جرت العادة، كما تدل العقود المتعاقبة، على منح اي ادارة امريكية جديدة نحو ثلاثة شهور قبل «قراءة» الاتجاه العام لسياستها تجاه اي منطقة من مناطق العالم الساخنة، فقد برهنت كل الادارات السابقة على ان هذه الفترة تعد مهلة زمنية كافية لبلورة ذلك الاتجاه، على الاقل في ملامحه العامة، كما برهنت على انه قلما يتبدل الاتجاه الذي يتشكل في تلك الفترة الاولى خلال السنوات التالية. فكيف كان اداء ادارة الرئيس جورج خلال تلك الفترة؟ ما هي على وجه الدقة الملامح المبكرة لتوجهات هذه الادارة فيما يتعلق بالشرق الاوسط؟ وهل بوسعنا وضع استنتاجات عامة من خلال وقائع الشهور الاولى للادارة الجمهورية «الجديدة»؟ حين تولت ادارة الرئيس جورج بوش مهام الحكم في واشنطن في 20 يناير الماضي ظهرت نظريات وافتراضات متباينة حول السياسة التي سيتبعها ازاء الشرق الاوسط، الجماعات الموالية لاسرائيل اعربت عن تشاؤمها، فقد صوت 86% من يهود الولايات المتحدة لبطاقة آل جور ـ جوزيف ليبرمان، وساندت المنظمات اليهودية الامريكية منافسي جورج بوش بصورة مكشوفة. وحين انتهت الانتخابات إلى ما اتت اليه كان من الطبيعي ان يتوقع انصار اسرائيل سياسة اقل انحيازا لاسرائيل مما كان عليه الامر في السابق، وهكذا عكست تعليقات الصحف اليهودية حالة من القلق العام استنادا على ادراك ان جورج بوش «ليس مدينا للصوت اليهودي بشيء»، وان الجالية العربية الامريكية صوتت إلى جانب الجمهورية بنسبة 73% طبقا لنتائج استطلاعات الرأي العام المتباينة. الا ان السؤال الذي طرحه بعض المعلقين الاذكياء عقب اعلان نتيجة الانتخابات اظهر ان الاستنتاجات «المنطقية» قد لا تكون منطقية احيانا، خصوصا في واشنطن، كان هذا السؤال هو: هل سيكون النموذج الذي يؤسس عليه جورج بوش ادارته هو نموذج رونالد ريجان ام نموذج جورج بوش الاب؟ وعند بحث اسس السؤال يسهل اكتشاف الافتراضات بعيدة المدى التي يخفيها، ذلك ان الجالية اليهودية الامريكية صوتت ـ ايضا بنسبة تزيد على 80% لصالح جيمي كارتر خلال سباقه مع رونالد ريجان عام 1979، رغم ذلك فقد كانت ادارة ريجان الاولى بالغة الانحياز لاسرائيل، وفيما صوت يهود الولايات المتحدة بنسبة اكبر لصالح جورج بوش الاب عام 1991، فقد كانت ادارته اكثر اعتدالا تجاه المسألة الفلسطينية من ادارات امريكية كثيرة سابقة أو لاحقة. من الواضح اذن ان الخطأ لم يأت من الارقام، بل جاء من الافتراضات التي تبعتها، فالصوت اليهودي لا يفسر ـ وحده ـ المواقف السياسية لأية ادارة، ان هناك خارطة معقدة اخرى تحدد هذه المواقف تجاه منطقتنا، ولكن فلنتناول ـ على ضوء ما قيل في واشنطن خلال اسابيع هذه الادارة الاولى ـ المغزى الحقيقي لما حدث ومدى تأثيره على بعض القناعات السائدة في الشرق الاوسط والتي ترسخت، ربما بحكم التكرار وليس بحكم الدقة الموضوعية. قناعات ومنطق السياسة ـ القناعة الاولى هي انه ليس بوسع أي رئيس امريكي ان يفوز بالبيت الابيض دون تأييد «اللوبي» الاسرائيلي والمنظمات اليهودية الامريكية، والدرس الاول في انتخابات العام الماضي يتلخص في ان الصوت اليهودي ـ كما اسلفنا ـ ساند المرشح الرئاسي الذي اخفق في ذلك السباق، كيف اذن يمكن الاطمئنان إلى هذا الافتراض الذي يجعل من المقعد البيضاوي رهينة في جيب منظمات اللوبي؟ فضلا عن هذا فإن ذلك الافتراض يستند على خلط واضح بين الصوت اليهودي من جهة، ومنظمات اللوبي الاسرائيلي من جهة اخرى، بعد ذلك يأتي خلط واضح اخر حين يتصور البعض ان هناك تجانسا تاما، واتفاقا كاملا بين مكونات اللوبي والجماعات اليهودية حول مواقفها من اسرائيل. لقد شهدت انتخابات العام الماضي ظاهرتين متناقضتين، الاولى هي اندفاع يهود الولايات المتحدة إلى دعم آل جور، جوزيف ليبرمان بلا تحفظ، والثانية هي «حذر» منظمات اللوبي الاسرائيلي، وليس الجالية اليهودية الامريكية على وجه العموم، ازاء اعلان دعمها المفتوح لهذا المرشح أو ذاك. ان «ايباك» مثلا لم تعلن ابدا عن تأييدها لآل جور أو معارضتها لجورج بوش، لقد تركت اغلب المنظمات اعضاءها يذهبون في الاتجاه الذي يريدونه، وكان معروفا للجميع أي اتجاه هذا، اما القيادات فقد أمتنعت عن عمد عن ابداء رأي واضح، ايباك مثلا قالت منذ لحظة مبكرة ان مهمتها هي «تعزيز العلاقات بين الولايات المتحدة واسرائيل بصرف النظر عن نوعية الحكومة في أى من العاصمتين». بعد ذلك يتحتم ايضا تفنيد الافتراض الشائع بان الجالية اليهودية، تتسم بالتجانس الكامل، انه افتراض ابله في تبسيطه، ذلك ان الجالية اليهودية الامريكية تنقسم من الوجهة الدينية إلى اصلاحيين واورثوذكس ومحافظين، أي ثلاثة تيارات اساسية لكل منها هياكلها الادارية والدينية، ومعابدها المختلفة ومواقفها الدينية المختلفة، ورغم ان هذه التيارات الثلاثة تضم صفوفها حين يظهر ما يهدد مثلا بعودة المواقف المعادية لليهود بصفة عامة، الا ان من الخطأ الواضح تبسيط الامور إلى حد افتراض عدم وجود اي خلاف بين هذه «المدارس» الدينية المختلفة. انه افتراض مريح، خاصة لاولئك الذي يميلون إلى العبارات الفضفاضة، والشعارات العامة، اما من يرغبون في دراسة تضاريس هذه الجالية المؤثرة في الولايات المتحدة فان عليهم تحسس الفوارق بين هذه الطوائف المختلفة لان هذه الفوارق موجودة، ولان الميل الذاتي لالغائها لن يؤدي إلى الغائها بالفعل على ارض الواقع. ثم ان لهذه التيارات ايضا مواقف سياسية متباينة، وذلك رغم ان تيارا منها ـ هو التيار الاورثوذكسي ـ لايمنح السياسة اي اولوية على جدول اعماله، ولايفرض بالتالي «دعاية سياسية» جمهورية أو ديمقراطية بين اتباعه، اما التيار الاصلاحي، وهو التيار الاضخم بين يهود الولايات المتحدة، فانه ينحو إلى دعم الديمقراطيين، وإلى تأييد حزب العمل في اسرائيل، وذلك على عكس التيار المحافظ الذي يميل إلى اليمين في الحالتين معا. من هنا يمكن القول ان تناول الجالية اليهودية الامريكية باعتبارها «كلا» واحدا متجانسا من الزاويتين الدينية والسياسية هو أمر ـ باختصار ـ يخالف الواقع، كما ان افتراض ان بوابة البيت الابيض لها مفتاح يهودي هو افتراض ابله اخر، ذلك ان الانتخابات الماضية وحدها ـ وهي لاتزال حية في اذهاننا جميعا ـ تكذب ذلك بصورة واضحة. بدلا من ذلك تؤكد الوقائع ان للجالية اليهودية تأثيرا ملموسا في أية انتخابات رئاسية امريكية، ولكنه ليس تأثيرا نهائيا وحاسما، كما تؤكد هذه الوقائع ايضا ان لهذه الجالية رؤى سياسية متباينة تختلف فيما بينها سواء فيما يتعلق بالمجتمع الذي يحيط بها، أو بقضيتها الخارجية الاساسية، اي اسرائيل. ـ القناعة الثانية هي ان سياسة اي ادارة امريكية تجاه الشرق الاوسط تتحدد من منظور اسرائيلي خالص، ان هذه القناعة، وما لف لفها، تستند على نفس الميل المثير للدهشة إلى تبسيط الامور، هل يعني ذلك مثلا ان انصار اسرائيل لا يؤثرون في مجريات الامور في واشنطن؟ غير صحيح، فانصار اسرائيل هي اكثر المجموعات السياسية التي ترتبط بقضايا خارجية تأثيرا في العاصمة الامريكية، هناك مثلا «لوبي تركي»، و«لوبي تايواني»، و«لوبي كوبي» (من المعادين لفيدل كاسترو)، لكن المقارنة بين تأثير أي من هذه اللوبيات واللوبي الاسرائيلي هي مقارنة لا يجيزها الواقع الموضوعي بأي حال. رغم ذلك فان الادارة الامريكية لم تتحول ـ إلا في بعض صحفنا ـ إلى حكومة اسرائيلية في المنفى، انها ليست كذلك، فقد منع جورج بوش الاب صرف 10 مليارات دولار لاسرائيل بسبب سياستها الاستيطانية، وقال وزير خارجيته جيمس بيكر في عقر دار انصار اسرائيل ـ ايباك ـ ان على الحكومة الاسرائيلية «ان تكف عن اوهام بناء دولة اسرائيل الكبرى»، مشيرا إلى ان الضفة الغربية وقطاع غزة «هي ارض محتلة بحكم تعريف القانون الدولي»، رغم ذلك فان ادارة جورج بوش الاب لم تترك البيت الابيض لانها «اغضبت» اللوبي الاسرائيلي، بل لانها زادت الضرائب رغم تعهدها بعكس ذلك، ولانها لم تفلح في انهاء الركود الاقتصادي الذي حط على الولايات المتحدة منذ منتصف 1990. على ضوء هذا كله، ومع الاقرار بالنفوذ الواسع للوبي الاسرائيلي في واشنطن وهو نفوذ لا يصل إلى حد جعل الادارة الامريكية حكومة اسرائيلية في المنفى، يمكن اعادة طرح السؤال الذي بدأنا به، فكيف يمكن تقييم اداء ادارة الرئيس جورج بوش الابن ازاء الشرق الاوسط خلال شهوره الاولى في البيت الابيض؟ الوقائع وحدها توضح ان الرئيس الامريكي الجديد وقع في مسلسل من الاخطاء التي كان بوسعه تجنبها بسهولة منذ البداية، ويمكن حصر هذه الاخطاء في النقاط التالية: ـ تصورت الادارة الجديدة ان بوسعها التمسك بسياسة الابتعاد المتعمد وترك الاطراف الاساسية، ان الفلسطينيين والاسرائيليين، يشقون طريقهم كل إلى الاخر دون «توريط» الولايات المتحدة في الامر، وهكذا اعلن البيت الابيض «انسحابه» من الشرق الاوسط فيما يسمى بسياسة «هاندز أوف» اي ابعاد الايدي. واساس هذه السياسة جاء في مسلسل من كتابات وزير الخارجية الامريكية الاسبق هنري كيسنجر خلال التسعينيات، وقد اعتمدت هذه الرؤية على منطق الليكود في ان بوسع حكومة اسرائيلية يمينية ان تحطم ارادة الفلسطينيين وان تبتلع الضفة والقطاع لو تحقق شرطان اساسيان: الاول هو ابتعاد الادارة الامريكية عن الموضوع، وذلك بحكم ان توازن القوى هو بالفعل في صالح اسرائيل، وان اي تدخل خارجي ليس ضروريا في اقل الحالات، وليس مفيدا في اكثرها، اما الشرط الثاني فقد تلخص في ضمان عدم حدوث ردة فعل سيئة على مستوى الرأي العام في الدول الغربية، خصوصا الولايات المتحدة، خلال قيام أي حكومة اسرائيلية بوضع «حل نهائي» للمقاومة الفلسطينية، أى خلال تصفية لابد ان تكون دموية إلى حد كبير، لهذه المقاومة. وانتقلت رؤية الليكود من هنري كيسنجر إلى جورج شولتز وزير الخارجية خلال حكم الرئيس رونالد ريجان، ثم إلى برنت سكاوكروفت مستشار الامن القومي خلال رئاسة جورج بوش الاب، ثم إلى كوندوليسا رايس ـ تلميذة سكاوكروفت وشولتز ـ مستشارة الامن القومي الحالية، ومنها إلى إدارة الرئيس جورج بوش الابن. من كيسنجر إلى شولتز هذه الرؤية تبدو منطقية من زاوية نظر الليكود، الا انها تعاني من خللين واضحين من اي زاوية نظر اخرى، الاول هو ان نجاح مثل هذه السياسة يتطلب ان يكون ايقاع المواجهة بين الفلسطينيين والاسرائيليين ايقاعا عاديا، أي ليس متفجرا كما هو الحال منذ سبعة اشهر، كان يمكن مثلا ـ في هذه الفترة من العام الماضي ـ تطبيق هذه السياسة من الزاوية النظرية، اي بافتراض ان ادارة الرئيس كلينتون لم تكن في قلب معمعة الجهود الدبلوماسية بالفعل، الا ان اليوم الواحد الان يساوي شهرا كاملا آنذاك، فعنصر الزمن، أي الوقت الذي يمكن فيه للادارة الامريكية ان تتبني سياسة الابتعاد المتعمد،أو الـ «هاندز اوف»، هو عنصر نسبي، ذلك انه لا يقاس بمرور الساعات، أو بتوالي الايام، انه يقاس بمحتوى هذه الساعات والايام، اي بمحتواها المرتبط بالقضية محل البحث. ويعني ذلك ان «انتظار» الادارة الامريكية لعدة ايام الان يعادل انتظارها لمدة شهور حين وضع هنري كيسنجر نظريته، لقد سقط هذا «البند» سهوا من اهتمام من تدافعوا إلى تبني مقولة الليكود «كيسنجر، شولتز، سكاوكرفت، رايس» وادى ذلك إلى ان صفعتهم الوقائع صفعا، وسفهت من سعيهم إلى الظهور بمظهر من وجد اخيرا «نظرية» متماسكة يمكن ان تتبناها الادارة الجديدة، أي نظرية الابتعاد المتعمد. الخلل الثاني هو ان استمرار الصدام الراهن ـ على مستواه الراهن ـ بين الفلسطينيين والاسرائيليين يهدد المنطقة برمتها من زاويتين مباشرة وغير مباشرة، فمن الوجهة المباشرة هناك احتمالات قيام الحكومة الاسرائيلية بمغامرة في لبنان، أو احتمالات حدوث تصعيد عسكري بين سوريا واسرائيل، وهي جميعا احتمالات اقتربت كثيرا من الاذهان في الآونة الاخيرة. أما من الوجهة المباشرة فان من المستحيل القول بأن كل بلدان المنطقة ـ بلا استثناء واحد ـ لا تواجه مأزقا جماعيا محرجا بسبب تصاعد وتائر الازمة، ثمة شارع عربي، واذا كانت بعض الاقوال في واشنطن تدعي ان هذا الشارع يساوي صفرا فانها لن تكون على دراية بأوضاع المنطقة أكثر من دراية حكومات دول تلك المنطقة بأحوالها. سياسة الابتعاد المتعمد اذن كانت سياسة حمقاء من هاتين الزاويتين، اذ كان واضحا انه ليس بوسع الادارة الجديدة، أو أي ادارة على وجه العموم، ان تفترض ان الصدامات الفلسطينية ـ الاسرائيلية «غير موجودة» وان تتوقع ان تمضي الامور في الشرق الاوسط على اساس هذا الافتراض الابله، وان تترك الجانبين «يفعلان ما يشاءان» داخل «صندوق» حسبته الادارة مغلقا، لن يشهد أي تطورات درامية «غير عادية». النقطة الثانية ان سعي الادارة الجديدة إلى الغاء الادارة السابقة، وإلى هجر وسائلها واساليبها، وإلى شطب قراراتها، وإلى انكار ما فعلته ان كان ايجابيا، وتأكيده ان كان سلبيا، هو موقف ذاتي في الاساس، اي انه موقف «حزبي» يأتي من رئيس اقسم مرات انه سيدخل واشنطن كي ينهي «التحزب». لقد قدم مساعدو جورج بوش سياسة الابتعاد المتعمد عن الشرق الاوسط للرئيس الجديد باعتبارها «اسلوبا خلاقا» يحل مشكلة المنطقة من جهة، ويؤكد ان للادارة الجديدة نهجا مختلفا عن الادارة السابقة، وسوف تذكر كتب التاريخ ان هذه السياسة التي قدمها المساعدون لجورج بوش كانت احدى اكبر الفضائح السياسية التي ظهرت خلال الشهور الاولى من حكم الجمهوريين الحالي. لقد استفزت هذه الرغبة في «الاختلاف» عن الادارة السابقة وزير الخارجية الجديد كولن باول حتى قيل انه صرخ ذات مرة في بعض مساعديه قائلا «ليس كل ما فعلته الادارة السابقة سيئاً وليس كل ما نفعله الان مفهوما، حتى لي انا»، ولكن كان من الصعب على الرئيس الجديد ان يقاوم ما بدا نظرية متماسكة، فضلا عن كونها مختلفة، إلى ان قاد ذلك إلى كارثة سياسية حقيقية. النقطة الثالثة هي ان الادارة لم تشكل اية ادوات حقيقية بوسعها ان تبحث قضية متفجرة كقضية الشرق الاوسط في مجراها اليومي، وان تحدد ما يتحتم عمله على المستوى «التكتيكي» اي ليس من زاوية وضع الاستراتيجية العامة التي تترك عادة للرئيس ولكبار المسئولين، لقد قبلت الادارة الجديدة استقالة دينس روس، وفككت ما كان يسمى بـ «فريق عملية السلام» في وزارة الخارجية، ولم تعين مساعدا جديدا لوزير الخارجية لشئون الشرق الاوسط. ويبدو هذا بطبيعة الحال خطأ فادحا حتى اذا كان الخط الرسمي هو خط «الابتعاد المتعمد» ذلك ان الابتعاد المتعمد هو سياسة، انه ليس «لا شيء»، ولانه كذلك فقد تحتم تشكيل الادوات الضرورية القادرة على تنفيذ سياسة الابتعاد المتعمد هذه على واقع متفجر كواقع المواجهة الفلسطينية الاسرائيلية، لقد كان تشكيل هذه الادوات كفيلا بلفت انظار الرئيس إلى حمق سياسة الابتعاد المتعمد منذ فترة مبكرة، ومن ثم إلى ترك هذا الخيار والبحث عن خيار آخر اكثر ملاءمة للظروف الواقعية المتجددة. النقطة الرابعة هي تسرع الرئيس جورج بوش في اعلان موقفه من المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية، فقد بادر بوش إلى القول ـ عقب انتخابه مباشرة ـ انه يتفق مع وجهة النظر القائلة بإن ماانجزته هذه المفاوضات في فترات سابقة يعد «ملغيا»، وانه غير مقتنع بان هذه المفاوضات يجب ان تبدأ من حيث توقفت. ذلك ان الرئيس الامريكي الجديد كان يتخلى بذلك عن احد اهم اوراق الضغط على الحكومة الاسرائيلية الجديدة، أو «اغراء» السلطة الوطنية الفلسطينية إن جاز التعبير، لقد منح جورج بوش بهذا التصريح رئيس الوزراء الاسرائيلي الجديد ارييل شارون ما يريد «دون ثمن» وقد اسفر ذلك في نفس الوقت عن حالة من الاحباط العميق في المعسكر الفلسطيني وذلك عند رؤية عمل عشر سنوات تقريبا يتبدد في تصريح واحد. النقطة الخامسة تتلخص في اعلان الرئيس بوش انه مقتنع بأن اي مفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين لا يمكن ان تبدأ إلا اذا توقف «العنف» تماما. ويعرف الجميع في واشنطن ان عبارة «توقف العنف تماما» هي عبارة نظرية لا علاقة لها بالواقع، فالخارطة الفلسطينية واضحة ومعروفة للجميع، اذ ان بها عشرات القوى والمنظمات ذات المواقف المتباينة، ولا يمكن لأي عاقل ان يطلب من السلطة الوطنية الفلسطينية ـ أي من الطرف الفلسطيني المفاوض ـ ان يتحكم في كل حركة وسكنة تقوم بها هذه القوى والمنظمات، بل ان الافراد الفلسطينيين ـ كأفراد ـ باتوا الان ممتلئين بالكراهية لقوى الاحتلال إلى حد يصعب معه التحكم فيما يفعلون، وقصة الشاب الفلسطيني الذي طعن شخصا كان يجلس بجواره في الـ «تاكسي» معروفة الان للجميع، وكذا قصة سائق الحافلة الذي اقتحم محطة لـ «الباص» فقتل عددا من الاسرائيليين معروفة ايضا، ولم يكن هذا أو ذاك اعضاء في اي تنظيم فلسطيني بالذات. ان ما نراه الان من تخبط امريكي ازاء الموقف المتدهور بين الفلسطينيين والاسرائيليين يرجع في واقع الامر إلى هذه الاخطاء الخمسة بصفة اساسية، فضلا عن مسلسل اخر من الظروف والملابسات التي تتعلق باداء الادارة، وبتوازناتها الداخلية، وبالاتجاهات المتباينة التي تتفاعل بداخلها. ذلك انه مهما حاولت الادارة الجديدة التقليل من اهمية ما يقال، فان العاصمة الامريكية تتحدث الان عن وجود صراعات داخلية بين المسئولين عن السياسة الخارجية في طاقم الرئيس جورج بوش، وزير الخارجية كولن باول ينفي ذلك، ووزير الدفاع رونالد رامسفيلد ينفيه ايضا، ونائب الرئيس ديك تشيني يرفض التعليق على هذا الموضوع من الاصل