بيان الاربعاء: قدم الدكتور عبدالعزيز عوض الله رئيس قسم اللغة التركية بجامعة الازهر مؤخرا دراسة بعنوان «قضية الحجاب في تركيا» قدم من خلالها تحليلات متعمقة من خلال معايشته للمجتمع التركي. والمعروف ان قضية الحجاب من القضايا الحساسة في تركيا التي فرضت نفسها على الساحة التركية منذ عام 1989 واحدثت انقساما في المجتمع بين مؤيد ومعارض وطالت بعض رؤساء الحكومات. ولعل أكثر قضايا الحجاب إثارة في تركيا قضية نائبة البرلمان مروة قاوقجى التى تعتبر أول نائبة تدخل البرلمان التركى وهي محجبة والتي انتهت بفصلها من البرلمان يبدأ الباحث دراسته بقصة حقيقية وقعت في تركيا في عام 1993 أثناء إفتتاح مجلس الأمة التركي وأثناء تأدية النواب القسم وتبادل التهاني حيث ساد الصمت الجميع فجأة وتوجهت الأنظار إلى سيدة محجبة دخلت البرلمان، وبعد فترة قصيرة من الصمت والدهشة انقسم النواب إلى فريقين : الأول : يصفق إستحسانا والآخر يضرب بيده المقاعد استهجانا لوجود سيدة محجبة داخل البرلمان . وبناء على هذه الواقعة تؤكد الدراسة أن الحجاب قسم تركيا إلى فريقين أحدهما مناصر للحجاب والآخر معاد له مشيرة إلى وجود استغلال للقوانين وتفسيرها بما يخدم أهداف شخصية للمعارضين للحجاب بالإضافة إلى عدم الفهم الدقيق للدين الإسلامي من جانب المدافعين عنه . ويشير الباحث إلى أن الإنقسام الذى حدث في البرلمان التركي إزاء الحجاب يجسد الواقع التركي حيث ينقسم الشعب التركى إلى فريقين أحدهما مع الحجاب لكن هنالك تفسيرات وتأويلات للقوانين هي التى جعلت تركيا تقف هذا الموقف من الحجاب ولذلك فإن الصحف التى تناصر الحجاب تكتب دائما وتقول لايوجد قانون وإنما يوجد تفسير يمنع الحجاب . المحكمة الدستورية ويوضح الباحث أن المحكمة الدستورية فصلت في كثير من القضايا الخاصة بالحجاب وإنتهت فيها إلى الحكم بعدم تأييد الحجاب وهي في ذلك لا تستند إلى القوانين وإنما تسند إلى تأويلات خاصة لهذه القوانين فعلى سبيل المثال بالنسبة للنائبة مروة قاوقجى والتى ثار ضدها البرلمان التركي لأنها دخلت إلى قاعة البرلمان وهى محجبة ناقش مجلس الأمن التركى هذه القضية واتخذ قرارا بمنع إرتداء الحجاب داخل البرلمان وقال في قراره إن هذه النائبة خالفت لوائح المجلس التى تحدد شخصية العضو من حيث المظهر والسلوكيات وما يجب عليه. فعلى سبيل المثال تمنع لوائح مجلس الأمة التركى على المرأة إرتداء (الميني جيب ) أو المبالغة في المكياج وتمنع كل ما يسئ إلى عضو المجلس أو يقلل من هيبته واحترامه . لكن لا توجد أية مواد تشير إلى الحجاب سواء بالموافقة عليه أو منعة لذلك لجأ الاتراك للتخلص من هذه القضية إلى حيلة أخرى حيث اكتشفوا أن مروة قاوقجى مزدوجة الجنسية فهى تجمع بين الجنسيتين التركية والأمريكية وتم فصلها على هذا الأساس . وهكذا انتهت القضية. وتذكر الدراسة حقيقة أخرى وهى أن مروة ليست النائبة الأولى التى ترتدى الحجاب في تركيا وإنما هناك كثيرات من النائبات يرتدين الحجاب وينتمين إلى مختلف الأحزاب التركية لكنهن بمجرد دخول البرلمان لحضور الجلسات يخلعن حجابهن ولكن مروة كانت النائبة الأولى التي تجرأت ودخلت المجلس وهى محجبة . عدم الفهم وتوضح الدراسة وجود نوع من عدم الفهم لتعاليم الإسلام حتى لدى الذين يدافعون عن الحجاب فهم يقولون مثلا إن الحجاب رمز إسلامى وهذا خطأ لأن الحجاب فريضة وجزء من العقيدة الدينية .وهؤلاء شأنهم شأن الأوروبيين الذين يرون أن الحجاب رمز ديني ولذلك يرفضونه على أساس أن القوانين تمنع العنصرية سواء بالإشارة إلى الدين أو إلى الجنس والعرق مشيرة إلى أن الحجاب هو حق من حقوق الإنسان وينطوي تحت مبدأ حرية الفرد وحرية الإعتقاد التى أرستها الاتفاقيات العالمية في هذا الشأن. ويشير الباحث إلى أن قضية الحجاب لم تكن موجودة أصلا في تركيا حتى قيام الجمهورية في عام 1923 ولكن بدأت المشكلة منذ عام 1926 بإشارات ضمنية من كمال أتاتورك توحي بأن الحجاب يسبب ضيقا للسيدات خاصة عند إرتفاع درجات الحرارة وكان يرى أن المحجبة تستطيع التخلي عن حجابها إذا أرادت فبدأ حكام بعض الولايات يتحمسون لهذه الفكرة وأصدروا قوانين تمنع إرتداء الحجاب، وكان أول هؤلاء حاكم ولاية طرابزون في عام 1926 وبدأت سلسلة من الممارسات لمضايقة المحجبات مثل القبض عليهن لتبين شخصياتهن وقد ووجهت هذه الممارسات باحتجاجات عنيفة، فظلت الأحوال على ما هي عليه حتى الستينيات عندما انتشرت الجامعات وبدأت الفتيات يلتحقن بالكليات المختلفة وحدث أن منع أحد الأساتذة الطالبات المحجبات من دخول المحاضرات، وقد آثار ذلك الشعب التركى فنظمت المظاهرات والاحتجاجات فعاد الأمر إلى ما كان عليه وتركت الحرية للمرأة لترتدى أولا ترتدى الحجاب . عقد التسعينيات لكن مشكلة الحجاب فرضت نفسها على الساحة التركية منذ عام 1989 وطوال عقد التسعينيات، وطالت هذه القضية رؤساء حكومات في مقدمتهم مسعود يلماظ الذى ناصر الحجاب لكن مجلس الأمن القومى مارس ضغوطا عليه فتراجع عن موقفه. أما نجم الدين أربكان فقد ناصر الحجاب بطريقة لم يسبق لها مثيل لدرجة أن بعض الوزراء أثناء توليه مسئولية الحكومة سمح للمحجبات بالعمل رغم أن القوانين التركية تمنع ذلك . ويؤكد الباحث أن قضية الحجاب في تركيا تخبو في فترات وتبرز على الساحة في فترات آخرى خاصة عندما تكون هناك استفزازات من بعض المسئولين أو إتخاذ قرار بمنع دخول المحجبات في إحدى المؤسسات وكذلك في الفترات التى تناصر فيها الحكومة الحجاب كما حدث في عهد أربكان فإن المعارضين للحجاب يدافعون عن وجهة نظرهم . ويرى أن تلك المشكلة ليست غريبة على تركيا لأن الجمهورية قامت على أسس علمانية وهذه الأسس إذا كانت ملائمة لظروف وأوضاع المجتمعات الغربية فإنه ليس بالضرورة أن تكون ملائمة للمجتمعات الشرقية ذلك أن المجتمع الغربى يختلف تماما عن المجتمع الإسلامي فالعلمانية لا تستقيم مع المجتمع الشرقى المسلم لإختلاف الأفكار والعادات والتقاليد والمعتقدات . بالإضافة إلى أنها فرضت على تركيا بواسطة بعض الأشخاص والتيارات ولا يجوز لنا أن نطبق كل ما يأتى من الغرب لأن ما يحقق نجاحا في الغرب قد لا يحقق هذا النجاح في الشرق بدليل أن قضية الحجاب لاتزال موجودة في تركيا منذ قيام الجمهورية في عام 1923 وحتى الآن وهذا يدل على وجود خلل في المجتمع التركى يتجسد في وجود تيارات عديدة بعضها ينغمس في العلمانية ويدعو إلى التقليد الأعمى للغرب وبعضها يدعو إلى التمسك بالإسلام وتعاليمه. مكاسب أتاتورك وترجع الدراسة حساسية قضية الحجاب في تركيا إلى أن السلطة تؤمن بأن الحجاب ضد الدولة وضد المكاسب التى حققتها الثورة التركية وتؤمن أيضا بضرورة الإبقاء على كل ما ورثه الأتراك عن أتاتورك وترى أن الحجاب يطيح بكل ذلك وترفض كل الممارسات التى تقوم على أساس ديني أو تؤدى إلى إحداث الفرقة بين فئات الشعب التركي مشيرة إلى أن هذه الحساسية ضد كل ما هو إسلامي وليس ضد الحجاب فقط فتركيا مثلا كانت وراء تسمية منظمة المؤتمر الإسلامى بهذا الإسم لأنها اعترضت على تسمية منظمة الدول الإسلامية بحجة إنها دولة علمانية رغم أن 99% على الأقل من الشعب التركي مسلمون . ويشير الباحث إلى أن هذه المشكلات ترجع إلى سبب أساسى وهو أن الجمهورية التركية قامت على تحديث تركيا من خلال الأخذ بالنظم الغربية وآمنت تركيا أن الارتباط بالشرق هو سبب تأخرها وتخلفها وأن ارتباطها بالغرب يدفعها إلى التقدم موضحا أن التشدد التركى ضد الحجاب يرجع إلى أن المسئولين الأتراك يؤمنون بأن الحجاب خطوة سوف تعقبها خطوات أخرى وأنه محاولة لإختراق العلمانية وإجراء ضد المكاسب التى حققتها الجمهورية التركية . ويضيف أنه رغم كل ذلك فإن الحجاب منتشر بين أغلبية الشعب التركى فعلى سبيل المثال كل السيدات وفتيات الأناضول وهن يمثلن 95% من مساحة تركيا محجبات ويرتدين زيا خاصا أقرب إلى الحجاب وأبعد ما تكون عن التبرج بل أن المغالين في العلمانية نجد أمهاتهم ـ خاصة مع التقدم في السن ـ محجبات لدرجة أنه يقال ان زوجة أتاتورك كانت محجبة وكذلك أمه والأزياء الشعبية التركية المتوارثة بطبيعتها محجبة أما التبرج والفرنجة فهذا أمر طارئ جاء نتيجة لتقليد المجتمعات الأوروبية . وتؤكد الدراسة أن وسائل الاعلام والأعمال الدرامية التركية لا تتبنى إتجاها مع الحجاب أو ضده وإنما تقدم الواقع التركى وتجسد الشخصيات كما هي موجودة بالفعل فعلى سبيل المثال من المستحيل أن تقدم الدراما سيدة متقدمة في السن ولا تغطى شعرها أو أن تقدمها في صورة غير محترمة وفي نفس الوقت تقدم نماذج للمرأة المتبرجة التي تقلد المرأة الأوروبية كما هي في الواقع