القول بأن الاتحاد السوفييتي لعب سابقا الى جانب الفريق العربي بل كان احد لاعبي هذا الفريق بينما كانت امريكا من اعضاء الفريق المنافس وبعد سقوط الاتحاد السوفييتي فصلت روسيا عن اللعبة وانتقلت الى منصة المتفرجين المشجعين، اما امريكا فأصبحت الى حد ما حكما منحازا لاحد الفريقين وفي الآونة الاخيرة تتلمس روسيا خطواتها وتتخبط لكي تعود الى ساحة اللعبة وبأى دور؟ طبعا من الصعب بل من المستحيل المشاركة المتزامنة في اللعبة من جانب الفريقين في آن واحد، ولكن اللعبة الرياضية تختلف عن الساحة السياسية حيث يمكن تصور اللعبة لصالح الفريقين ومن البديهي ان مهمة الحكم اكثر ملاءمة لهذا الدور ولا اريد القول بأن روسيا قد استعدت لتولي هذا الدور وأظن انه لا داعي لذلك وربما من الافضل التآمل في امكانية تغيير اللعبة نفسها بدلا من تغيير قواعدها؟ وربما حان الوقت لتحويل لعبة الشرق الاوسط الى التحكيم؟ نعم ما هذا الا وهما الآن ولكن اللعبة قد فشلت في جل قضايا الفريقين او كحد ادنى لاحد الفريقين وهل هناك احتمال ان تنجح لاحقا؟ حظوظ هذا الاحتمال تساوي صفرا الامر الذي يستدعي البحث عن الطرق البديلة ومن هذه الطرق قد تكون صيغة التحكيم مقبولة. التحكيم من طرق فض النزاع بالاساليب غير القضائية ولكن بالاعتماد على القواعد الشرعية القانونية العادلة ومن بين هذه القواعد يجب الاشارة الى بعض القواعد الفقهية الكلية التي قد تساعد على تحديد الدور الروسي الجديد في الشرق الاوسط والصيغة الجديدة للعلاقات الروسية العربية. مما يقتضي بضرورة ادخال التعديلات على هذه العلاقات على ضوء معطيات العصر ولكن هذا التعديل لا يتم على حساب بعض القواعد الراسخة غير القابلة للتعديل بل القابلة للتنفيذ مثل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» وقاعدة «الضرر لا يكون قديما» وفي اعتقادي هاتان القاعدتان راسختان لا رجعة عنهما بالنسبة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني، اما قاعدة «المباشر ضامن وان لم يتعمد» وقاعدة « المتسبب لا يضمن الا بالتعمد» فتنطبقان تماما على تصرف الدولة العبرية والحكم الامريكي المتسبب. اما الدور الروسي الجديد فيمكن تطبيق قاعدة «اذا زال المانع عاد الممنوع» وذلك لأن الظروف الداخلية الصعبة التي كانت تعترض ممارسة روسيا دورها الفاعل في الشرق الأوسط تزال بالتدرج الآن مما يفسح المجال امام روسيا لاعادة دورها في المنطقة وسوف يكون هذا الدور ايجابيا اذا التزمت روسيا بالقواعد الثابتة الشرعية وادركت ادراكا كاملا ان لعبة الكرة ليست لعبة السياسة الدولية واذا نجحت في التمييز الدقيق بين الاحكام الجزئية القابلة للتغيير وبين القواعد الثابتة التي يجب ان تتغير الأوضاع بموجبها وليس بالعكس! ولكن هذه الحقيقة تفرض نفسها على جميع الاطراف وليس على روسيا وحدها. ـ محلل سياسي روسي بمعهد الدولة والقانون ـ موسكو