لا وجود لاستعداد عربي للحرب مع اسرائيل ، السياسات الاسرائيلية مسئولة عن افراز «حماس» في غمار الانتفاضة اللاءات الصهيونية هي التي تحكم انتخابات رئاسة الحكومة الاسرائيلية، فلا أحد يستطيع الخروج عليها، الكل يسير في مسارات ممهدة ولا يوجد من يبحث عن طريق آخر، ولا يختلف الأمر عن لاءات الخرطوم العربية التي قلنا إنها لا تصنع السلام. وكشعار لهذا الفصل من الكتاب اقتبس مقالة جدعون ليفي المنشورة في صحيفة «هآرتس» في الرابع من ابريل 1999 بعنوان «كوسوفو هنا»: «تمر بنا الصورة الواردة من كوسوفو لتذكرنا بأن كوسوفو كانت هنا لمن لا يذكر، كوسوفو كانت هنا ولم يكن حينها حلف شمال الاطلسي موجوداً ولا التلفاز منتشراً في جميع انحاء العالم، ولكن على مدى عشرين شهراً بين ديسمبر 1947 وسبتمبر 1949، تمت عملية هرب أو طرد ستمئة الف إلى سبعمئة وستين الف عربي فلسطيني من بيوتهم فتحولوا بين ليلة وضحاها إلى لاجئين، ولو كانت هناك كاميرات تصوير لاصيب العالم بالذهول جراء الصدمة التي لا تقل فظاعة عن القطارات الالبانية، لقد كان منظرهم مماثلاً لمنظر لاجئي كوسوفو». ويواصل الكاتب: «لقد فروا بسبب الخوف والهلع وقد وصلت إلى اسماعهم أنباء مجازر (قليلة نسبياً إلا أنها مخيفة) ففي يافا سمعوا مثلاً عن دير ياسين فلم يبقَ في المدينة سوى 4 ـ 5 الاف من سبعين إلى ثمانين الفاً هو مجموع عدد السكان، وكما هو الحال في كوسوفو جرى طرد قسم من المواطنين العرب بالقوة من قراهم ومنازلهم «عملية تطهير عرقي». الفوارق ليست كبيرة والنتائج متطابقة في الحالتين، مقارنة تبعث على الغيظ لأن الذين قاموا بطرد الفلسطينيين هم انفسهم لاجئون مطرودون وهذا ليس شأن المطرود إذ لم تكن لدى طارديهم نية معلنة ومسبقة لطردهم، ومع أن البعض منهم جرى طرده بالفعل كما كان هناك من العرب من حرّضهم على الهرب إلا أن ذلك كله لا يعفينا من المسئولية فقد تحول أكثر من نصف مليون انسان عام 1948م إلى لاجئين كما تم تخريب بيوتهم ولم يسمح لهم بالعودة إليها. ومعظم الإسرائيليين لا يحبون تذكّر ذلك والغالبية تنفي أو تتغاضى وفي المدارس تم سرد قصص مغايرة تماماً لما جرى في الواقع، الواقع الذي يقول أنه تم احتلال ومحو حوالي اربعمئة وتسع عشرة قرية وبلدة من على وجه الأرض ـ مئات الألوف يعيشون في المخيمات منذ تلك الأحداث وكوسوفو كانت هنا فعلاً باستثناء آلات التصوير. والحرب في كوسوفو هي ثمرة أعوام طويلة من الحقد والكراهية، وهنا أيضاً تتراكم الاحقاد بيننا وبينهم وعلينا أن نتعلم من مجريات الأحداث في كل من سراييفو وكوسوفو بأن الكراهية مصيرها الانفجار. فإلى متى سيواصل الفلسطينيون العيش وفق نزواتنا وتحت وطأة الاعتبارات الأمنية والانتخابية مطأطئي الرؤوس وكراهيتهم مكبوتة، وإلى متى يواصلون التجمع فوق أطلال بيوتهم ويستسلمون لقيام المستوطنات أمام منازلهم وبعضها فوق أراضيهم. وإلى أي مدى يمكنهم القبول بقواعد اللعبة التي تقول إن الإسرائيليين هم الأسياد الوحيدون لهذه الأرض؟ من الصعب معرفة الاجابات عن كل هذه الأسئلة وهم ـ أي الفلسطينيين يفاجئوننا حتى الآن بصبرهم وطول بالهم. واجرت سميدار بيري حديثاً مع البروفيسور يهوشفاط هركابي (وقد توفي مؤخراً) في ملحق «يديعوت أحرونوت» في 3/6/1994، بمناسبة مرور سبعة وعشرين عاماً على حرب يوينو 1967، قال فيه هركابي: «أنني اتابع الصراع العربي الإسرائيلي منذ خمسة وأربعين عاماً (كرئيس لجهاز الاستخبارات العسكرية وكمحاضر وباحث في الجامعة العبرية ومراقب الآن من الجهة الأخرى) وادعو الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني إلى دفع أي ثمن والتوصل إلى تسوية للحيلولة دون وقوع الحرب المقبلة». ويحذر هركابي من الحرب المقبلة التي ستكون فظيعة وشاملة تشارك فيها مصر ضد إسرائيل، كما يوصي بانهاء الاستيطان اليهودي في الخليل المكوّن من اربعمئة وواحد وخمسين شخصاً وأنه كان منذ البداية قد أوصى بعدم الاستيطان، واضاف أيضاً بأنه يؤمن بالدولة الفلسطينية منذ سنين طويلة، وقد ألف كتاب «قرارات مصيرية» الذي دعا من خلاله لاقامة دولة فلسطينية بشكل علني وواضح إذ لا يعتقد بوجود سلام متكافئ دون أن تكون للفلسطينيين دولة كما أنه من الصعب عليه الايمان والاعتقاد بأن الفلسطينيين سوف يوافقون على انتهاء هذا الأمر بحكم ذاتي. ويواصل القول: «يجب أن نضع في حساباتنا بأن القدس مهمة بالنسبة للنصارى والمسلمين وإذا كانت هناك طاقات ودوافع للجهاد فانها كامنة في القدس اكثر مما هي في الصراع العربي الإسرائيلي، ونحن قد نخلق الظروف المواتية لذلك». أما الصيغة التي اقترحها بشأن القدس، قال رداً على السؤال الموجه له، فهي دون الدخول في تفاصيل العمل على تقسيم القدس لاحياء، بحيث تكون هناك احياء يهودية و احياء عربية تضمها بلدية مشتركة يكون لإسرائيل النفوذ الأكبر فيها فاليهود يشكلون الأغلبية، ويضيف أنا اؤمن بأن القدس يجب ان تكون موحدة من حيث الخدمات والسبب بسيط: لأن أنابيب الصرف الصحي تعمل وفق الجاذبية وليس ضمن خطوط سياسية، كما أنه من الصعب علي الاعتقاد بأن يوافق العرب وليس الفلسطينيون فقط على ألا يكون لهم جزء من القدس، كما أنني احذر من أن تؤدي الخلافات في الرأي حول القدس إلى جرنا جميعاً نحو الحرب. التوازن الديموجرافي يقول الكاتب أن المدينة المقدسة مقسمة بطبيعة الحال والزعماء الذين يتحدثون عن عدم تقسيم القدس لا يقولون الحقيقة والعلاقة بين شطري المدينة مثلما هي بين عائلتين متخاصمتين، والمدينتان الشرقية والغربية مرتبطتان ببعضهما البعض فقط في خطابات رئيس البلدية الموحدة أو خطابات زعماء آخرين، ولا مقارنة بين شطري المدينة لا في الشوارع ولا في المؤسسات الثقافية ولا في أعمال التنظيف والصرف الصحي ولا في البناء ولا في أي شيء، فالسكان من شطري المدينة لا يعمل احدهم لدى الآخر ولا توجد حركة تنقل بين المدينتين ولا حتى أي تدفق للسكان كما هي الحال بين مدينتين جارتين. والأمر المشترك الوحيد لشطري المدينة هو خوف اجتياز الحدود إذ لا حاجة لأسلاك شائكة أو أفراد شرطة لمعرفة اين تقع الحدود. ومنذ ضم القدس الشرقية إلى إسرائيل عام 1967 وحكومات إسرائيل تعمل على تعزيز السيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية من خلال هدفها المعلن وهو المحافظة على ما يسمى (التوازن الديموجرافي) أي المحافظة على أغلبية يهودية ثابتة في القدس. ولأجل تحقيق هذا الهدف تعمل إسرائيل على زيادة عدد اليهود في البلدة القديمة مقابل «تشجيع» الفلسطينيين على مغادرتها. فوزارة الداخلية باجراءاتها المعقدة وكذلك مؤسسة التأمين الوطني وتضييق الميزانيات في القدس الشرقية، كل هذه الطرق تنعكس سلباً على مواطني القدس الشرقية من العرب الفلسطينين الذين تتعامل معهم وزارة الداخلية على فرضية أنهم مهاجرون في منازلهم ويوجدون في المدينة كاحسان ومنّة مقدمة من دولة إسرائيل وبالتالي يتحقق الهدف المنشود لحكومة إسرائيل بتهجير السكان العرب بشكل هادئ. وهكذا فإن سياسات وزارة الداخلية ومؤسسة التأمين الوطني تقوم بعملية تمييز لاذعة وسافرة بين الفلسطينيين واليهود فكل يهودي حتى لو لم يكن مواطناً إسرائيلياً بإمكانة السكن في المستوطنات ويواصل حصوله على المخصصات والتأمينات كما أن بامكانه العودة للسكن في إسرائيل متى شاء بينما يفقد مواطنو القدس الشرقية من العرب جميع حقوقهم إذا ما انتقلوا للمناطق الفلسطينية. ويستشهد المؤلف بما كتبته ميخال سيلاج في صحيفة دافار 6 أغسطس 1993: «المفهوم الأساسي يقول بأن القدس هي مدينة اليهود ويتم تقبل العرب على انهم مرض عضال ينبغي معرفة كيفية التعايش معه. لا يطردونهم بالقوة ولكن لا يسمحون لهم أيضاً بالعيش حياة متساوية مع اليهود». ويقول تقرير بتسليم ـ ابريل 1997 المعنون «التهجير الهادئ» ـ نقلاً عن رئيس البلدية تيدي كوليك الذي قال: «كل من يعتقد بأن العرب هنا يعيشون حياة طيبة فهو مخطئ، فخذوا بيت صفافا مثلاً، جزء من ارضها تم ضمه إلى حي القطمون وجزء آخر لضاحية جيلو، هذا عدا عن الشارع الذي اخذ الكثير من الأراضي أيضاً، وبامكاني أن احكي لكم قصة كهذه عن كل قرية، لقد كان الهدف من سياسة مصادرة الأراضي في القدس الشرقية هو خدمة السكان اليهود فقط في مقابل التجاهل المطلق لضائقة السكن والاحتياجات الخدمية الأخرى لسكان المدينة الفلسطينيين». لا يمكن أن تكون هناك ديمقراطية تتمسك بحوالي مئتي الف عربي في القدس الشرقية كمواطنين من الدرجة الدنيا وبلا حقوق، لا يهمني كيف تنتهي التسوية واذا اصبحت القدس عاصمة دولة إسرائيل وفق اتفاقية فإن هناك شرطاً ضرورياً وأساسياً يتمثل في أن يكون جميع سكانها مواطنين إسرائيليين وبكامل الحقوق المماثلة، وبالدرجة الأولى هناك شرط واحد الا تكون القدس مقسمة إلى أصحاب امتيازات وسكان آخرين مجردين من الحقوق، وإذا كان هناك زعيم يرغب فعلاً بدولة ديمقراطية وإقامة سلام حقيقي ويعتقد بأن هذا ممكن من خلال الفصل بين الشعبين فلتكن لديه الشجاعة والصدق وليقل قبل الانتخابات وبعدها بوجوب اعادة القدس الشرقية كما هي حال أية ارض محتلة، وعليه أيضاً أن يقر بالقدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية. حقيقة المشكلة لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد زعيم واحد يقبل بأن يكون الفلسطينيون مواطنين متساوين في الحقوق. أما الحل المطالب ببلدية مظلة للبلديتين الشرقية والغربية فهو لأرضاء القائلين بعدم تجزئة القدس وبما أنها مجزأة بطبيعة الحال فانه ينبغي ابقاء التفاصيل للاتفاق بين الطرفين، وحقيقة المشكلة تكمن في اللاءات التي لا تؤدي إلى اتفاقيات ـ وبناء على ذلك فإنه إما أن تكون هناك مفاوضات لانسحاب كامل أو الانجرار نحو الحرب ـ لأنني لا أعتقد بأن الحرب ستكون فورية إذ لا يوجد اليوم استعداد عربي للحرب، وإنما استمرار النزاع كما كان: قتال خفيف واضطرابات، لكن الزمن لا يعمل لصالحنا «وحماس نحن من افرزها في الانتفاضة». ومع تفاقم خطورة النزاع لا أعلم ماهية الوحوش والغيلان التي قد تنفجر. وفي حال نشوب حرب فان الأسد هو الذي سيتبرع بها مستخدماً منطق السادات في حرب أكتوبر، أي حرب شاملة ضد إسرائيل من اجل التوصل إلى تسوية. وهذه الحرب ستكون مغايرة تماماً للحروب التي عهدناها، ستكون حرب صواريخ من جميع الأصناف، وسوريا وكثير من الدول العربية الأخرى تمتلكها ومن يضمن إمكانية إسرائيل على الرد أو توجيه ضربة قاصمة؟ ومن هم المتضررون حتى لو كانت الغلبة لنا؟ أنهم مئات الألوف من الجبهة الداخلية، وبعد الخراب والدمار والضحايا الذين تخلفهم الحرب نصل إلى النقطة التي نقف عندها اليوم ـ بغياب ضحايا الحرب ـ وعندها نبدأ المفاوضات. وما دام الأمر كذلك فلم لا نبدأ المفاوضات بنوايا واضحة وسلمية لايجاد سلام حقيقي وليس سلام «الاحتلال والمحتل» الذي لا يعني سوى ارجاء الحرب إلى غد آخر؟ وفي حوار له بالجامعة العبرية في الحادي والثلاثين من مايو 1994 قال هركابي: «في الوقت الذي تواصل فيه الدول العربية وجودها بدون أية شروط متعلقة بنتائج النزاع، نجد بأن تسوية النزاع عبارة عن فرض وجودي بالمفهوم الواضح لهذا المصطلح بالنسبة للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. وأنا أعتقد بأن فهم هذا الأمر هو العنصر المهم أو الأكثر أهمية ضمن الإطار العام لتسوية النزاع. كما ان الاستنتاج العملي لهذا الفهم يفرض على كل طرف من الجانبين وجوب الاستعداد للقيام بالتنازلات الكبرى أياً كان ثمنها ليلبي مطالب الطرف الآخر، فالسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين لن يؤدي بهم للوقف على باب الجنة بينما انهيار السلام أو انهيار المفاوضات سيلقي بالجميع في الجحيم، فإذا انهارت المفاوضات فإنني لا أعتقد بأن الجانب العربي يستطيع العودة إلى الوضع الراهن فالارهاب سيتعاظم ويجرنا إلى الحرب في نهاية المطاف. ولهذا السبب يبدو لي بأن فهم الاخطار الناجمة عن عدم تسوية الصراع تشكل عنصراً مهماً لا مثيل له في الإصرار على ضرورة التوصل إلى تسوية للنزاع ـ أي إحلال السلام ـ وهذا أمر يجب ألا يقتصر فهمه على الزعماء وانما يتعداهم إلى المستويات الشعبية، وأنا مقتنع بأن إسرائيل من جانبها غير قادرة على الدخول في تسوية دائمة للنزاع إلا إذا أدرك الجمهور الإسرائيلي واقتنع بأن مشروع الاستيطان كان خطأً فظيعاً، كما أنني اعتقد بوجود كثيرين يدركون بأن أريحا وغزة هي دفعة أولى وأن إسرائيل سوف تضطر إلى القيام بتنازلات أخرى بما في ذلك تفكيك المستوطنات، وأعتقد أيضاً بأن القيادة الإسرائيلية لا يمكنها التوجه نحو المفاوضات النهائية دون أن يدور في داخلنا الجدل الواسع حول موضوع الاستيطان ولكن الواضح أن القيادة ليس لها مصلحة في قيام هذا الجدل الخاص بالمسألة الأكثر حساسية والمتعلقة بالخطأ التاريخي الفادح الناجم عن عدم التوصل إلى استنتاج مفاده أن الاستيطان في المناطق المحتلة كان ولا يزال وسيظل مشروعاً غير ثابت. مأزق القيادة الاسرائيلية وفي المقابل فإننا لا نغفل المأساة التي ستحدث لجزء كبير من المستوطنين في حال تفكيك مستوطناتهم، فهؤلاء هم ضحايا وسينتابهم إحساس التنكر لدولة إسرائيل، وبالأساس ومنذ البداية فإن السماح بالمشروع الاستيطاني كان حكماً على هؤلاء بالتعاسة المستقبلية، ويبدو أن القيادة الاسرائيلية تميل إلى الافتراض أن بوسعها منع هذا الجدل حتى لا تواجه صعوبة الموقف أولاً ومجابهة الناس الذين سيذكرونهم بالمواقف التي دفعوها في الماضي، ويفضل القادة أيضاً أن يتوصل الجمهور العريض إلى الاقتناع بضرورة التنازلات التي ينبغي على إسرائيل القيام بها بتأثير الحقائق مع الزمن، وأنني من جانب آخر أقدر وأتفهم المآزق التي تواجهها القيادة ولكني على الرغم من ذلك كله لست مع اخفاء أية مشكلة وتهميشها كما وأنه من الخطأ انتظار الجمهور كي يقتنع. ورأيي القاطع أن الجدل العام والواسع حول الاستيطان لا يزال ضرورياً للحفاظ على الحكومة الحالية اليوم وغداً، وهذه هي الطريقة الوحيدة التي سيفهم من خلالها الإسرائيليون ضرورة تحقيق السلام مهما كان ثمنه باهظاً وكيف أن سياسة الاستيطان كانت خاطئة.