بيان الاربعاء:شهدت العلاقة بين أضلاع المثلث التركي العراقي السوري تقاربًا ملحوظًا في الآونة الأخيرة وإن كان بدرجات متفاوتة ويبدو هذا التقارب واضحًا في بعض المظاهر السياسية والاقتصادية بين الدول الثلاث ، (كل دولتين على حدة)، ويقف وراء ذلك التقارب مجموعة من الدوافع السياسية والاقتصادية وإن كانت الأولى هي الأكثر أهمية وتأثيرًا رغم أن الدوافع الاقتصادية تلعب دورًا هامًا بخصوص تقارب تركيا مع العراق وكذلك وإلى حد ما بخصوص تقارب سوريا مع العراق أيضًا . غير أن ذلك التقارب الملحوظ لم يؤد إلى معالجة العديد من الملفات الساخنة والتي لا تزال عالقة بين أضلاع المثلث وهذه الملفات قد تكون بين دولة وأخرى وقد تشترك فيها دولتان (سوريا والعراق مثلاً) في مواجهة الدولة الثالثة (تركيا) والمقصود هنا الملف المائي بين الدول الثلاث . اخذ التقارب بين دول المثلث الثلاث أشكالاً سياسية وأخرى اقتصادية وقد كانت المظاهر الاقتصادية هي الأوضح على اعتبار أن العلاقات السياسية وخاصة الدبلوماسية لم تكن على المستوى المطلوب وإنما كانت مقطوعة إلى ما قبل فترات قريبة ولذلك كان التركيز على المظاهر الاقتصادية خاصة وأن العراق في ظل برنامج النفط مقابل الغذاء في حاجة لاستيراد احتياجاته من الدول المحيطة به كما أنه حاول توظيف تلك المظاهر لدفع هذه الدول نحو مساعدته في كسر الحصار المفروض عليه. أ- المظاهر السياسية : أخذت المظاهر السياسية للتقارب بين سوريا وتركيا جانبًا واضحًا خاصة بعد توقيع اتفاق أضنة بين الطرفين في عام 1998 والذي توقفت بموجبه سوريا عن دعم حزب العمال الكردستاني وقد توالت الزيارات المتبادلة بين المسئولين الأتراك والسوريين من أجل دعم العلاقات الثنائية وقد كان حضور الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر جنازة الرئيس الراحل حافظ الأسد أكبر الأثر لدى المسئولين السوريين وقد جاءت زيارة نائب الرئيس السوري في نوفمبر الماضي لتركيا لتعبر عن الرغبة السورية الصادقة لفتح صفحة جيدة من العلاقات خاصة بعد أن أعلنت تركيا التزام دمشق المطلق ببنود اتفاقية أضنة الأمنية وهو ما كانت أنقرة تشترطه للبدء في الحوار مع دمشق وبناء عليه اقترحت الحكومة التركية إبرام «إعلان مبادئ» بين الدولتين ينظم طبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية بينهما . وفي هذا السياق أعلن في دمشق مؤخرًا عن تشكيل لجنة برلمانية للصداقة بين سوريا وتركيا بالتزامن مع الإعلان في أنقرة عن تشكيل مجلس أعمال تركي سوري مشترك في الوقت الذي قام فيه وفد إعلامي سوري ضخم بزيارة إطلاعية إلى تركيا، وفي ضوء ذلك التطور في مستوى العلاقات أشار فاروق الشرع وزير الخارجية السوري إلى أن علاقات بلاده مع تركيا وصلت إلى مستوى جيد على مختلف الصعد كما أشار الشرع إلى موضوع المياه والسيادة وأكد أنه يجب أن يحترم كل طرف سيادة الطرف الآخر كما أكد على أنه من الممكن تطوير العلاقات السورية التركية دون شروط مسبقة حيث أن ذلك الأمر سينعكس بشكل إيجابي وتلقائي على موضوع الحدود الذي يمكن إيجاد حل له خلال بضعة أعوام وتكشف تصريحات الشرع أن بلاده قد لا تجعل موضوع الحدود (ميناء الأسكندرونة)عقبة في طريق تطوير العلاقات مع تركيا. وعلى الصعيد التركي ـ العراقي تمثل التقارب في إعلان تركيا عن عزمها رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي التركي في العراق إلى درجة سفير وهو ما يعد أبرز مظاهر التقارب السياسية بين العراق وبعض القوى الإقليمية منذ حرب الخليج الثانية، ومن جهة أخرى أشارت بعض المصادر إلى مدى حرص أنقرة على استقرار الاوضاع الحالية بالعراق وترفض المشاركة في أية محاولة لتغيير نظام الحكم ذلك أن أية محاولة للإطاحة به ستؤدي إلى شيوع حالة من الفوضى السياسية في العراق الأمر الذي يساعد على بزوغ الحركات الانفصالية خصوصًا في الشمال حيث كردستان العراق وهو ما يشكل إزعاجًاسياسيًا هائلاً بالنسبة لتركيا التي يشكل الأكراد فيها معضلة حقيقية بالنسبة لها حيث تحوي في داخل أراضيها أكبر تجمع كردي في العالم . وعلى الصعيد السوري العراقي فلم تصل مظاهر التقارب السياسي بين الدولتين مستوى دبلوماسيا عاليا بل اقتصر على وجود شعبة مصالح عراقية في دمشق تحت العلم الجزائري ومؤخرًا أعلنت السلطات السورية عن عزمها افتتاح مكتب رعاية مصالح في بغداد، وإلى جانب ذلك تمثل الزيارات المتبادلة بين الطرفين أهم مظاهر التقارب السياسي حيث لم تتوقف تلك الزيارات منذ سنتين وكانت دائمًا تتوج باتفاقات جديدة ترفع من سقف التعاون الثنائي بين دمشق وبغداد ورغم أن جميع الاتفاقات قد ارتدت طابعًا اقتصاديًا إلا أن مغزاها السياسي لم يخف على أحد، ولا شك أن زيارة نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان الأخيرة لدمشق تمثل أهم مظاهر التقارب السياسي في الآونة الأخيرة . سوريا تركيا العراق شهدت العلاقات الاقتصادية على الصعيد السوري التركي تقاربًا ملحوظًا تمثل في عقد أول اجتماع للجنة السورية التركية المشتركة منذ 12 عامًا، كما طرحت تركيا مد أنبوب غاز سوري من الجنوب يكمل الحلقة التي تشتمل على أنابيب غاز ونفط من روسيا وإيران في مقابل خط لنقل المياه العذبة من تركيا إلى سوريا، إضافة إلى ذلك فقد زاد حجم التبادل التجاري بين الدولتين من 540 مليون دولار إلى نحو مليار دولار ومنع الازدواج الضريبي وتسهيل النقل والمواصلات وفتح الطريق أمام المستثمرين وحماية الاستثمارات المشتركة . وعلى الصعيد التركي العراقي فقد كانت مظاهر التقارب الاقتصادية بين الدولتين واضحة وشهدت تطورات تجارية مهمة منذ ديسمبر عام 1996 بعد تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء حيث ارتفعت الصادرات التركية إلى أرقام جديدة وصلت إلى 50% عما كانت عليه قبل تنفيذ هذا البرنامج وهو ما أحدث انتعاشًا اقتصاديًا واضحًا في المناطق التركية المتاخمة للحدود مع العراق ويرى البعض أن الجانب التركي كان أكثر تحمسًا في تسريع درجة التطور في العلاقات مع العراق ومن المؤشرات على ذلك إلحاح أنقرة على تشغيل خط سكك حديد الموصل والمدن التركية مرورًا بالأراضي السورية الذي يتوقع المراقبون أن يغير المعادلة التجارية في المنطقة بصورة كبيرة بعيدًا عن سيطرة الجماعات الكردية العراقية التي تأخذ رسومًا معروفة على الشاحنات التي تعبر الحدود عبر نقطة (إبراهيم خليل) . وفي خطوة تجاه تعزيز العلاقات بين بغداد وأنقرة شارك وزير الدولة التركي المسئول عن شئون التجارة الخارجية في فعاليات معرض بغداد الدولي التجاري الصناعي الذي عقد في نوفمبر 2000، كما تم الاستعداد لزيادة طاقة خط أنابيب كركوك يومورتاليك الذي ينقل البترول العراقي إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط وكان هذا الخط يعمل بثلث طاقته فقط بسبب قصف الطائرات الأمريكية بعض محطات الضخ العراقية عام 1998، وعلى جانب آخر أعلنت أنقرة أيضًا عن عزمها فتح بوابة حدودية تجارية ثانية مع العراق بما يسهل وينشط حركة التجارة بين البلدين خصوصًا وأن أنقرة تتطلع إلى رفع قيمة التبادل التجاري بين البلدين إلى أكثر من 500 مليون دولار كما سعت تركيا أيضًا إلى تنشيط حركة النقل الجوي مع العراق فأوفدت أربع طائرات مدنية محملة بالمساعدات الإنسانية والمواد الطبية إلى بغداد كما شجع الرئيس التركي خطوات رجال الأعمال الأتراك للعمل داخل السوق العراقي، واستعدادًا لمرحلة ما بعد الحصار شرعت أنقرة في تزويد هيئة الطيران المدني العراقية بأجهزة ومعدات فنية بالإضافة إلى تدريب الفنيين العراقيين على استخدام هذه الأجهزة والمعدات على أن تحصل تركيا في المقابل على خدمات مجانية لطائراتها المدنية في مطار بغداد . وعلى الصعيد العراقي السوري كان التقارب الاقتصادي واضحًا وظاهرًا للغاية فبعد المبادرة السورية عام 1997 بفتح الحدود مع العراق أمام رجال الأعمال والمسئولين من البلدين لبدء عمليات تبادل تجاري بينهما في إطار برنامج النفط مقابل الغذاء والعلاقات بين البلدين تشهد عامًا بعد عام مزيدًا من التطور والتحسن ففي عام 1998 تم افتتاح مكتبين تجاريين في كل من دمشق وبغداد كما وقع الطرفان اتفاقا لإصلاح خط أنابيب النفط الذي يربط حقول كركوك في شمال العراق بميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، وفي عام 1999 تم افتتاح مكتب رعاية المصالح في دمشق وفي عام 2000 بدأ تشغيل خط السكك الحديدية بين حلب والموصل وأعيد فتح مكتب الخطوط الجوية العراقية في دمشق وكذلك تم تشكيل لجنة سورية لرفع الحصار عن العراق تحت غطاء الجمعيات الأهلية بموافقة السلطات السورية . ومن مظاهر التقارب الاقتصادي الأخرى بين البلدين انعقاد اللجنة الاقتصادية المشتركة بعد توقف دام نحو عشرين عامًا حيث جرى بحث تسهيل حركة انتقال التجارة عبر الأراضي السورية وزيادة التبادل التجاري من 450 مليون دولار إلى نحو مليار دولار سنويًا وزيادة استخدام الموانئ السورية لتوريد السلع من أوروبا إلى العراق، وكانت مصادر عراقية قد أعلنت أن بغداد تنوي تصدير 300 ألف برميل من النفط الخام يوميًا عبر خط أنبوب النفط السوري العراقي إلى سوريا بأسعار مخفضة وهو الأمر الذي يتيح لدمشق رفع كمية صادراتها النفطية مما يوفر لسوريا نحو مليون دولار يوميًا . وإلى جانب ما سبق فقد تم الاتفاق على إقامة مصانع عراقية سورية مشتركة تكون مهمتها ليس فقط إشباع حاجة البلدين من بضائع معينة وإنما في إطار تصدير هذه البضائع أيضًا وإيجاد منافذ لحركة الترانزيت عبر العراق بالاستفادة السورية من الموانئ العراقية على الخليج العربي، وجاء التطور الأهم على صعيد العلاقات بين الدولتين في الاتفاق الموقع أخيرًا بين سوريا والعراق على إنشاء منطقة للتبادل التجاري الحر وهو ما اعتبره البعض تكريسًا لنوع جديد من العلاقات بين دمشق وبغداد يمكن اعتباره أحد المتغيرات المهمة في المشهد السياسي العربي . دوافع التقارب كما سبق الإشارة فإن هناك مجموعة من الدوافع السياسية والاقتصادية وراء التقارب الحادث بين أضلاع المثلث وكما سيتضح فيما يلي فإن الدوافع السياسية كان لها النصيب الأكبر في حدوث تقارب بين الدول الثلاث حيث أرادت كل دولة أن تحقق مجموعة من الأهداف السياسية من خلال تقاربها مع الدولتين الأخريين : إلا أن ذلك لايعني عدم وجود دوافع أو أهداف اقتصادية فهذه الأخيرة موجودة وإن كانت ليست بمثل الدوافع السياسية . الدوافع السياسية كانت الدوافع السياسية هي الأساس في حدوث تقارب سوري تركي .. و يمكن القول في البداية أنه توجد دوافع سياسية مشتركة بين البلدين تدفع نحو التقارب وهذه الدوافع تتمثل في الرغبة المتبادلة في إيجاد مصالح مشتركة وخاصة المصالح التجارية والاقتصادية كما تتوفر أيضًا الإرادة السياسية والرغبة المشتركة لفتح صفحة جديدة بين البلدين خاصة بعد إعلان الجانب التركي أن دمشق قد التزمت تمامًا بما جاء في اتفاق أضنة الأمني الموقع في عام 1998 وأن السلطات السورية قد توقفت عن دعم حزب العمال الكردستاني، إلى جانب ذلك فإن التغيرات الداخلية التي يشهدها البلدان ومراجعة كل بلد لسياسته وإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واسعة بحثًا عن التحديث والتنمية والنمو .. ومع هذا التوجه بدأ كل طرف يكتشف أهمية الآخر، كما أن انتهاج كل بلد في السابق سياسة أمنية مغايرة لم يعد بمثابة جوار يحول دون حل المشكلات الخلافية وعليه فإن البلدين يعتقدان الآن أن الأزمات السابقة التي وقعت وكادت أن تشعل حربًا بينهما لم تكن تحصل لولا عدم معرفة كل طرف بالآخر وبسبب القطيعة السياسية بينهما . إلى جانب هذه الدوافع المشتركة توجد دوافع خاصة بكل دولة فتركيا لا تخفي حاجتها الماسة للانفراج السياسي والأمني والاقتصادي مع سوريا ولأهميتها في المنطقة فسوريا تحد إسرائيل في الشمال وهي بوابة الانفتاح على الدول العربية عمومًا .. ذلك أن مشكلة المياه ومواقف تركيا من إسرائيل كانت دومًا بندًا دائمًا على جدول أعمال مجلس الجامعة العربية مما يقلق المسئولين الأتراك الذين يسعون إلى تحسين علاقاتهم بالعرب، وفي هذا السياق يرى البعض أن تركيا بدأت تنظر بعين القلق إلى عملية السلام على المسار السوري الإسرائيلي حيث أن الجمود القائم ينعكس بالسلب على علاقاتها بالدول العربية وربما كانت ـ أي تركيا ـ ترى في إعادة الوصل مع سوريا فرصة لتعزيز دورها الإقليمي وحل مشكلات المياه والخلافات الحدودية بمعزل عن رواسب الصراع العربي الإسرائيلي، ومن جهة أخرى قد يكون التقارب التركي إزاء سوريا ضمن خطة تركية وقائية لتعطيل مشاريع الصدامات مع الخارج خاصة مع الجوار العربي في ظل المحاولات الأمريكية والإسرائيلية لتأجيج الحروب المائية في المنطقة رغبة في إقحام تركيا في التسويات المائية المقترحة للسلام العربي الإسرائيلي، من جهة أخرى يرى فريق آخر أن التقارب التركي إزاء سوريا ناتج عن خيبة آمال الأتراك من تحالفهم مع إسرائيل حيث أن ذلك التحالف لم يأت بالنتائج المتوقعة من حيث المردود التكنولوجي على عكس تمنيات المؤسسة العسكرية، كذلك لاحظ المسئولون الأتراك أن الدول الأوروبية تقترب أكثر فأكثر من الدول العربية لتحقيق الاستفادة الممكنة من السوق العربي في الوقت نفسه الذي كانت تركيا تتجه بعلاقاتها نحو تل أبيب وعلى حساب محيطها العربي والإسلامي ومن دون أي فائدة تذكر . ـ وعلى الجانب السوري يمكن القول أن أهم دوافع التقارب إزاء تركيا هو رغبة العهد الجديد في التفرغ للحلف الداخلي وإعطائه حقه من الوقت والمتابعة وأيضًا الرغبة في تحييد تركيا إن لم يكن محاولة كسبها في موضوع الصراع مع إسرائيل خصوصًا وأن الجفاء السابق أسهم إلى درجة ما في توقيع تركيا اتفاقاتها العسكرية مع إسرائيل . أما بالنسبة للدوافع السياسية على الصعيد التركي العراقي فيمكن القول أن مظاهر التقارب الأخيرة وخاصة السياسية والمتمثلة في إعلان أنقرة عزمها تعيين سفير لها في بغداد قد يرجع كما أشار البعض إلى الأزمة الأخيرة التي تخيم على العلاقات التركية مع كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب قضية الإبادة الجماعية ضد الأرمن والتي أثيرت داخل برلمانات دول الاتحاد وتكاد تصدر قوانين من تلك البرلمانات تدين الإمبراطورية العثمانية بسبب ممارستها الإبادة الجماعية ضد 1.5 مليون أرمني بعد الحرب العالمية الأولى، كما تطالب تلك القوانين تركيا بالاعتراف بهذا الأمر باعتبارها وريث الإمبراطورية العثمانية وقد بلغت الأزمة ذروتها عندما اعتبر الاتحاد الأوروبي اعتراف تركيا بممارسة الدولة العثمانية بالإبادة الجماعية ضد الأرمن شرطا إضافيا إلى جانب الشروط التي تم تحديدها مسبقًا لقبول عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي، وأمام هذا الأمر حاولت تركيا التصدي للمواقف الأوروبية والأمريكية ضدها الأمر الذي دفعها لاتخاذ مواقف وإجراءات تشكل تهديدا لتلك الدول فهددت تركيا بتعزيز علاقاتها مع العراق وتقوية التعاون الاقتصادي والتجاري والسياسي معها، وعلى الصعيد العراقي فيمكن القول أن الدافع الأساسي في تقاربه مع تركيا دفع تركيا للمساهمة في كسر الحصار المفروض علية وفي هذا السياق تحاول بغداد إقناع أنقرة بتنفيذ المادة 50 من ميثاق الأمم المتحدة التي تبيح لتركيا بوصفها إحدى الدول المتضررة من الحصار التعامل مع العراق خارج قرارات الأمم المتحدة. بين بغداد ودمشق ـ وعلى الصعيد العراقي السوري تبدو الدوافع السياسية ذات تأثير كبير وإن كانت الدوافع الاقتصادية تلعب دوراً ـ كما سيتضح لاحقًا ـ، وبداية يمكن القول أن العلاقات السورية العراقية يحكمها في الوقت الحالي اعتباران : الأول : هو المعطيات الإقليمية التي تحكم سوريا في علاقاتها مع دول الخليج وخاصة الكويت . فضرورة الحفاظ على ما يربط سوريا بتلك الدول يستدعي توازنًا في تعاملها مع العراق، أما الاعتبار الثاني : وهو المعطيات الدولية فهي مرتبطة بالتكوين الدولي وخصوصًا الموقف الأمريكي من الحصار .. فالمواقف السورية التي اعتبرت خرقًا للحظر المفروض على العراق جاءت في المستوى الإنساني دون إعطاء موقف سياسي لهذا الأمر، ورغم تلك الاعتبارات إلا أنه توجد مجموعة من الدوافع المشتركة بين سوريا والعراق لتحقيق نوع من التقارب بينهما وأبرز هذه الدوافع : ـ الابتعاد الملحوظ من كليهما عن المضمون الأيديولوجي لخطابهما السياسي والإعلامي وتغليبهما السياسي على الأيديولوجي والمصالح المشتركة على غيرها من عوامل اختلاف باتت جزءًا من الماضي . ـ الخطر الإسرائيلي الماثل أمام البلدين إضافة إلى الضغوط التركية عليهما خاصة بعد إنجاز التعاون التركي الإسرائيلي العسكري وهو التعاون الذي تم تفسيره عربيًا أن الغاية منه إحداث جغرافية إقليمية الأمر الذي سينعكس سلبًا على العراق خوفًا من التجزئة وعلى سوريا المنشغلة صراعًا وسلمًا مع إسرائيل، ومن جهة أخرى يرى البعض أن هذا الخطر يبدو حقيقيًا في ضوء رؤية إسرائيل لسوريا كقوة عربية ذات موارد ويمكن أن تلعب دورًا ولو مستقبلاً ـ في حشد وتجميع كل القوة العربية التي تهدد بقاءها، أما تركيا فإنها ترى في كل من سوريا والعراق جارتين تزاحمانها في اقتسام نهري دجلة والفرات. و بالإضافة إلى هذه الدوافع المشتركة توجد دوافع خاصة بكل دولة .. فالعراق مثلاً بلد يخضع لحصار دولي منذ ما يقرب من 10 سنوات لذلك من الطبيعي أن يتطلع نحو جيرانه من أجل المساعدة في الخروج من مأزقه، وبالتالي فهو يتطلع إلى سوريا طالما أنها ملكت مفاتيح مهمة تجسدت بعلاقات جيدة مع كل من إيران ومصر إضافة إلى السعودية وباقي دول الخليج، وعلى ذلك فإن بغداد وعبر رؤيتها هذه للموقع الذي تحتله سوريا أرادت منها أن تكون منفذًا ومعبرًا تجاه لبنان والبحر المتوسط وعلى ذلك يمكن القول أن العراق يأمل في دفع سوريا نحو المساعدة في كسر الحصار المفروض عليه على اعتبار أن سوريا تصلح لكي تكون «بوابة» العبور له ومما يؤكد ذلك أن سوريا أصبحت محطة لعبور المسئولين العراقيين إلى الخارج بدلاً من الأردن، ومن جهة أخرى تتطلع بغداد أيضًا إلى توفير منافذ تصدير جديدة وخلق بدائل طرق سعيًا إلى استخدام هذه البدائل كورقة ضغط كلما اقتضت الحاجة ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى أن العراق يمكن أن يستخدم تلك الأوراق في تعامله مع تركيا والمثال على ذلك تشغيل خط أنابيب كركوك بانياس لنقل النفط العراقي الذي يعد عاملاً لتخفيف الضغط التركي على العراق مما سيضطر أنقرة لإعادة النظر في موقفها من بغداد . أما بالنسبة للدوافع السياسية السورية للتقارب مع العراق فيمكن القول أن الوضع المتجمد في عملية السلام ثم الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان وما خلفه من خلخلة في خريطة التوازنات السورية إقليميًا قد جعل دمشق تدرك أهمية الاقتراب من العراق كأسلوب لإعادة التوازن الجيوبولتيكي في المنطقة . وقد يكون ذلك التقارب بداية للتلويح بتفعيل سياسة المحاور (دمشق ـ بغداد ـ طهران) فيما لو سارت عملية التسوية في طريق مسدود، وفي هذا السياق قد يرى البعض أن تقارب سوريا مع العراق ما هو إلا مجرد ورقة تستخدمها دمشق في إطار مشروع التسوية حيث أنها تحتاج لتفعيل أكبر لدورها الإقليمي ويبدو أن هذا التفسير قد صار ضروريًا لكل من سوريا والعراق ولجميع الدول العربية لأن قيمته لا تقف عند مجرد عودة علاقات بين بلدين وإنما لأن امتداداته الجغرافية (إيران) مضافًا إليها انفراج و لو محتمل مع تركيا ربما يجعل طريقة التعاطي الإسرائيلية مع ملف السلام تأخذ في الحسبان العمق القومي والبعد الإقليمي للدول العربية المتفاوضة . الدوافع الاقتصادية قد لا تكون الدوافع الاقتصادية ذو تأثير كبير في إحداث عملية التقارب بين الدول الثلاث إلا أن تلك الدوافع قد لعبت دورًا كبيرًا كما في حالة تقارب تركيا تجاه العراق وإلى حد ما تقارب سوريا تجاه العراق وبالنسبة للحالة الأولى كانت الخسائر الاقتصادية التي تحملتها تركيا جراء الحصار المفروض على العراق دافعًا نحو تقاربها مع العراق في محاولة لتعويض جزء ولو بسيط من تلك الخسائر حيث أكدت مصادر تركية أن قيمة الخسائر تزيد على 30 بليون دولار خلال السنوات العشر الماضية وهو رقم لا يستبعده البعض خاصة أن العراق يعتبر رابع أكبر شريك تجاري لتركيا، وأما الحالة الثانية فإن سوريا ترغب أيضًا في تحقيق استفادة اقتصادية من تقاربها مع العراق تساعدها في إنعاش الاقتصاد المتعثر وقد يكون ذلك من خلال الحصول على النفط العراقي وكما سبق الإشارة ثم إعادة بيعه والاستفادة بفارق السعر أيضًا يمكن تعريف السلع والبضائع السورية في الأسواق العراقية، فضلاً عن ذلك فإن هناك دوافع اقتصادية أخرى أهمها الحدود المشتركة ووجود حركة مرور سهلة وخدمات للاتصالات وكذلك خط نقل القطارات بين مدينتي الموصل العراقية وحلب السورية . ملفات ساخنة رغم مظاهر ودوافع التقارب السابقة بين أضلاع المثلث التركي السوري العراقي إلا أن هناك ملفات ساخنة ما زالت عالقة بين الدول الثلاث سواء ما بين كل دولة وأخرى أو بين من جهة والدولة الثالثة من جهة أخرى . فعلى الصعيد السوري التركي يمكن إجمال الملفات الساخنة بين الدولتين بسبعة على الأقل وهي ملف لواء الأسكندرونة الذي تطالب سوريا باسترداده من تركيا وملف المياه وهو مشترك بين كل من تركيا وسوريا والعراق ـ ملف ضريح سليمان وهو أحد أجداد العثمانيين والموجود قبره بالأراضي السورية وتحرسه سرية عسكرية تركية وملف التهريب والتجارة حيث يبلغ حجم التجارة غير المشروعة بين الطرفين أكثر من 500 مليون دولار سنويًا وملف الموقف من القضية القبرصية واليونان وملف الحلف مع إسرائيل . أما الملفات العالقة بين العراق وتركيا فهي متعددة أيضًا وأبرزها إقرار البرلمان التركي بتمديد استخدام المقاتلات الأمريكية البريطانية لقاعدة انجرليك التركية لمدة سنة أخرى وهو ما يسمح لتلك المقاتلات بالقيام بشن الغارات على الأراضي العراقية، وقد اعتبرت العراق ذلك الأمر بمثابة إساءة إلى مبدأ حسن الجوار، وأما الملف الثاني فهو خاص بالتدخل التركي المتكرر في شمال العراق بغية مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني فقد سجلت بغداد على القوات التركية حتى أكتوبر الماضي أكثر من 75 خرقًا عسكريًا تركيًا للحدود العراقية والتوغل داخل الأراضي العراقية بأعماق وصل بعضها إلى أكثر من 20 كيلو مترًا، والملف الثالث هو اتهام بغداد أنقرة بأنها تستخدم سياسة المعايير المزدوجة وأنها تمول جماعات كردية وتركمانية في المنطقة غير الخاضعة الآن للسلطة المركزية في العاصمة العراقية في إشارة إلى العلاقات التركية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة مسعود البرزاني ومن ثم مع الحزب الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني . إلى جانب هذه الملفات يوجد ملف آخر أكثر سخونة وهو ملف المياه حيث تقف كل من سوريا والعراق في مواجهة تركيا بسبب هذا الملف حيث تتهم دمشق أنقرة بحجز معظم مياه نهر الفرات في أراضيها عبر مجموعة من السدود العملاقة في منطقة جنوب شرق الأناضول (مشروع الجاب) والمياه التي تسمح بتدفقها لا تكفي احتياجاتها واحتياجات العراق وتطالب سوريا بتوقيع اتفاقية بعيدة المدى لتقاسم مياه الفرات بينما تصر تركيا حتى الآن أن ما تسمح بتدفقه من المياه إلى سوريا (500 متر مكعب في الثانية) هي الكمية التي تحددها المواثيق الدولية وأن مشاريع السدود ضرورية لإنعاش جنوب شرق تركيا التي تعاني من الفقر، وفي هذا السياق ورغم تشكيل لجنة فنية مشتركة لبحث إمكانية تقسيم مياه الفرات بين تركيا وسوريا والعراق إلا أن تركيا تعرقل مجهودات تلك اللجنة حرصًا على إتمام مشروعاتها الرامية إلى إنشاء السدود والخزانات على نهري دجلة والفرات . في مواجهة ذلك الموقف التركي وقعت كل من سوريا والعراق على اتفاق يتضمن «التصورات لقسمة نهائية لمياه الفرات» بين البلدان الثلاثة التي يمر عبرها النهر (تركيا سوريا ـ العراق) حيث اتفق الجانبان على إعداد تصور حول قسمة ثنائية مرحلية لنهري دجلة والفرات فيما بينهما، وقد اعتبر هذا الاتفاق بين البلدين بمثابة الأسس المشتركة حتى تكون نواة للتباحث مع تركيا وصولاً إلى اتفاق نهائي لقسمة مياه نهري دجلة والفرات، ويعكس ذلك الأمر حرصًا سوريًا عراقيًا على تنسيق المواقف بخصوص قضية المياه تجاه تركيا وذلك في محاولة لدفع تركيا لتقسيم المياه فيما بين الدول الثلاث بصورة عادلة .أ خيرًا .. هل تستطيع الدول أضلاع المثلث أن تسوي ملفاتها الساخنة وتستمر في تقاربها وتحسين علاقاتها بما يحقق أهدافها .. أم أن تكون هذه الملفات عائقًا راسخًا في طريق أي تقدم في العلاقات بين الدول الثلاث وفيما يبدو وأن تلك الدول وخاصة سوريا قد تقدم على تحسين العلاقات مع تركيا أملاً في أن يدفع ذلك التحسن نحو تسوية الملفات الساخنة أو أن تتم معالجة بعض هذه الملفات في مقابل تجميد ولو بشكل مؤقت للبعض الآخر .. كأن تتم معالجة قضية المياه في مقابل تجميد قضية لواء الأسكندرونة لبضع سنوات