بيان الاربعاء: قال المفكر طارق البشري في محاضرة بمؤسسة عبدالحميد شومان في الاردن، ان المشكل القانوني في عدم قدرة النظام التشريعي على الإفساح للحركة الواقعية التي يتطلبها المجتمع، وعدم قدرته على تنظيمها، وعدم تهيئة وجوه التعامل المطرد التي تكفل لحركة المجتمع الاستجابة للتحديات السياسية والاجتماعية الطارئة في مرحلة تاريخية جديدة، أو التي تكفل نوعا من النظم يستوجبه النهوض بالجماعة وينسق جهودها في التصدي لما تواجه من مخاطر ظهرت في العالم الإسلامي مع مطلع القرن التاسع عشر، أو بالأبعد مع خواتيم القرن الثامن عشر . وفيما عرف البشري الفكر القانوني سواء كان نظما أو معاملات بأنه الأخذ عن الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية، قال قد كان هذا الفكر في ذاك الوقت يتصف بالجمود والتقليد، مؤكدا بان هذه المقولة لا يقوم عليها خلاف، إنما الخلاف يقوم بالنظر إلى ما إذا كان الجمود هو سبب تعثر الحركة الاجتماعية السياسية، أم أنه كان أثرا لها. وحسب البشري فإن ما عاناه العالم الإسلامي لم تكن مشكلة فكر قانوني وحسب، إنما كانت تتعلق بمجمل المعارف العلمية والثقافية اللازمة لتحقيق متطلبات طفرة مرجوة للذود عن أمن الجماعة تجاه مايتهددها من مخاطر الخارج والنهوض بالأوضاع الاقتصادية والتنظيمية، سواء في بناء الاقتصاد أو بناء أجهزة الإدارة. وأشار في هذا الصدد إلى أن حكومات بداية القرن التاسع عشر لم تكن تهتم بحركة تجديد التشريعات، إنما كان اهتمامها مركزا في حركة نقل المعارف العلمية وفنون الصنائع الحديثة، وتنظيمات الإدارة المناسبة، سواء لبناء القوة العسكرية أو التنظيمات المدنية. وذلك يظهر من وقائع محمود الثاني في اسطنبول ومحمد علي في القاهرة. واستعرض المحاضر الجمود التشريعي والفقهي بالقول انه أثر من آثار الركود السياسي والاجتماعي الذي كان منحدرا من قرون سابقة، و قال إن حركة التجديد في الفكر والفقه الإسلامي بدأت فعلا طلائعها مع نهايات القرن الثامن عشر في مثل دعوات ابن عبد الوهاب والشوكاني وغيرهم. وأضاف أن تحديد المشكل في أنها عاصرت الرغبة في النهوض والإحياء مع ازدياد مخاطر النفوذ الأجنبي، وكانت علاقة السببية جلية بين هذين الأمرين. مشيرا إلى أن مخاطر النفوذ الأجنبي كانت سبب إيقاظ وصحوة، وهذه المخاطر ذاتها أظهرت ضغوطا بالتسرب وبالاقتحام. مشددا على أن من موجبات اليقظة والصحوة الأخذ من الآخرين ما يفيدنا مما لا نكون قادرين على انتاجه، وموجبات قوة الغير علينا أن يعطينا ما ينفعه هو وما يقوى به لا ما نقوى نحن به عليه. وفي هذا الصدد أوضح أن الأمة العربية والإسلامية كانتا بحاجة إلى علوم الصنائع وفنونها، كما كانتا بحاجة إلى أساليب إدارة تتناسب مع وجوه التخصص وأساليب العمل الحادثة سواء في الجيش أو في مشروعات الإنتاج، منوها بان الأمة الإسلامية استطاعت في بداية القرن التاسع عشر فرض خياراتها، وأن تطلب من علوم الغرب وفنونه وسلعه مارأت فيه نفعا لها في إطار خطط النهوض العسكري والاقتصادي، مشيرا إلى أنواع بعثات محمد علي إلى أوروبا، التي كانت في غالبيتها تتعلق بالطب والهندسة والطب البيطري وعلوم الصنائع. وانه لم يكن منها شيء يتعلق بالتشريعات أو بالقانون أو بالفلسفة وغير ذلك. إلا انه عاد وأضاف أن ما بعد منتصف القرن التاسع عشر، ومع ازدياد النفوذ الغربي في بلادنا ومع زيادة الوهن في قوانا المحلية، اختلفت الصورة وأتت القوانين الغربية مع الجاليات الأجنبية وزيادتها ومع التجارة الأجنبية ونموها، بحيث كانت قوانين التجارة ومجالس التجار هي الطلائع، سواء بالنسبة للتشريعات أو بالنسبة للمحاكم. وأشار إلى أن هذا الوقت حمل معه بروز «التنظيمات» في الدول العثمانية من الأربعينيات، بالتزامن مع ركوب مصر رغم انفصالها إداريا عن الدولة العثمانية بموجب معاهدة 1840، موجة الأخذ من التشريعات الغربية التي بدأت ضمن التاريخ ذاته بموجب سياسة الباب المفتوح. منهل التشريعات الغربية ويسجل البشري تأريخ الحركة النشطة للأخذ من التشريعات الغربية منذ أن أعلن السلطان الشاب عبد المجيد «خط خلجانه» في 1839 حيث اطرد صدور التشريعات والتنظيمات الآخذة عن القوانين الغربية والفرنسية منها على وجه الخصوص، و في 1847 أنشئت محاكم مدنية وجنائية من قضاة مختلطين وطنيين وأجانب، بالإضافة إلى صدور قانون تجاري مأخوذ عن القانون الفرنسي في عام 1850، وأنشئت محاكم تجارية مختلطة. وفي 1858 صدرت مجموعة لقوانين الأراضي ومجموعة للقوانين الجنائية آخذة عن التشريع الفرنسي، وفي 1861 صدر قانون للإجراءات التجارية، وفي 1863 صدرت مجموعة لقوانين التجارة البحرية، وفي 1867 منح الأجانب حق تملك الأراضي والعقارات، وفي 1879 فصلت دعاوى الأراضي عن المحاكم الشرعية. وفي مصر صدرت قوانين المحاكم المختلطة في 1875، تم الأخذ بالنظام القضائي والقانوني الغربي (والفرنسي بصفة خاصة) في المحاكم الأهلية التي انشئت في 1883، وصدرت منها مجموعات للقوانين: المدني والتجاري والبحري والمرافعات المدنية والعقوبات والإجراءات الجنائية. ثلاثة أنظمة قضائية ويؤكد المحاضر بان ذلك تزامن مع بداية ظهور حركة التقنين الآخذة عن الشريعة الإسلامية، التي تركزت في «مجلة الأحكام العدلية» المعدة من قبل لجنة من سبعة علماء برئاسة أحمد جودت باشا في الفترة من 1869-1876 وعمل بها بعد تمامها في الدولة العثمانية والبلاد العربية التي كانت تابعة لها. بالإضافة إلى مجلة للجنايات والأحكام العرفية الصادرة في تونس 1861 الآخذة عن المذهب المالكي السائد في المغرب العربي، ثم صدرت فيها مجلة أخرى عن الالتزامات والعقود في 1906 ولكن كانت المجلة العثمانية الآخذة عن المذهب الحنفي هي الأكثر شيوعا في الثقافة القانونية الإسلامية والعربية. وقد أ سفر كل ذلك بحسب البشري إلى أن خضعت الأمة الإسلامية إلى ثلاثة أنواع من الأنظمة التشريعية والقضائية، الأول نظام تشريعي آخذ من الشريعة الإسلامية ورثته عن الأسلاف وارتبط بالتاريخ الثقافي والعقيدي الإسلامي قرونا بعد قرون . والنظام الثاني تطبقه ما سمي بالمحاكم المختلطة، وأسميت قوانينه القوانين المختلطة. أما النظام الثالث، فهو نظام «أهلي» يطبق على المواطنين من رعايا الدول العربية بموجب المشيئة التشريعية لمن يتولى الحكم في أي من هذه الدول ، منوها بان هذا النظام ولد بين النظامين السابقين ونما بينهما على مدى قرن من الزمان، رغم كونه نما في البداية على حساب الشريعة الإسلامية التي كانت لها السيادة والحاكمية العامة والمرجعية الشاملة، وهو ذاته الذي ورث النظام المختلط، تشريعات ومحاكم على عهد الاستقلال الوطني للبلاد العربية، ولكن كانت مصادره التشريعية مصادر غربية في الأساس. وبعد ذلك تم اختلاطها حسب اختلاف الدول الغربية التي خضعت لها البلاد العربية . مستشهدا بان المصدر الفرنسي اللاتيني انتشر في مصر وتونس والجزائر والمغرب، ثم انتشر في سوريا ولبنان والنظام الأنجلو سكسوني انتشر في السودان وتأثرت به فلسطين والأردن والعراق، وشذت مصر في هذا السياق، لأنها أخذت بالتشريعات الفرنسية رغم أنها احتلت من الإنجليز وكان ذلك لأسباب ترجع إلى التاريخ الفرنسي الإنجليزي على مصر وإلى موازين علاقات القوى بينهما فلم تنفرد إنجلترا بمصر رغم احتلالها العسكري لها ولم تسلم فرنسا لها بذلك إلا في 1904 . أما الجزيرة العربية فقد بقيت بعيدة عن هذا التأثر بقوانين الغرب لأنها لم تحتل عسكريا ولم تحكم من الغرب حكما مباشرا. مرحلة العودة الى الاسلام ويسجل البشري بان المرحلة من 1775 إلى 1785 مرحلة التغلغل الأوروبي في الأقطار العربية والإسلامية، وكان تغلغلا اقتصاديا وسياسيا ينتج بعضه عن هزائم عسكرية في معارك تجرى بين بعض دول أوروبا والدولة العثمانية، ثم كانت المرحلة من 1875إلى 1925 هي مرحلة اكتمال السيطرة الأوروبية على هذه الأقطار، وذلك ما نتج عنها من احتلال عسكري وسيطرة مباشرة أو شبه مباشرة على شئون الحكم. ثم كانت المرحلة من 1925 إلى منتصف القرن العشرين هي مرحلة انحسار هذه السيطرة العسكرية والأجنبية، وهي مرحلة الظهور التدريجي لحكومات الاستقلال الوطني. ويعتبر المحاضر بان لهذه التواريخ انعكاسها المباشر على الأوضاع التشريعية، وقد سبقت الإشارة إلى المرحلتين الأوليتين من حيث الخصائص التشريعية التي ظهرت خلالهما، وبعد هاتين المرحلتين، بدأت الدعوة للاستقلال التشريعي، وبدأت مع بداية الثلاثينيات، فظهرت الدعوة للعودة للشريعة الإسلامية، وظهرت الدعوة التي قادها الدكتور عبد الرزاق أحمد السنهوري . وقال البشري إن القانون المدني المصري الذي طبق منذ 1949 كان نصا وضعيا مستقلا، لأنه لم يأخذ من الشريعة الإسلامية وإن كان أشار إليها باعتبارها ما يمكن أن يرجع إليه القاضي إذا لم يجد نصا تشريعيا ولا عرفا، ورغم استفادته من بعض توجهاتها إلا أنه لم يعتبرها مصدرا ولا ارتبط بها. وهو مستقل بمعنى أنه لم يتقيد بأي مصدر تشريعي أو فقهي غربي أو أجنبي. وان وضعيته تتفق مع المصدر الفلسفي للقوانين الغربية في العصر الحاضر، وهو اتخذ الفقه الغربي ومدارسه المختلفة، لاتينية وجرمانية وأنجلوسكسونية، إتخذها مجال بحث مقارن يمكن أن ينتقي منها الأصلح بمعايير مراعاة البيئة الاجتماعية في بلادنا وعادات الناس وأعرافهم. ويضيف لم تكن الظروف السياسية قد تهيأت وقتها لاتخاذ الشريعة الإسلامية مصدرا للقوانين. ورغم أن الفقه الإسلامي قد اعترف به الفقه العالمي في الثلاثينيات بوصفه مدرسة من مدارس الفقه العالمية، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لدى أهل ذلك الزمان وهم يرون «اتفاقية مونترو »التي ألغيت بها الامتيازات الأجنبية تشمل تعهدا مصريا بألا تخرج عن أوضاع التشريعات العالمية، وهم يدركون بتجاربهم التاريخية أن الأمر هنا ليس أمر جدل فكري، وان الجدل لاتترجّح نتائجه بالصواب والخطأ، وإنما للمصالح ولإرادة النفوذ أثرها في كل ذلك. ويرى البشري في ذلك أن الغرب وفكره وسياسته يقرران واحدا من أهم مقاصده هو سيادة الفكر الغربي والأطر المرجعية الآخذة عن فلسفاته ومفاهيمه. وأن سيادة المفاهيم لاتكاد تنفصل عن توخي الهيمنة والسيطرة. وأشار البشري إلى وصف الدكتور السنهوري للقانون المدني المصري عندما قال إن القانون المصري الجديد يمثل الثقافة الغربية أصدق تمثيل. يمثلها في أحدث صورها بالقول انه وصف بالغ الدقة، لأنه لا يشير إلى أحكام القانون، وإنما إلى الوعاء الثقافي ويشير إلى الأطر الفكرية والمرجعيات، فهو قانون يعبر عن الثقافة المدنية الغربية، ولكنه مستقل عن أي من فروعها ومدارسها الثقافية وعن أي من تشكيلاتها العينية والمؤسسية. هو مستقل على صورة الاستقلال السياسي الذي عرفته البلاد العربية في المراحل المحيطة بهذا الأمر. مجلة «الاحكام العدلية» وفي هذا السياق يقول البشري كانت «مجلة الأحكام العدلية» هي دعامة البناء التشريعي الآخذ عن الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي منذ 1876، وعمل بها في الكثير من بلادنا العربية، وبخاصة في المشرق العربي، وبقيت آثارها تصبغ جانبا من البنيان التشريعي في هذه البلاد، وتصبغ حركة الفقه الإسلامي في بلادنا جميعا. وذلك رغم ما تآكل من مجالات تطبيقها بفعل التشريعات الغربية التي طبقت في جوانب مختلفة بعد الاحتلال العسكري، وبفعل التغير الثقافي الذي جرى وتوجهه إلى فلسفات الغرب ومرجعياته الفكرية. ولذلك كان تآكل من نطاق تطبيقها ما صدر من تشريعات تنظم ملكية الأراضي وبعض العقود والمعاملات التجارية ونظم المحاكم. ثم لما صدر القانون المدني المصري، في ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحركات التحرر الوطني في الأقطار العربية كانت في أوجها، وتحقق فعلا الاستقلال السياسي لهذه البلاد تباعا، كانت مصر والعراق مستقلتين ثم استقلت سوريا ولبنان بعد الحرب مباشرة، ثم بلاد المغرب العربي والسودان، ومع الاستقلال ارتفع شعار الوحدة العربية على درجات متباينة وبدأ التبادل الثقافي والشعبي ينمو. وفي هذا الإطار صار القانون المدني المصري الجديد هو الوريث لمجلة «الأحكام العدلية» من حيث الأثر الشعاعي. وهو إن كان قانونا يصدر عن الوعاء الثقافي الغربي الحديث، إلا أنه كان مستقلا من الناحية التشريعية عن أي قانون غربي بذاته، لأنه أتى اختيارا من القانون المقارن، ولأنه روعي في الاختيار سوابق العمل في البلاد العربية وعوائدها وسوابق ما استقرت عليه أحكام القضاء، ولأنه جرى قطع أي صلة تشريعية بين الأصل التاريخي الغربي المأخوذ منه وبين الحكم الذي جرى اختياره، ليحيى هذا الحكم بعد ذلك في بيئته الوطنية حياة محلية صرفة. وكل ذلك ورد في المذكرة الإيضاحية للقانون باعتباره من مناهج التشريع. وكان لهذا القانون أثره في العديد من الأقطار العربية المستقلة، حيث تبنته سوريا بعملية جرت أقرب إلى أسلوب الانقلابات العسكرية في عهد الزعيم الذي أجرى انقلابه العسكري في سوريا في 1949 ولم يدم حكمه أكثر من شهور قليلة. وبعدها أوفدت العراق بعض علمائها لمصر لدراسة كيفية تطبيق هذا القانون، ثم عهدت إلى الدكتور السنهوري أن يعد تشريعا مدنيا للعراق يكون مصدراه هما «مجلة الأحكام العدلية» والقانون المدني المصري الجديد. وتبنت ليبيا بعضا من التقنيات المصرية، وظهر أثر ذلك أيضا في تشريعات الخليج. ووصل البشري في محاضرته هنا إلى القول إلى تعدد المرجعيات التشريعية، و ان هذا التعدد أثر في إضعاف النسق التشريعي والاضطراب في معايير الشرعية والاحتكام. فالأحوال الشخصية ومنها أحكام الوصية والوقف، ترتبط أحكامها وقوانينها بالشرعية الإسلامية (والشرعية الدينية بعامة) ولم يستفد من ذلك إلا النزر اليسير من الأقطار العربية. ومن جهة أخرى فإن احكام المعاملات المدنية والتجارية وتشريعات العقوبات، غالب ذلك ذو مرجعية وضعية تعود إلى الفكر الغربي وأنساقه الفكرية، وتستمد من نظريات الدولة والقانون الطبيعي في الصياغة الفكرية الوضعية الحديثة في الغرب. ومن هنا يبرز المشكل في نظر البشري حيث يقول لا يقوم في مجتمع واحد مجالات قانونية منفصل بعضها عن بعض، لأن الواقع تتداخل علاقاته ومعاملاته، والمراكز القانونية تتلاقى فيها كل التشريعات، فالجنسية مثلا تحكمها القوانين الوضعية، ولكنها تعتمد كثيرا على علاقات النسب التي تحكمها قوانين شرعية والميراث مسألة شرعية، وهذا يدفع إلى ازدواج المرجعيات التشريعية الذي يرتب تضاربا في الأحكام، وبه تتهافت فكرة الشرعية التي تستند إليها المراكز القانونية، وسيادة مفهوم واضح ومحدد عن الشرعية يشكل الأساس القوي للتقبل العام للقانون والرضاء الجماعي عنه، واما التنافي بين الشرعيات فهو يقوض أساس التقبل العام والتراضي في المجتمع. المرجعيات السائدة وحول اختلاف المرجعيات السائدة بين البلاد العربية قال أنها تختلف بين هذه الدول شرعية كانت أو وضعية غربية، مستشهدا بالقول إن المملكة العربية السعودية وغالب دول الخليج لاتزال تسود فيها مرجعية الشرعية الإسلامية، ومصر وسوريا و الأردن ولبنان تسود فيها المرجعية الوضعية الغربية، وثمة أقطار تتراوح بين المرجعيتين قدرا ومنهجا. أما في مجال المرجعية الشرعية الإسلامية، نلحظ سيادة المذهب السلفي في المملكة السعودية وبعض الإمارات. وفي اليمن يسود المذهب الزيدي ثم الشافعي، وفي مصر والمشرق العربي يسود المذهب الحنفي، وفي بلاد المغرب العربي وفي السودان يسود المذهب المالكي. وحول مجال المرجعية الوضعية الغربية، نجد خلافات بين الأقطار العربية حسب الاثر الثقافي الذي ولّده احتلال عسكري سابق أو نفوذ سياسي لأي من الدول الغربية في المرحلة الاستعمارية. فمثلا مصر وسوريا ولبنان وبلاد المغرب العربي ساد فيها النظام اللاتيني من القوانين الفرنسية، وكذلك ليبيا من القوانين الإيطالية، والسودان والعراق والأردن وفلسطين تأثرت بالنظام الأنجلو سكسوني من القوانين الانجليزية. إلا انه يؤكد أن الفروق بين المذاهب الإسلامية هي أقرب إلى التنوع منها إلى التضارب، وكذلك الأمر بالنسبة للفروق بين المذاهب والمدارس الفقهية الغربية . و شدد البشري على أن مطلب تطبيق الشريعة الإسلامية إنما هو مطلب يتداخل مع أهداف الاستقلال الوطني بالإضافة إلى ذلك هو مطلب يتداخل مع استهداف توحيد الإطار المرجعي الثقافي للجماعة، فلا تتعامل مع أحكام قانونية تتوزع بين أكثر من إطار مرجعي وأكثر من شرعية أساسية واحدة. وأن ذلك لايفيد الشريعة الإسلامية فقط بإعادتها للتطبيق، ولكنه يفيد القانون أيضا لأن يصل بين أحكام القانون وبين الأصول المرجعية الثابتة التي تؤمن بها الجماعة وتتحاكم بقيمها في تصرفاتها وتعاملاتها وسلوكها. وهذا أكفل لاحترام الناس للقانون، وأحرى بأن يرضاه المحكومون وينزلون عليه بقدر أسلس من الطواعية، وأنجع في تقليل المنازعات. ويتساءل البشري كيف يمكن تطبيق هذا الأمر وتنفيذه، وهل يتصور أن تعد مشروعات قوانين بديلة عن القوانين القائمة في كافة مجالات التنظيم والتشريع والضبط، ثم تجرى عملية الإحلال، وما أثر ذلك ؟ يحاول المحاضر الإجابة عن هذا السؤال بالقول عندما عدلت التشريعات من الأخذ عن الشريعة الإسلامية إلى الأخذ عن القوانين الأوروبية، فرنسية أو إنجليزية أو غيرها، لم يكن قصد النفوذ الغربي من ذلك استبدال أحكام محددة في القانون المدني أو التجاري بأخرى، فقد كان ذلك ممكنا في إطار حاكمية الشريعة الإسلامية بما تسع من تعدد وتنوع في الاجتهادات والمذاهب والآراء، ولم يظهر أن مسعى من ذلك جرت محاولته قبل إدخال القوانين الأجنبية، ولا أن هذه القوانين الغربية أدخلت بعد اليأس من محاولات تجديد الشريعة الإسلامية، لم يظهر أي من ذلك، إنما كان القصد هو العدول عن الإطار المرجعي الشرعي إلى إطار مرجعي آخذ عن الغرب وقوانينه، بما يقضي على استقلالنا التشريعي ويكرس التبعية للغرب في نظمنا التشريعية واجتهادات قضائنا ومفتينا وشراح القوانين عندنا. وهذا ما حدث، فقد صار العرب المسلمون بعد أن كانوا يقولون قال الله وقال الرسول، اصبحوا يقولون قال قانون نابليون وقال القانون الروماني من قبله، وبدل أن نستدل بمالك والشافعي وأبي حنيفة، وابن حنبل، صرنا نستدل بـ «بلانيول»، «دوجى» «اسمان» «كابيتان» الخ، وبدل أن نلجأ للفتاوى الهندية ومبسوط السرخسي، صرنا نلجأ «لداللو» واحكام النقض الفرنسية. يرى المحاضر أن عيب الدول العربية أنها لم تضيف علما إلى علم، إنما استبدلت بعلمنا علم الآخرين، والإثم الأعظم أننا فصلنا تنظيماتنا عن عقيدتنا كأصل للشرعية ومعيار للاحتكام وأخذنا من عقائد الآخرين اصل شريعتهم ومعايير احتكامهم. حيث انه لم يكن المقصود استبدال حكم فرعي في واقعة أو نازلة محل حكم آخر، إنما كان المقصود العدول عن أصل الشرعية الإسلامية إلى أصول شرعية وضعية غربية وافدة. وطالب المحاضر بضرورة النظر فيما تسعه الشريعة الإسلامية من أحكام تقوم بها القوانين والتشريعات السارية والنافذة في المجتمع الآن، ورد هذه الأحكام إلى أطرها المرجعية من التشريعات الإسلامية، واسنادها إلى ما يمكن أن تستند إليه من مصادر التشريع الإسلامي وفقا لما تفتق عنه اجتهاد الفقهاء المسلمين قديما وحديثا. وشدد على أن ما يطالب به ليس من قبيل إضفاء بردة الدين والشرع الحنيف على نظام قانوني وضعي، لكنه هو أمر تخلل للنظام القانون القائم الذي لا أستطيع إبداله، تخلله بالتدرج لرد أصول مرجعيته لمصادر التشريع الإسلامي، والفرق بين العمليتين يتأتى من وجوه ثلاثة أجملها بما يلي: أولا: إن إضفاء بردة الإسلام على ما ليس منه، مقصود بها تثبيت الوضع القائم وإبقاء المصدرية الوضعية للتشريعات القائمة. ثانيا: إن إضفاء بردة الإسلام على ما ليس منه، إنما تصطنع فقها واجتهادات لا تجري وفق أصول التفسير والفقه التي يجريها علماء الشريعة، إنما يؤولون الأحكام الشرعية بما يخرجها عن وجوه القياس الصحيحة إلى ما ليس مقصودا به إلا إضفاء الصبغة الشرعية على احكام تتعارض معها. فهو باجتهاده يصل في الحقيقة إلى «التعطيل» وليس إلى الإعمال. الأمر الثالث: إن من يضفي بردة الإسلام على الأحكام الوضعية العلمانية، إنما يبذل الطاقة ليخفي الفارق بينه وبين دعاة الشريعة الإسلامية، وهو ينشط لإثبات أن المطالبين بالشريعة الإسلامية إنما يطلبون احكاما فرعية مما يتعلق بوقائع الحياة الجارية ونوازلها