بيان الاربعاء:يرى بعض المفكرين الخليجيين ان العولمة الثقافية سيكون لها تأثير كبير على دول الخليج، نظرا لان معظم مجتمعات تلك الدول لاتزال مجتمعات محافظة لا تقبل بسهولة فكرة العولمة الثقافية وما يترتب على ذلك من انتشار ثقافة غربية، جديدة تحتوي على مجموعة من قيم التغريب والتحرر وانتشار اخلاقيات جديدة غريبة لا تتناسب مع الثقافة والعادات والقيم الثقافية والدينية والاجتماعية الخليجية، وهو ما يشكل بالطبع تهديدا مباشرا للهوية الخليجية العربية، وتثور تلك المخاوف من جراء ما يؤكده البعض من ان العولمة الثقافية تشكل اكبر تهديد تتعرض له الهوية، فالعولمة تفترض زوال القيود الوطنية عن الممارسات الثقافية وتدفق الافكار والمعلومات والقيم المعبرة عن انماط السلوك الغربية السائدة عبر الحدود والاقمار الصناعية لتمحو كافة الثقافات والحضارات التي تظهر كما لو كانت ثقافات بدائية أو قديمة. ويرى البعض ان العولمة كما ازالت الحدود بين الدول الاقتصادية فان تأثيرها المتوقع ان تزيل الحدود بين الثقافات، فهي شكلت بمعنى من المعاني اسهاما في تلاشي نوع من الثقافة الاقتصادية «الاشتراكية» وصعود ثقافة اخرى هي اقتصاديات السوق، كما انها ـ أي العولمة الثقافية ـ تعمل على فرض النموذج الثقافي التقني المتقدم الواحد حيث انها مصدر تسوية قيم الثورة التقنية العلمية وهي قيم تنزع نحو ضرب الاسس التي بنيت عليها الهوية التاريخية الخليجية العربية وهو ما يسلب تلك الهوية مقوماتها من نهج في المعرفة أو في القيم أو في غيرهما ويوقف الذاتية الثقافية عن الابداع والتطور، ومما يزيد الامر خطورة ان العولمة الثقافية لها خصوصية واضحة، فهي اكثر عشوائية أو اقل خضوعاً للتنظيم والرقابة قياسا إلى الابعاد الاقتصادية والسياسية، أو هي ابعد كثيرا عن امكانية التحكم فيها، كما انها اكثر انتشاراً وايسر مثالاً، وهي الشيء الوحيد الذي يمكن ان يقتحم المجتمعات دون رضاها أو دون استئذان أو رغماً عنها. ويبذل مروجو العولمة جهودا كبيرة لنشر العولمة الثقافية فهم يقومون بتحسين وسائل وانظمة الاتصال الدولية ويبتكرون تقنية وخدمات جديدة ويهيمنون على السوق الدولية للافكار والخدمات وذلك سعيا وراء التأثير على اسلوب الحياة والمعتقدات واللغة، بل وكل مكونات الثقافة أو على جانب آخر تحاول المؤسسات المالية الاقتصادية العالمية الكبرى تأكيد نوع من الاقتناع بأن النجاح الاقتصادي لا يمر عبر قيم الثقافة المحلية بل من خلال تجاوزها والغائها ووضعها بين قوسين لا اهمية لها ولا جدوى، فالثقافة من هذا المنظور هي حاجز امام الانطلاقة التنموية تعرقلها وتبطيء مسارها، لذلك يدعو أصحاب هذا الخطاب المجتمعات التخلي عن قيمها الثقافية وتعويضها بأخرى مستمدة من محيط غير محيطها بدعوى اتباع النموذج الناجح، لاشك ان هذا كله يعد تمهيدا لنشر الثقافة الغربية في كافة المجتمعات وخاصة الاسلامية والعربية والخليجية وذلك وصولا إلى تغريب تلك المجتمعات واقتلاعها من جذورها، ولا يكتفي دعاة العولمة بذلك بل انهم يؤكدون ان الثقافة هي السبب الرئيسي للانقسام بين الشعوب وان الحل هو الاندماج بين الثقافات المحلية والقيم الثقافية التي تنادي بها العولمة، بمعنى اكثر وضوحا لابد من تغليب قيم العولمة على ما عداها من قيم اخرى دون اي اعتبارات في ذلك. الواقع الخليجي ولعل الجزء السابق يكشف عما تحمله العولمة الثقافية من آثار سلبية على الثقافة والهوية وهو ما يثير المخاوف من جراء تعرض دول ومجتمعات الخليج لهذه الآثار، وتزداد هذه المخاوف اذا ما نظرنا إلى الواقع الثقافي الخليجي في الفترة الراهنة، ذلك الواقع الذي تغير تماما عما كان قبل ظهور النفط حيث كانت الثقافة السائدة هي روح الجميع والكل يشارك فيها وفي نسج قيمها ومكوناتها، فكانت ثقافة معبرة عن روح المجتمع وتطلعاته، اما بعد ظهور النفط وإنتاجه وتصديره وما تبع ذلك من ايرادات ضخمة دخلت إلى خزائن الدولة، بدأ الخليج يستعد لمرحلة الانتقال السريع إلى الثروة والمال والتوجه السريع إلى الاستهلاك بكل مظاهره، ولقد لعبت الثروة دورا مهما في تشكيل ثقافة جديدة في المنطقة، إذ صار المال وطرق تحصيله اهم اساسيات وركائز تلك الثقافة، رغم اتساع رقعة التعليم والمتعلمين، وكثرة البعثات للخارج والاتصال بثقافات عديدة، الا ان ذلك لم يغير من الامر الكثير، فقد ظل الخليج على حالة من اتجاه سريع مستمر نحو الاستهلاك الترفي والتقليل من الانتاج اضافة إلى الاعتماد على الغير في كثير من شئون الحياة وذلك اعتمادا على الثروة الموجودة حتى ارتبطت ثقافة النفط بثقافة الاستهلاك. ولاشك ان ذلك الواقع يكشف عن ان الدول الخليجية ومجتمعاتها تواجه تهديدا خطيراً من جراء العولمة الثقافية، ذلك التهديد المنطوي على نشر قيم التغريب والتحرر والتأثر على الهوية الخليجية العربية، ومما يزيد من جدية التهديد أن المنطقة بأكملها مطمع للعديد من القوى في العالم وخاصة الولايات المتحدة التي تسعى بكل السبل هي وحلفاؤها الغربيون لبسط الهيمنة عليها، هذه المرة تسعى امريكا والغرب إلى بسط الهيمنة الثقافية عبر اتجاهين ذكرهما بعض الباحثين يتمثل الاول في محاربة أو تطويق ايديولوجية الاسلام السياسي ومحاولة الصاقها بالاصولية والتطرف والارهاب، اما الثاني: ترويج بعض الافكار ذات المحتوى الحشوي أو الاحادي بما يتناغم مع الرؤية العربية الامريكية وتتجسد امثلة هذه المفاهيم في الاطروحات العالمية الليبرالية والثقافة العلمانية التي بدأت بالفعل تغزو صفوف المجتمعات الخليجية التي يرى أصحاب هذا الطرح انها دخلت متاهة العولمة وخاصة الثقافية، فهناك بعض المظاهر الموجودة في تلك المجتمعات التي تعكس مدى تغلغل العولمة الثقافية ـ على حد قول البعض ـ في المنطقة، تلك المظاهر التي يمكن اعتبارها عوامل تساعد على زيادة تغلغل العولمة في دول الخليج بل و يمكن اعتبارها بمثابة جرس انذار لهذه المجتمعات من اجل التنبيه إلى مخاطر العولمة الثقافية، وأيا ما كانت التسمية فان هذه الظواهر تعد امورا غير صحية ينبغي معالجتها حتى تستطيع الدول الخليجية ان تتجنب الآثار السلبية للعولمة الثقافية. ومن ابرز الظواهر المشار اليها انتشار ثقافة الاستهلاك في دول الخليج، حيث يرى البعض ان ما يدل على تغلغل العولمة الثقافية وتهديدها للهوية وانتشار قيم التغريب والتحرر هو انتشار السلع الاستهلاكية ذات الطابع الامريكي حيث تلقى هذه السلع رواجا ليس له مثيل بل ولم تلق أية منتجات من اية ثقافة اخرى ما لاقته المنتجات الامريكية، اذ فرض الذوق الامريكي نفسه على عالم الازياء والموضة والموسيقى والفن وكذلك الطعام فانتشرت سلسلة مطاعم ماكدونالد الامريكية الشهيرة التي تحمل معها ابرز سمات الثقافة الامريكية وهي نظام الوجبات السريعة التي لايعرفها المجتمع الخليجي، بالاضافة إلى ذلك عرفت المجتمعات الخليجية سلع الكوكاكولا والبيبسي «شرابا»، والملابس الكاجوال «لباسا»، والجاكسونية «غناءً»، واشرطة الفيديو كليب «سماعا»، والدشات وفضائياتها «مشاهدة»، ونزاعات الفردية والعنف «سلوكا»، والمثال الاخر الذي يعكس تجذر النموذج الامريكي في ذهنية المواطن الخليجي، ان هناك توسعا ملحوظا منذ مطلع التسعينيات لحركة السياحة الامريكية لدى اهل الخليج العربي حيث اصبح سوق سفر الولايات المتحدة رائجا بشكل لم يسبق له مثيل حيث اصبحت شعوب دول مجلس التعاون الخليجي ثاني اكبر مصدر للسياحة في الولايات المتحدة بعد المانيا «صحيفة القبس 1/2/1997»، ناهيك عن الانتشار السريع والمفاجيء للنماذج التصورية الاخرى في المنطقة بين صفوف الابناء والشباب مثل اغاني الراب والروك آند رول. الاعلام والاستهلاك وقد ساعد على انتشار ثقافة الاستهلاك في الخليج انسياب الوسائل الاعلامية والثقافية على تلك الدول من خلال الفضائيات التلفزيونية الشهيرة مصحوبة بهجمة شرسة من خلال افلام الفيديو ثم تبعتها شركات الكمبيوتر والانترنت، وعلى الجميع سيل لاينقطع من الاعلانات الامر الذي يحقق اهدافا بالغة الخطورة، فالمجتمعات التي كان ينعم افرادها بمدخرات معقولة استعملت كل مدخراتها بل واستدانت للدخول في دوامة شديدة من الاستهلاك لكل ما انتجه الغرب، وجاءت فترة وصل فيها الترف إلى مستويات عالية جدا، وهو ما ادى إلى تأثير القيم وانتشار قيم غربية غريبة عن المجتمعات الخليجية وسادت النزعة الفردية لدى الشباب الخليجي. ولم تنتشر تلك الانماط في المجتمعات الخليجية هباء، بل أن هناك هدفا محددا لذلك يتمثل في خلق اسواق جديدة واطلاق شهوات الاستهلاك في تلك المجتمعات إلى اقصى حد، فمازالت اهم اهداف المجتمع الرأسمالي هو اقامة وتطوير حالة من عدم الرضا المستمرة من المنتجات الموجودة حتى تتحقق حالة من الطلب المستمر الجديد على منتجات جديدة، فالهدف المبدئي هنا هو الربح من خلال فتح شهية الاستهلاك على السلع الاجنبية أما الهدف النهائي من انتشار ثقافة الاستهلاك التي لا تعرف مكاناً للروحانيات أو العواطف أو المشاعر الانسانية فهو الغاء القيم أو تغريبها وتدمير الهوية والانتماء، كما أنها تعمل على إزالة مفاهيم مثل حقوق المواطنة وتجاوز قيم المعاني الدينية والخلقية والانسانية فالمهم في جميع الأحوال هو السعي إلى تشكيل نمط «الشخصية الكونية» أو الشخصية المعولمة منفصلة عن جذورها وهمومها ومصالحها الوطنية، فالانسان في نظر الرأسمالية الغربية مجرد كائن حي يعمل بدون تفكير يتحول بالايحاء الغربي الى مستهلك نهم مهملاً متطلباته الابداعية والثقافية الخاصة وقيمه الروحية، وهكذا تنتقل جرثومة الآلية والاستهلاك إلى كل انسان في أي مجتمع من المجتمعات ويتحطم بالتالي كل ما هو انساني لصالح كل ما هو استهلاكي وبذلك ينشأ الانسان في أجواء الاستهلاك أكثر مما ينشأ في أجواء الثقافة والقيم. ومن جانب آخر يرى البعض ان ثقافة الاستهلاك تروج لتمجيد الربح وتؤله المال وتستهين بكثير من القيم المجتمعية وتعمل على تعميم قيم استهلاكية ترتبط بسيطرة السوق والقيم الاقتصادية على الحياة الاجتماعية، وبذلك لا يكون في نظر هذه الثقافة الاستهلاكية عرب أو أوروبيون أو آسيويون أو افارقة .. بل هناك مليارات من البشر يتعطشون لامتلاك السلع والبضائع ومنتجات الشركات متعددة الجنسية، وفي هذا الحال تكون الهوية ليست إلا استلاب سعي أو خضوع عبودي مشترك وشامل لشهوة الاستهلاك ورغبة في تقليد أنماط الحياة التي تفرضها الشركات الصناعية، وهكذا تسقط القيم الأصلية والأصيلة التي شكلت قاعدة بناء الثقافات البشرية ضحية عقلية الربح ومنطق السوق الرأسمالية، وتتحول المجتمعات لمجرد أفواه وعقول مستهلكة لا منتجة. بالاضافة الى انتشار ثقافة الاستهلاك في دول الخليج هناك ظاهرة اعتماد هذه الدول بصورة كبيرة على استيراد البرامج الثقافية والاعلامية من الخارج وخاصة من الولايات المتحدة، وكل هذه البرامج تحمل ملامح التفوق الأمريكي الغربي والمهارات الخارقة، الأمر الذي يشعر المواطن الخليجي بضعفه وقلة حيلته عندما تأخذه الأفلام والبرامج المستوردة الى عالم من الخيال الواسع، وبهذه المناسبة قامت اليونسكو ببحث ميداني في فنزويلا وجد أن المثل الأعلى للبطولة بالنسبة للطفل الفنزويلي كان يتمثل في شخصية أمريكية في 86.3% من الحالات، في حين لم تتجاوز نسبة الأطفال الذين تمثلوا شخصية فنزويلية 7.9% ولايمكن بأي حال من الأحوال استبعاد حدوث التوجه نفسه لدى أطفال الخليج، ناهيك عن الانحراف والتحلل من القيم والأعراف، ولقد دلت بعض الدراسات على ان التلفزيون يمكن أن يؤدي الى النصب والاحتيال، كما أجريت دراسة أخرى على 500 فيلم أمريكي في منطقة الخليج العربي، ووجدت ان موضوع الحب والجريمة والجنس يشكل 72% منها وتبين من دراسة أخرى حول الجريمة والعنف في 100 فيلم وجود 168 مشهداً للجريمة أو محاولة القتل، وبنظرة الى الصناعات الثقافية الأمريكية وأهدافها يتضح مدى التهديد التي تمثله تلك الصناعة للثقافة الخليجية. الغزو الثقافي الأمريكي وبصفة عامة تعد الصناعة الثقافية الأمريكية صناعة غير محايدة تعكس النمط الأمريكي في مختلف جوانب الحياة، كما تعكس القيم والمعتقدات الأيديولوجية الأمريكية ونتيجة لذلك أصبح رامبو وميكي ماوس وكرة السلة الأمريكية عناوين للنجاح والشهرة والقوة في كل مكان، ومن جهة أخرى يملك الاعلام الأمريكي تقنية هائلة ـ خاصة هوليوود وأفلامها ومسلسلاتها ـ تمكنه من نقل الثقافة الأمريكية الى مختلف بقاع الأرض، فقد استطاعت السينما الأمريكية أن تلعب دوراً كبيراً في كونها وسيلة تأثير على الرأي العام وعلى ارادة الشراء والاستهلاك اضافة الى اثرها الأعمق والأبقى والمتمثل في التأثير على الذوق والطباع والاعتقاد، بالاضافة الى السينما لعبت بعض وكالات الاعلان الأمريكية والمحطات التلفزيونية الاخبارية مثل «سي.ان.ان» التي يعتبرها الكثيرون بمن فيهم النخب مصدراً رئيسياً للأخبار العالمية والمحلية ـ دوراً في اختراق المجتمعات بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وفي هذا السياق تحاول الثقافة الأمريكية في اطار النظام الدولي الراهن أن تقضي على الآخر وتحاول أن تقضي على الهويات والثقافة الأصيلة بمعنى آخر أنها تحاول القضاء على خصوصيات مختلف الشعوب والحضارات من خلال تذويب مختلف الثقافات الموجودة في العالم في ثقافة واحدة، ويتأكد ذلك الأمر إذا علمنا أن الولايات المتحدة تتحكم في 65% من المادة الاعلامية في العالم، وهو ما يعني هيمنة الثقافة والقيم الأمريكية على معظم دول العالم، ولعل هذا الأمر يهدف الى تحقيق أهداف أكبر فقد أشار بريجينسكي مستشار الرئيس جيمي كارتر السابق للأمن القومي ان «على الولايات المتحدة الأمريكية وهي تمتلك النسبة الكبيرة من السيطرة على الإعلام الدولي أن تقدم للعالم أجمع نموذجاً كونياً للحداثة بمعنى نشر القيم والمبادئ الأمريكية» ومن قبله دعا الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في كتابه «نصر بلا حرب» الى نشر القيم الأمريكية إذا ما أرادت أمريكا أن تكون زعيمة العالم، ولاشك أن هذا الأمر يحمل تهديداً ثقافيا للدول الخليجية في ظل اعتمادها الرئيسي على استيراد البرامج الثقافية والاعلامية الأمريكية، فالهدف الأمريكي هو نشر القيم الأمريكية والغربية محل القيم الوطنية في المجتمعات التي تدخل اليها تلك البرامج وبالتالي تظل القيم الخليجية محل تهديد من نظيرتها الأمريكية، ويرى البعض ان الإعلام هو الأداة المناسبة لنشر القيم الأمريكية وتتمثل أهداف وسائل الإعلام في ظل العولمة فيما يلي: 1 ـ تحرير ارادة الشعوب من القيود ـ على حد قول دعاة العولمة ـ الاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية التي يعتقد منظرو العولمة أنها تعيق تقبلها للثقافة الجديدة عن طريق الاستخدام الموجه للكلمات والصور. 2 ـ تعويد العقول على مشاهدة ومعايشة الأنماط المغرية للثقافة الجديدة (الأمريكية الغربية) باحكام السيطرة على المعلومات وتوظيفها وتعميقها وفقاً لمواصفات محددة وبمقومات تم اختبارها عملياً لتعتاد الشعوب عليها وعلى مشاهدتها عن طريق التكرار غير الممل. 3 ـ اعادة تشكيل الحياة الاجتماعية للشعوب على نمط الحياة الغربية وحثها على المشاركة فيها على نحو نشط يحقق على المدى البعيد قولبة الانسان بحسب النموذج الاجتماعي الغربي بزرع مفاهيم الاختيار الشخصي والنزعة الفردية. 4 ـ تعزيز فكرة الانخراط النشط في الثقافة الجديدة (الأمريكية الغربية) عن طريق ابراز مظهرها الخارجي والثناء على كل من يتبناها ويعمل بموجبها بما يشجع الانتماء اليها، على اعتبار أنها أسلوب للحياة العصرية المهتمة بآخر تقليعات العصر وبالأشكال الجديدة للمأكولات والملبوسات والترفيه والانفاق في اطار يتجاوب مع حاجة الرأسمالية الى زيادة الاستهلاك من جهة والتأكيد على قيم المجتمع الرأسمالي من جهة أخرى. أزمة الهوية ولاشك ان هذه الأهداف تسعى الى نشر القيم الغربية وتدمير الهوية الوطنية أو تفجير أزماتها، وبالتالي فإن الغزو المتواصل من الأفكار والمعلومات والصور والقيم الغربية التي تتعرض لها المجتمعات الخليجية يومياً والتي لم تشارك في انتاجها ولا تتفق مع ثقافتها تنزع الأفراد من واقعهم وتلقى بهم في عوالم تتناقض فيها إلى أبعد الحدود والآمال والامكانيات، ويترافق ضياع المرتكزات والمرجعيات ـ من جراء ذلك الغزو المستمر ـ بتفجير أزمة الهوية حيث تسعى العولمة الثقافية الى إثارة وتشجيع الأوجه الاقصائية للثقافة، تلك الأوجه التي تؤجج النزاعات والصراعات القومية والعرقية والدينية تحت شعارات الدفاع عن الهوية والمصالح الوطنية ومقاومة الجديد، بمعنى آخر فإنه في سياق تفجير أزمة الهوية والانهيار الذي تشهده الأيديولوجية التاريخية الجماهيرية المطمئنة والباعثة على الأمل تنبعث الأيديولوجية القديمة القائمة على العودة الى العصبيات القبلية أو الأقوامية الضيقة التي تبرر التطهير العرقي وتلك القائمة على إلغاء أي قيمة للعقيدة وتفتح الطريق نحو سلوكيات لا تضع حدوداً إلا القوة الذاتية على السيطرة والنهب والاستغلال. وفضلاً عن ظاهرة انتشار ثقافة الاستهلاك والاعتماد على استيراد البرامج الثقافية والاعلامية من الولايات المتحدة يرى فريق آخر أن من ضمن ظواهر العولمة الثقافية وتأثيراتها على الهوية الخليجية انتشار المدارس الخاصة الأجنبية التي تركز في مناهجها على اعطاء أفضلية للغة الأجنبية وعلى اعطاء اهتمام كبير لتاريخ وجغرافية البلدان التي تسعى للحصول على اعترافها الأكاديمي للشهادة التي سيحملها خريجوها، ولاشك ان وجود هذه المدارس وتركيزها على لغات أجنبية غير اللغة العربية يضعف اللغة العربية وهو ما يؤثر على ثقافة جيل المستقبل خصوصاً إذا وضعنا في الاعتبار ان القادرين على دخول المدارس الخاصة ثم الجامعات الخاصة هم أبناء الطبقة التي تتحكم في حقول السياسة والاقتصاد والمال. بالاضافة الى الظواهر الثلاث السابقة يرى آخرون ان شبكة الانترنت ـ على الرغم من ايجابياتها ومنافعها الكثيرة ـ لها عدة سلبيات على المجتمع الخليجي، فمن بين قرابة 200 مليون موقع التي تحتويها الشبكة هنا ما يقارب من مليونين موقع لا تتناسب مع الدين أو القيم أو الأخلاق في الدول الخليجية، وهذه المواقع تستهدف أخلاقيات المجتمع وقيمه ودينه فهي تحض على الرذيلة وتمسخ روادها إلى أشخاص شهوانيين، وبالتالي تصبح القيم الخليجية في خطر حيث تعمل تلك المواقع على نشر القيم الغربية ولاشك ان بثها الرذيلة ليس أمراً عفوياً بل انه أمر مخطط له يهدف الى نشر قيم التغريب والتحرر، ويزداد الأمر خطورة إذا ما علمنا ان أعداد مستخدمي الانترنت في نمو مستمر وهذا الأمر وان كان يعكس مدى قدرة شباب الخليج على التعامل مع أحدث تكنولوجيا الاتصالات إلا أن المخاوف تثور من تلك المواقع الإباحية التي تهدف الى تدمير القيم والعادات الخليجية، فنسبة النمو بين مستخدمي الانترنت في الكويت تصل الى 59%، وفي السعودية 122%، وفي الامارات 95% وفي البحرين 15%، وفي قطر 64% وفي عمان 25%. تكريس الاختراق وأخيراً بعد استعراض الظواهر الأربعة السابقة ينبغي الاشارة الى بعض الأمور الأخرى التي يمكن أن تسببها العولمة الثقافية لدول الخليج، ومن أهم هذه الأمور هو الاختراق الثقافي الذي تمارسه العولمة والذي لا يقف عند حدود نشر قيم التغريب والتحرر وتدمير الهوية الخليجية بل الأمر يتعدى ذلك لتكون تلك العولمة بمثابة سلاح خطير يكرس الثنائية والانشطار في الهوية الوطنية ليس الآن فقط بل وعلى مدى الأجيال الصاعدة والمقبلة، ذلك ان وسائل الاعلام السمعية والبصرية والمرئية واللامرئية التي تحمل ذلك الاختراق وتكرسه انما تملكها وتستفيد منها فئة معينة هي النخبة العصرية فهذه النخبة هي التي تستطيع التعامل مع تلك الوسائل ولغتها الأجنبية بحكم التعليم العصري الذي تتلقاه، أما عموم الشعب وعلى رأسه النخبة التقليدية فهو في شبه عزلة يجتر بصورة أو بأخرى ثقافة «الجمود على التقليد» بمعنى آخر فإن العولمة الثقافية تحدث انقساماً بين المواطنين بين من يتطلعون الى الثقافة المعولمة وبين من يقفون عند ثقافتهم التقليدية. والأمر الآخر الذي لايقل خطورة عن سابقه هو ان من أخطر مظاهر العولمة الثقافية هو انتشار ما يسميه البعض بـ «ثقافة العنف» فنتيجة سيطرة التكنولوجيا على الثقافة والحضارة ظهرت موجات من الانحلال الخلقي والعنف والجريمة والادمان، وفي اطار التكنولوجيا المتطورة نشأت ثقافة للعنف وقد جاءت هذه النشأة من خلال الصناعات الالكترونية بالتسلية التي تحتوي على ألعاب تتسم بنوع من العنف الشديد، وقد وصل حجم تلك الصناعة الى حوالي 16 مليار دولار سنويا في أمريكا وحدها ولاشك أن هذا الأمر خطير خاصة وأن مثل هذه الألعاب تدفع الى تقليديها والمثال على ذلك حادثة طالبي المدرسة الأمريكية اللذين قاما بقتل زملائهما وناظر المدرسة، حيث كان هذان الطالبان ضحيتين لهذه البرامج فقد ثبت ان الطالبين كانا يشاهدان هذه البرامج وان السيناريو الذي نفذ كان موجودا على برنامج اسمه ٍُُ ومن الثابت عملياً ان تعود الانسان على العنف يقلل من احساسه بجرم أو غرابة أو استهجان هذا الفعل، وفي ظل انتشار الكمبيوتر في دول الخليج واقبال الأطفال والمراهقين على برامج الألعاب التي قد تتسم بالعنف تثور المخاوف من محاولة تقليد المراهقين لتلك الألعاب مما قد يؤدي الى انتشار موجات من العنف داخل المجتمعات الخليجية