الملف السياسي: روسيا التي أدار العالم لها الظهر لتصبح دولة هامشية في الساحة الدولية، مثلها مثل دول شتى في العالم تلهث وراء مساعدات البنك الدولي وشروطه المجحفة لمواجهة أوجاعها الاقتصادية وهمومها الداخلية التي لا تنتهي. روسيا اليوم عادت إلى واجهة الأحداث تبحث لها عن دور مزاحم للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي والصين في لعبة المصالح وصراع القوى عبر أكثر من موقع في العالم، لا سيما في النقاط الساخنة ومراكز الأزمات، وتحاول موسكو جاهدة أن تتلمس طريقها إلى مواقعها السابقة وحلفاء الأمس الذين تهاوت معهم عرى التحالف عقب سقوط الاتحاد السوفييتي. وسط هذا المشهد الدولي تسعى الدول العربية إلى اعادة استثمار الورقة الروسية والمناورة بها لمواجهة الانحياز الأمريكي الأعمى لإسرائيل الذي تجاوز كل الحدود، وعليه يمكن أن نتساءل: هل العرب قادرون بالفعل على إجادة اللعبة وكسر الاحتكار الأمريكي لما يسمى بعملية السلام وإشراك قوى دولية أخرى فاعلة مثل روسيا والاتحاد الأوروبي لحلحلة الموقف وفضح عدوانية وهمجية الدولة العبرية، وبالتالي وضع المجتمع الدولي أمام مسئولياته؟ يبدو أن روسيا رغم الظروف التي تواجهها داخلياً وخارجياً ما زالت تملك مقومات سياسية واستراتيجية تؤهلها لأن تمارس دوراً فاعلاً في الساحة الدولية، وإن كان ذلك يشكّل مصدر إزعاج لواشنطن، بيد أن الدول العربية معنية بتكثيف التواصل السياسي والاقتصادي والعسكري مع موسكو لتعزيز التعاون ودعم المصالح المشتركة خدمة للقضايا العربية في المحافل الدولية. والشاهد أن روسيا لا يمكن أن تعيد تقمص الدور السابق الذي كان يضطلع به الاتحاد السوفييتي إبان نظام القطبية الثنائية ومناخ الحرب الباردة بحكم تغير موازين القوى وانهيار منظومة المعسكر الاشتراكي، وهيمنة الولايات المتحدة على العالم في ظل النظام العالمي الجديد، إلاّ أن موسكو ما زالت تملك موروث الدولة العظمى ـ على الأقل على الصعيد الاستراتيجي ـ مما يؤهلها لممارسة نشاط دبلوماسي وسياسي ملموس على الصعيد الكوني.