بعد مضي أكثر من خمس سنوات على وفاة الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا ميتران متأثرا بمرض السرطان، ما زال الغموض يكتنف كل شيء يتعلق بهذا الرجل الذي كان و مازال من معالم الحياة السياسية في بلاده. وستسنح الفرصة للفرنسيين هذا الشهر للوصول إلى درجة أكبر من التفهم للرجل الذي عشقوه وأدانوه، والذي جسد تاريخ فرنسا في النصف الثاني من القرن العشرين أكثر من أي شخصية فرنسية عامة أخرى. ويحيي الفرنسيون الذكرى العشرين لاول انتصار رئاسي في حياة ميتران والذي أحرزه في العاشر من مايو عام 1981، من خلال عدد من الفعاليات الاعلامية منها برنامج يعرضه التلفزيون الوطني يضم أكثر من خمس ساعات من المقابلات التي أجراها الصحفي جان ـ بيير إلكاباك مع الرئيس الراحل خلال عامي 1993 و1994. ثمة مزيج من الانتصارات والعناصر المأساوية في قصة تحول ميتران من مجرد مواطن طموح يعيش في أقاليم فرنسا إلى الرئيس الذي أمضى أطول فترة رئاسة في تاريخ فرنسا على الاطلاق منذ أن بدأ المواطنون ينتخبون رؤساءهم. ويكفي إثارة للفضول من تطورات حياة ميتران أن الاشخاص الذين رقصوا في الشوارع ابتهاجا بفوزه بمقعد الرئاسة للمرة الاولى عام 1981 هم ذاتهم الذين هتفوا ضده معربين عن سعادتهم بخروجه من دائرة السلطة بعد 14 عاما. وكان ميتران في هذه اللحظة رجلا عجوزا على وشك الموت ومتهما بمجموعة من الاخطاء من بينها معاداة السامية. ووصم عهد ميتران الذي تألف من فترتين رئاسيتين دامت كل منهما سبعة أعوام، بأنه شهد أسوأ أزمة اقتصادية تعرضت لها البلاد في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وكانت تداعيات الازمة على الحزب الاشتراكي الذي ينتمي إليه ميتران واسعة النطاق، إذ أوهنت قوة الحزب بشدة ودفعت اثنين من مساعدي ميتران المقربين إلى الانتحار، كان منهما رئيس الوزراء. واتسمت فترة رئاسته الثانية بأنها كانت فترة الفضائح الشخصية التي تفجرت واحدة تلو الاخرى. من بين تلك الفضائح الكشف عن ابنه غير شرعية للرئيس وتسرب أنباء إصابته بسرطان البروستاتا، وهو الامر الذي أخفاه عن الشعب وحتى عن زوجته لما تجاوز العشرة أعوام. فضلا عن ذلك، فقد ذاع أمر صلاته بحكومة فيشي الفرنسية الموالية للنازيين مما أثار جدلا واسعا انتهى بإدانة مريرة له. وكان من شأن ذلك أن أعاد الفرنسيون فتح ملف غامض إلى حد بعيد وهو المتعلق بموقفهم من نظام فيشي الذي قتل على يده الالاف من اليهود في معسكرات الاعتقال النازية. ولم يكن جان ـ بيير إيلكاباك مؤلف كتاب «أيها الشاب، إنك لا تعلم عن أي شيء تتحدث» الذي تناول حياة ميتران أوفر حظا من غيره في سبر أغوار الرئيس الفرنسي الراحل. وهو يروي كيف أنه اضطر أثناء إعداد كتابه الذي نشر في مارس الماضي إلى الاستعانة بقدرته الشخصية على تفسير تعبيرات وجه ميتران وإيماءاته للوصول إلى فهم أعمق له. وقال إيلكاباك في مقابلة مع وكالة الانباء الالمانية ان القدر الضئيل من الحقيقة الذي أفصح عنه ميتران فعليا هو ما كانت لحظات الصمت بينهما تنم عنه. وقال ان من يشاهد المقابلات التلفزيونية التي أجراها مع ميتران «يمكنه أن يكتشف جزءا من الحقيقة من خلال ما لا يقوله ميتران، أو مما يوجد وراء كلماته». ويضيف «ميتران في المقام الاول عبارة عن عقدة قوية تجسد انعدام الثقة في الآخرين، وكان يتسم بالغموض وبازدواجية وجهات النظر». وقد تتمثل ازدواجية التفكير هذه على النحو الامثل في صلة ميتران بحكومة فيشي. فمن المرجح جدا أن يكون ميتران، كآخرين كثيرين، قد حافظ في آن واحد على صلته مع نظام فيشي ومع حركة المقاومة التي تصدت له. ويقول إيلكاباك أن ميتران الذي كان مسئولا صغيرا في نظام فيشي في منتصف عقده الثالث، تحول في نهاية المطاف إلى «عضو مخلص من أعضاء المقاومة بكل ما تنطوي عليه من مجازفات». وأضاف قائلا «ان الكثيرين لا يستطيعون أن يغفروا له أنه لم يصبح بطلا للمقاومة بشكل فوري .. وفي هذا لم يكن مختلفا عن الكثير من أبناء بلده». وكان إيلكاباك قد ألح على ميتران لالقاء المزيد من الضوء على علاقته بحكومة فيشي، وهو ما أثار غضب ميتران على نحو غير معتاد بالنسبة به ليقول «لا، لقد فعلت ذلك 25 مرة. هذا يكفي». كما بدا الغضب على ميتران عندما سأله إيلكاباك إن كان يقبل الاعتذار باسم فرنسا عن الاعمال التي ارتكبتها حكومة فيشي في حق اليهود. وقال ميتران بما يشبه الصياح «لا، مطلقا. ليس هناك ما يدعو فرنسا للاعتذار نيابة عن فيشي. فحكومة فيشي لم تكن قط جزءا من تاريخ فرنسا». لكن هذا على ما يبدو لم يمنع خلف ميتران، الرئيس الفرنسي الحالي جاك شيراك، من القول علنا بأن حكومة فيشي اقترفت «ذنبا لا يمكن إنكاره»، وذلك بعد أشهر معدودة من توليه منصب الرئيس في 1995. وإذا كان ميتران قد أفصح عن القليل حول نفسه في مقابلاته الصحفية، فإنه كان كثيرا ما يقدم مفاتيح لتفسير ألغاز شخصيته. ففي كتاب «أيها الشاب» يصف ميتران رئيس الوزراء في حكومة فيشي بيير لافال بأنه «كان غنيا وقويا لانه لم يؤمن بشيء طيلة حياته». وقال لالكاباك ان «اللامبالاة هي أهم صفات (رجل السياسية)، القدرة على الاحتفاظ بمسافة تفصله عن وحشية الاحداث»، غير أن هذا لم يحم ميتران في النهاية من أن تلاحقه الاحداث بوحشية. الوكالات