شامير: إذا تنازلنا عن المستوطنات فأين نعيش ،لوبي «أرض إسرائيل» يتحرك بقوة لضمان عدم اخلاء المستوطنات ادعى رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق شامير انه لا مكان لتقديم تنازلات عن الأراضي قائلاً: «اذا تنازلنا فأين نعيش؟» و«يضيف ان وعد بلفور منحنا البلاد الواقعة على ضفتي نهر الأردن، ثم نشأت عدة لجان أخذت منا ما يكفي، وقيام دولتين معناه الحكم على مواطني الدولتين بالنزاع الدائم جاء ذلك في مقابلة نشرت في صحيفة «ها آرتس». أما يهوشفاط هركابي فيشرح وعد بلفور بالقول: «خذوا اعلان بلفور وانظروا كيف انه اشترط الاعتراف الدولي بالصهيونية بمبدأ الا تكون الدولة يهودية فقط»، أي ان اعلان بلفور لم يمنح ارض إسرائيل لليهود بل منح اليهود حق اقامة وطن قومي في ارض إسرائيل، ليس فيها كلها، اضافة إلى ذلك فان احد بنود الاعلان يحدد بوضوح عدم الحاق الضرر بمكانة الجاليات الاخرى في أرض إسرائيل. وقد افزع هذا الشرط الكادر السياسي للاستيطان اليهودي، فقد قامت القرى والمناطق اليهودية في انحاء من البلاد وليس فيها كلها، وقد عملت الصهيونية القديمة على تقليص المساحات العربية وضمان مساحة للدولة اليهودية، لكنها قبلت بوجود يهود وعرب على حد سواء. جوهر التناقض الإسرائيلي منذ عام 1967 وحتى عام 1999 انشئت حوالي مئة وخمسين مستوطنة «باستثناء القدس الشرقية» ووصل عدد سكانها إلى مئة وخمسين ألف نسمة. ولم تقم حكومة في إسرائيل غير مؤيدة للاستيطان وانشاء البنى التحتية والطرق الالتفافية. وبداية الاستيطان كانت في مناطق خاضعة للجيش الإسرائيلي، واستمر الأمر في أثناء المفاوضات السلمية مع الفلسطينيين وحتى يومنا هذا ومع الأزمة التي دخلتها المفاوضات. وحين التزمت أطراف اتفاق اوسلو بعدم القيام بأية اجراءات من جانب واحد، وعدم ايجاد أي وضع قبل الاتفاق الدائم كانت المستوطنات الجديدة تنشأ والتوسع يتواصل. من جهة أخرى فإن القانون الدولي يحظر على الدولة المحتلة نقل رعاياها إلى الأراضي التي احتلتها، غير أن المستوطنات تهدف إلى ترسيخ الزعم القائل بأن ملكيتنا للأراضي قائمة بطبيعة الحال والاستيطان ما هو إلا عودة لأجزاء من أرض إسرائيل كانت قد تحررت عام 1967 وليس احتلالاً. كما أن وثيقة الاستقلال تؤيد صيغة العودة إلى البلاد، فاليهود بامكانهم الاستيطان في أي جزء منها ووجود «الآخرين» لا ينفي حقنا فيها، والمفاهيم والمثل لدينا مؤطرة باطار ديني فدائرة تسجيل الأراضي تقع تحت صلاحيات مطلقة، والدين تسلل إلى السياسة من خلال الكنيست ومسلكيات الحكومات والأحزاب العلمانية. وتلقت المستوطنات الدعم من خلال الادعاء بأنها «ضرورة أمنية» أولاً، وثانياً من خلال كونها أداة تمزيق الاراضي الفلسطينية وجعلها. جزراً منفصلة عن بعضها البعض. والأمر الثاني لم يجر الإعلان عنه جهاراً. ولن أكون مخطئاً في تقديري لو قلت بأن الخوض في تفكيك المستوطنات أو عودة المستوطنين إلى حدود عام 1967م سيكون شاذاً ومرفوضاً أن لم يكن خيانة وقد سبق أن سمعنا أقوالاً مثل: «أن المستوطنين هم بمثابة سرطان في جسم الديمقراطية الإسرائيلية»، وهو ما قاله رابين في عام 1976، عندما نشأ خلاف حول طريقة عمل المستوطنين، وارتفعت أصوات مطالبةً باخلاء مستوطنات الخليل إلا أن دافع هذه المطالبة كان ضرورة حماية هؤلاء المستوطنين بأعداد كبيرة من قوات الجيش الإسرائيلي، مع أن أعدادهم قليلة جداً وقد قال قاضي المحكمة العليا السابق حاييم كوهين إنه إذا اقتضى الوضع العملي (إخلاء المستوطنات) فانه ينبغي تعويض المستوطنين عن فقدانهم لحقوقهم (لأنهم اشتروها ببساطة وسذاجة) ويجب أن يكون ذلك في إطار الضرورة فقط، أي أنه لا توجد إمكانية لسلام بدون إخلاء (معاريف 4 مارس 1994)- إنه موقف مبدئي ضد الاحتلال أو ضد المستوطنات لأنها توجد فوق أراضٍ محتلة، لكن احدا لم يستمع إلى هذا الموقف. لقد توقعت في الحقيقة أن يعلن كوهين موقفه على النحو التالي: «يجب إخلاء المستوطنات إذا كنا نرغب في تحقيق السلام فعلاً، أو من المستحيل تحقيق السلام والاحتلال في آن واحد لأنه إذا ظل الاحتلال قائماً فالسلام لن يكون له وجود». وفي شهر يوليو 1998 صادقت مئة وعشرون دولة خلال اجتماع عقدته في روما على معاهدة دولية جديدة يقول أحد بنودها: «الاحتلال في المناطق يشكل جريمة حرب خطيرة»، وكان ذلك في إطار مبادرة دولية لإنشاء محكمة جنائية دولية دائمة في هولندا لمحاكمة مجرمي الحرب، وكانت إسرائيل على امتداد سنوات طويلة تؤيد مثل هذه المعاهدة لمحاكمة مجرمين نازيين، غير أن مندوبي الدول العربية أفلحوا في إدخال بند على الميثاق يقول: «بأن نشاطات الاستيطان عبارة عن جريمة خطيرة والسماح بمحاكمة كل من يعمل على نقل مواطنين إلى داخل الأراضي المحتلة». والقرار ليست له قيمة قضائية خلال هذه الفترة (لأنه يتوجب مصادقة ستين دولة عليه وهي اجراءات تستغرق وقتاً طويلاً) "يديعوت أحرونوت" - 9 يوليو 1998، إلا أن لإسرائيل موقفاً إزاء المستوطنات ينص على أنها لن تنسحب إلى ما وراء حدود 1967 كما لن تتوقف عن الاستيطان. ويبقى المشهد على النحو التالي: مئات بل ألوف من المنازل الفارغة التي تملاً مساحاتها الأشواك بينما ينتقل المستوطنون إلى تلال أخرى ويستوطنون، والحكومة الإسرائيلية تتعرض لضغوط تمنعها من إخلاء المستوطنات الجديدة القائمة بدون ترخيص، والهدف من هذه المستوطنات هو منع التواصل الإقليمي لأراضي الدولة الفلسطينية، فقد دعا عضو الكنيست بيني الون إلى اقتحام جميع الأسلاك والجدران والأمساك بكل ذرة تراب، والإدارة المدنية تصادق على توسعة مستوطنة ريحان على الأراضي المصادرة لبلدة يعبد بالقرب من جنين، من جانب آخر فإن إسرائيل تعمل في المنطقة «ج» من الضفة الغربية على تدمير الممتلكات الفلسطينية، كما تقوم سياسات التخطيط والتطوير والبناء على مبدأين أساسيين هما تحديد البناء للفلسطينين إلى أقصى حد ممكن، وتخصيص مناطق واسعة لتثبيت المستوطنات اليهودية وتوسيعها. والمبدأ الأول مطبق عن طريق تجميع الوضع التخطيطي للسكان الفلسطينين كما أن مخططات البناء لا تتم المصادقة عليها واجراءات الترخيص طويلة ومعقدة ومكلفة، وفي نهاية الأمر يتم رفض معظمها ولا مفر أمام الفلسطينيين من البناء دون ترخيص، لأنه السبيل الوحيد لإيجاد المأوى لهم ولأفراد عائلاتهم، وإسرائيل تستغل قوة سلطانها المطلق فتعمد إلى هدم عشرات بل مئات المنازل سنوياً، عدا عن هدم البيوت لاسباب انتقامية ورداً على العمليات العسكرية التي يقوم بها الفلسطينيون، ومن أن يكون لاصحاب هذه المنازل دخل في تلك العمليات. من جانب آخر فان عمليات هدم المنازل الفلسطينية تجري لضمان أمن المستوطنات إذ يجب ألا يكون هناك بناء على مقربة من المستوطنات أو الطرق الالتفافية أو في مناطق تنوي إسرائيل السيطرة عليها مستقبلاً. بينما يجري العمل في الجانب الآخر على نحو مغاير، ففي المستوطنات أجهزة ديناميكية حديثة ومتطورة للتخطيط والترخيص وخرائط هيكلية شاملة جاهزة لجميع المستوطنات، ومع ذلك فإن ألوف المباني المقامة في المستوطنات بدون ترخيص تقوم إسرائيل بهدم أي منها، بل على العكس من ذلك يجري منحها الترخيص. البرنامج الأفضل لقد قامت معظم المستوطنات بمبادرة من الحكومات الإسرائيلية وعن طريق مصادرة الأراضي، فالأراضي ذات الملكية الخاصة تتم مصادرتها بحجة الضرورة العسكرية (تجدر الإشارة إلى أن رابين كان قد ادّعى -عندما كا ن رئيساً للحكومة ووزيراً للدفاع أن كثيراً من المستوطنات تفتقر إلى القيمة الأمنية، بل تشكل عبئاً على الجيش- صحيفة علهمشمار 27 يناير 1995م)، فهل المحكمة العسكرية على علم بحقيقة الحاجة أو الضرورة العسكرية حين تمنح الإذن بالمصادرة ومن ثم تخوّل الحكومات التخطيط لإنشاء المستوطنات. لقد شجعت الحكومات الإسرائيلية الاستيطان بوسائل مختلفة منها المنح والقروض، كما شجعت المبادرات الشخصية في هذا الميدان، فالحكومة المحتلة هي الأمينة على الأرض إلى حين التوصل إلى حل سياسي للنزاع، لكن المحتل ليس سيداً للأرض بأي حال من الأحوال حتى وإن بدا له بأنه حصل على حق تسجيل الملكية من سلطة مطلقة. ويشار إلى أن ثلثي أراضي المناطق المحتلة مسجلة بطريقة غير منظمة فما أن يثور الجدل حول ملكية الأرض إذا كانت عامة أو خاصة فإنها تظل عامة إلى أن يحسم ما هو خلاف ذلك. وعبء البرهنة عل ملكية الأرض يقع على عاتق المواطنين، وعموماً فإن هذا الأمر يسهل على الدولة الإعلان عن الأراضي المعطاة للمستوطنات بأنها أراض عامة. في عام 1948 ازداد معدل الأراضي العامة من نصف مليون دونم إلى حوالي 1.8 مليون دونم، وفي عام 1993 إلى حوالي 2.5 مليون دونم (الصراع على أراضي الدولة- معاريف 22 يناير 1993) والمحكمة العليا لا تتدخل في الاستيطان على أراضي الدولة ومليون دونم من ضمن المليونين ونصف المليون دونم مسجلة على أنها أراضي دولة. هذا إلى جانب الطرق الالتفافية التي يجري شقها لتوفير حركة تنقل آمنة للمستوطنين على حساب الأراضي الفلسطينية، فمئات الكيلومترات من هذه الطرق كانت سبباً في مصادرة عشرين ألف دونم من الأراضي التي هي في معظمها زراعية، ولا يتوقف الأمر عند حد مصادرة الأراضي بل يتعداه إلى هدم المباني السكنية. وعلى سبيل المثال فقد استوجب الطريق الالتفافي حول الخليل مصادرة ألف ومئة وخمسين دونماً بالإضافة إلى هدم أربعة وعشرين مبنى، في حين تدعي المحكمة الإسرائيلية العليا أن الأراضي المصادرة هي سبعمئة وثلاثون دونماً وأن الجزء الأكبر من المباني كان مخالفاً للقانون، وهكذا فإن الاستيطان هو عمل سياسي وليس عملاً أمنياً والهدف منه أولاً وقبل أي شيء آخر هو خلق حقائق جديدة وفرض الأمر الواقع على الأرض وفي مناطق الاستيطان، أما الهدف الثاني فهو إلحاق الأذى بالفلسطينيين وتمزيق التواصل القائم بين القرى العربية بحيث يصعب على الفلسطينيين إقامة دولة لها خط حدودي واحد، وإنما جزر مبعثرة تفصل بينها المستوطنات. وكانت جميع حكومات إسرائيل قد أعلنت أنها في مفاوضاتها مع الفلسطينيين ستطلب ضم الأراضي التي تقوم عليها المستوطنات إليها وإلى الأبد، أما حكومات اليسار فكانت تطالب بضم "معظمها"، وهذا يعني تحويل الاحتلال من "مؤقت" إلى دائم ثابت ومطلق، وعادة فإن المطالب السياسية يجري الحديث فيها على طاولة المفاوضات لكن إسرائيل بأعمال الاستيطان تقوم بإعاقة المفاوضات وايجاد مستجدات من طرف واحد. لا شكّ لدي بأن برنامج حركة ميرتس هو الأفضل بين برامج جميع الأحزاب المشاركة في السلطة، ومع ذلك فإن برنامجها يقول "حتى إحلال السلام وانسحاب إسرائيل من معظمها الحاسم وليس من جميعها" وأتساءل لماذا لا يكون الانسحاب من جميعها؟ هل يبدو ذلك تسوية إقليمية ولماذا يبقى القليل من الاحتلال؟ الثمن الباهظ للسلام حكومة نتانياهو ـ عندما توقفت مفاوضات الحل الدائم في عهدها- كانت تتمنى ألاّ تكون هنا مفاوضات بالأساس كي تكسب ود الذين يرفضون "التنازل عن أرض إسرائيل" وهنا فإن اللغة تلعب دورها في إيجاد اتجاهات التفكير، فإعادة أرض محتلة يسمى "الثمن الباهظ للسلام" - وهذه الجملة مقبولة لدى الجميع باستثناء الراغبين في إجراء مفاوضات سلام حقيقية- تكون نتيجتها السلام فعلاً. وحسب المنطق الأول فإنه محظور منح أي جزء من أرض الأجداد. وإلى أن تتشكل حكومة أخرى تتولى إدارة المفاوضات يتوجب تخليد الاحتلال الزائف. من جانب آخر فإنه من المستحيل حصر عمليات توسيع المستوطنات الجديدة لأنها تحدث كل يوم، حيث يسيطر المستوطنون على التلال ويضعون عليها بعض البيوت الجاهزة، وقد يقوم الجيش الإسرائيلي بإنزالها لأنها غير مرخصة لكن اللعبة تتكرر، فغداً أو بعد غد يأتي آخرون، ويكررون الأمر وتبقى الشاحنات الضخمة فوق التلال جاهزة لنقل بيوت جاهزة أخرى، والفلسطينيون يخشون الاحتكاك بالمستوطنين كنتيجة لتراكمات كثيرة، فالأمر ليس وليد اللحظة، إذ أن عمليات الهجوم التي يقوم بها المستوطنون على ممتلكات الفلسطينيين لا تتوقف، والاعتداء على النساء والأطفال ومهاجمة المصلين في منطقة الحرم الإبراهيمي (جولد شتاين) هذا كله يزيد من غضب الفلسطينيين، ليس لأن الأمر يعني محاولة المستوطنين الاستيلاء على أراضيهم وأملاكهم فقط، وإنما هو ناجم أيضاً عن موقف الجيش الإسرائيلي الذي يتسم بالسلبية إزاءهم فهو لا يمنع عنهم هذه الاعتداءات، واستشهد بما قاله أحد المتحدثين في مؤتمر صحافي لرابطة الأكاديميين في الخليل من أن عدد سكان البلدة القديمة في الخليل هو حوالي 2500 فلسطيني ولكن الكثيرين منهم رحل جراء الضغوط المبرمجة والمتواصلة وبسبب الاستفزازات اليومية والإرهاب الذي فرضه المستوطنون. وهنا يقوم المستوطنون طبعاً بالاستيلاء على منازلهم وتسمى هذه العمليات (عمليات شراء قانونية للمنازل) ويصفون إخلاء المنازل (بمغادرة السكان إلى مكان أخر)، وبين حين وآخر يقوم أحد الوزراء في الحكومة الاسرائيلية فيستنكر الفوضى وأعمال الشغب خلافاً لتخطيط الحكومة، ويطالب بإخلاء هذه المستوطنة أو تلك، لكن اللوبي المحب لأرض إسرائيل سرعان ما يتحرك ولهذا اللوبي نفوذ كبير جداً على الحكومة وتأثير قوي على الرأي العام.