بيان الاربعاء: الاخطاء الخمسة الجوهرية التي اشرنا اليها توا كانت تعزز من مشكلة اخرى. فالساسة ـ بحكم اختلاف وجهات نظرهم ـ يرون الامور على نحو متباين. هذه هي طبيعة الامور، ولكن هذه الخلافات في الرؤى الشخصية تتراجع كثيرا اذا ما كانت الادارة تتبنى اطارا واضحا ومحكما يضبط حركة الجميع، وهو ما لم يحدث كما اوضحنا. في 27 مارس مثلا نشرت «نيويورك تايمز» ان نائب وزير الدفاع بول ووليفتز ابلغ مسئولين اوروبيين عند مناقشة العقوبات ضد العراق «رؤية وزارة الخارجية بهذا الصدد قد لا تكون هي كلمة الادارة الاخيرة» بعبارة كان ووليفتز يقول للاوروبيين « لا تأخذوا مقترحات باول بجدية، فقد تقرر الادارة ان تتبع مسارا مختلفا عما يقوله الوزير» او باختصار «لا تنصتوا لباول».وقبلها قالت «واشنطن بوست» ان ملامح «تيارات متناقضة» تتبلور بسرعة على ارض الادارة، وان وزارتي الدفاع والخارجية تشكلان قطبي التناحر الاساسيين، واوضحت تعليقات متناثرة ان الرئيس بوش يتلقى مشورات متضاربة في قضايا خارجية حساسة، وقال مسئول في الادارة لم يشأ ذكر اسمه ل«نيويورك تايمز» سيأتي الوقت الذي يتحتم فيه على الرئيس ان يختار اي سياسة خارجية يريد لانه سيتلقى آراء متضاربة في قضايا كثيرة لو لم يفعل ذلك. مثال آخر .. دورية «ويكلي ستاندارد» الاسبوعية المحافظة اوردت تقريرا عن صدامات الادارة الداخلية كتبه روبرت كيجان، وهو احد المعلقين المحافظين من ذوي الصلة الواسعة بالادارة الحالية واوضح كيجان ان رامسفيلد جمع «فريقا من الايديولوجيين المتشددين في البنتاجون ممن يهيئون المسرح لصدام مقبل مع كولن باول». وقال كيجان ايضا ان كل من وولفتز ودوجلاس فيث مدير السياسات في البنتاجون وبيتر، رودمان مساعد الوزير لشئون الامن الدولي لا يوافقون على تعديل نظام العقوبات ضد العراق ويتحمسون لتسليح المعارضة العراقية لقلب النظام. مقابل ذلك كما يقول كيجان ـ وضع وزير الخارجية ريتشارد هاس كمسئول عن مكتب السياسات في الوزارة، وقال كيجان ان هاس مقتنع تماما بضرورة اعادة صياغة نظام العقوبات كما انه معارض لتسليح منظمات المعارضة العراقية. وتقول «نيويورك تايمز» ان المحافظين المتشددين في الادارة اتصلوا باصدقائهم في مراكز الدراسات السياسية واوصوهم «بتشديد الضغط» للمشاركة في حصار خصومهم، وتوضح الجريدة ان ديك تشيني الذي شكل مجموعة متماسكة من المستشارين في السياسات الخارجية سيلعب دورا حاسما في هذه المواجهة بين الخارجية والدفاع الا ان تشيني متهم في واشنطن بالميل الى وزارة الدفاع التي سبق له ان شغل مقعدها الاول. ويعني هذا ان كولن باول بات محاصرا بالفعل. هناك ايضا دلائل متفرقة تؤكد ان تطويق هذه التناقضات قد يكون امرا صعبا .. كينيث بولاك، احد ابرز المسئولين عن الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي غادر منصبه قبل ايام دون ان ينطق بحرف. ولو حللنا مواقف بولاك من كتاباته السابقة سنجد انه كان معارضا لتسليح المعارضة العراقية ومدافعا عن تعديل نظام العقوبات «لجعله اكثر فعالية» من زاوية جمع التأييد الدولي والاقليمي فهل يعني ذلك ان مستشارة الامن القومي كوندليسا رايس التي لايعرف احد بصورة واضحة اين تقف الآن اختارت كفة رامسفيلد؟ فضلا عن هذا فان مستشار ديك تشيني لشئون الامن القومي لويس ليبي يعد من المدافعين عن سياسة بالغة التشدد تجاه بغداد، بداية من تسليح المعارضة الى بدء مسلسل العمليات السرية لقلب النظام. فهل يعني ذلك ان موقف تشيني بدوره بات محسوما؟ ولكن المسألة في جوهرها تتجاوز معرفة من يقف مع ماذا ..؟ انها تتجاوز محاولات التصنيف وتحديد الفرق التي تواجه بعضها البعض الآن، ذلك ان المشكلة الاولى تكمن في وجود فرق متواجهة من الاصل وليس في مواقف كل فرقة منها. ان هذه الانقسامات قد تعيد قصة ماحدث مع الكسندرهيج، اول وزير للخارجية في عهد رونالد ريجان، واضطراره بعد فترة وجيزة للاستقالة او قصة ويليام روجرز، وزير خارجية ريتشارد نيكسون الذي اخرجه هنري كيسنجر من الادارة، او قصة الصراع «التاريخي» بين وزير دفاع ريجان كاسبار واينبرجر ووزير خارجيته جورج شولتز. والخارطة الحالية تكاد تكون واضحة .. المحرك الاساسي لمواقف وزارة الدفاع ازاء الشرق الاوسط هو ريتشارد بيرل الذي شغل لسنوات متعددة في الوزارة مسئوليات اساسية قبل ان يغادرها مؤخرا، الا ان بيرل وضع صديقه المخلص دوجلاس فيث في مقعده، فضلا عن ان بيرل وبول ووليفتز يرتبطان بعلاقة شخصية حميمة وتشاركان القناعات الفكرية والسياسية ذاتها. وقد كان بيرل ـ هذا «الحاضر الغائب» في وزارة الدفاع ـ هو الذي تعرض من قبل لتحقيق سري بسبب وجود شبهات حول علاقته بالمخابرات الاسرائيلية والمعروف ان زوجة بيرل تحتل موقعا رئيسيا في معهد خاص للدراسات الامنية والاستراتيجية يعد من اكثر معاهد واشنطن دعما للجنرال آرييل شارون وسياساته. اما المحرك الاساسي في وزارة الخارجية ازاء قضايا الشرق الاوسط فانه موقع لا يزال شاغرا حتى الآن، هناك مثلا ريتشارد هاس المسئول عن «وضع السياسات» ولكنه يفضل الابتعاد عن الشرق الاوسط الآن، اما ادوارد ووكر فانه على وشك مغادرة منصبه بعد سنوات من العمل مساعدا للوزير لشئون الشرق الادنى وكان ووكر يعرف من البداية انه سيغادر، لذا كان الموقع «شبه شاغر» منذ اللحظات الاولى رغم ان ووكر فعل ما ينبغي على اي دبلوماسي محترف ان يفعله باقتدار وبحكمة وضمن نطاق السياسة الموضوعة من الرئيس .. اي ضمن نطاق سياسة اللاسياسة. لقد مضى وقت ثمين دون احراز اي نتائج بالمرة في الشرق الاوسط على الاقل. بل كان ما تحقق هو كارثة سياسية، وتخبط امريكي، وتدهور لم يتوقف ليوم واحد على ارض المنطقة بعد ان قالت واشنطن لاهلها ان العالم بات احادي القطب، وان الولايات المتحدة تستطيع حيث يعجز الآخرون، وان حصار العراق وتدميره هو مقدمة لاحلال الاستقرار في المنطقة، وان هدف واشنطن الوحيد هو الهدف في الشرق الاوسط ، لذا تحتم مواجهة الخطر العراقي، اما في حالة اسرائيل فانها سياسة «هاندز اوف» فليفعل الاسرائيليون بالمنطقة ما يريدون. انه خطأ فادح على حساب الشعب العربي في معادلة استقرار الشرق الاوسط مساويا للصفر .. فالناس هنا اذكياء ايضا، يفهمون، ويحللون ويدركون مغزى ما يقال وما يحدث، اما الخطأ الافدح فانه افتراض ان الاستقرار في الشرق الاوسط هدف قابل للتحقق اذا ما استمرت السياسة الاسرائيلية على ماهي عليه الآن.