رئيس الوزراء السوداني السابق الصادق المهدي رجل تسبقه زوابع السياسة أينما ذهب، كذلك كان حاله لما غادر السودان قبيل نهاية العام 1996 وحينما عاد إليه والعام 2000 يشارف على تمامه، كما كان حاله في الكثير من منعطفات سنوات الاغتراب الأربع. ولذلك لم يكن ثمة استثناء عندما التقيته منتصف ليلة أمس حتى الفجر في مطار دبي إذ سبقته زوبعة أفريقية بدأت في العاصمة النيجيرية أبوجا مصاحبة لقاءه الدكتور جون قرنق زعيم «الحركة الشعبية لتحرير جنوب السودان». قلت للمهدي: لدي أسئلة عديدة وأرغب في اجابات مختزلة، فقد كنت أحس ضغط الوقت وأدرك شغف الرجل بالافاضة في توضيح آرائه، وأضفت ملتمساً: اني لا أريد في الوقت نفسه أن يتحول اللقاء إلى استجواب بوليسي أو مناورة دبلوماسية، فعمدت إلى طرح الأسئلة تباعاً منذ عودة المهدي إلى الخرطوم وحتى لقاء أبوجا. كان الرجل مجهدا بعد رحلة جوية استغرقت عشر ساعات من لاجوس إلى دبي ولم تنته ليلتها إذ كان في الطريق إلى الدوحة، غير ان زعيم حزب الأمة أبدى كعادته صفاء في الذهن ورشاقة في العبارة. أوضح المهدي انه ذهب إلى أبوجا تلبية لدعوة من الرئيس النيجيري أوباسانجو وفوجئ هناك بوجود قرنق مثلما فاجأ وجوده زعيم الحركة الشعبية، وأكد المهدي ان أوباسانجو تبنى صيغة طرحها رئيس الوزراء السابق مدخلا لحل سياسي شامل للأزمة في السودان. ونفى المهدي أن يكون قد سافر إلى نيجيريا وسيطا بين النظام وقرنق. وجدد المهدي الدعوة لفصائل المعارضة من أجل العودة إلى الوطن للاستفادة من هامش الديمقراطية المتاح في اعادة بناء نفسها، معتبرا ان الاحزاب السودانية تمثل أضعف حلقات العمل العام. وقال ان التجمع بات شكلا بلا فعل، ولم يعد قادرا على ادراك المستجدات ومن ثم لا سبيل إلى الرجوع إليه. لكن المهدي لا يستبعد التحاور مع الأحزاب وأن الأمة لا يرفض العمل الجماعي ولكنه يرفض الانتحار الجماعي. تراجع النظام فعدنا ـ بعد أربع سنوات في المنفى عدت إلى الوطن فهل وجدت ان رجوعك كان أفضل من مواصلة العمل السياسي في الخارج؟ ـ الأصل في المسألة ان الخروج كان اضطرارا إذ لم يكن هناك أي مجال أمامنا لعمل سياسي وطني. فالنظام أقام حواجز أمام أي تحرك محتمل انطلاقا من مخاوف تتمكن منه ازاء تحركات داخلية وخارجية. وكان يريد ان يحملني مسئولية هذه المخاوف. ـ هذا قبل الخروج؟ ـ نعم، فقد رأيت أنه لا مجال في تلك الظروف لعمل وطني فقررت الخروج. بمجرد خروجي لاحظت تغير خطاب النظام، راجع خطاب البشير في يونيو 96 وقارنه بخطابه في يونيو 97 إذ بدأ يتحدث للمرة الأولى عن الحرية والحوار مع الطرف الآخر وعن العفو العام، وقد استمرت هذه اللغة تتبدل وتتغير على صعيد العمل حتى وصلت مرحلة جديدة عام 1998. ففي ذلك العام خاطبني البشير شخصياً ودعاني لفتح حوار ثم توسط الزعيم الليبي الأخ القذافي للقاء البشير. كل هذه الأشياء أعتبرتها في ذلك الوقت مؤشرات لتغييرات واضحة إلى ان بدأ بروز دلائل على تراجع الضغوط التي مورست علينا في السابق. هناك أمران واضحان في هذا الصدد، وهما قبول التعددية السياسية وقبول المواطنة أساسا للحقوق الدستورية كأساس لاتفاقية سلام. عند هذا المنعطف أصبح الأمر لنا ـ في حزب الأمة ـ واضحا بانتفاء أسباب الهجرة وأصبح هناك مدخل لحوار جاد. الهامش يكفي الآن ـ لا يزال النظام متمسكا بخطابه الايديولوجي ولا يزال رافضا للتعددية السياسية ويقيدها بشروط حتى الآن في هامش محدد. ـ هذا يكفي بالنسبة لنا، نحن لم نتكلم عن اتفاق نهائي مع النظام، وإنما نتحدث عن امكانية العمل، فما دامت توجد امكانية للعمل فنحن نعتقد انه لابد ان يكون العمل في الداخل إذ انه الأساس في الأداء السياسي، نحن عملنا في الداخل في مواجهة كل الأنظمة الشمولية طالما كان هناك هامش وبمجرد ان أصبح لدينا مثل هذا الهامش للعمل بالداخل نعتقد انه لم يعد هناك مبرر للبقاء في المنفى خصوصا ان العمل في الخارج تعرض لمستجدات. فقد بدأ النظام عن طريق خطابه الجديد في تطبيع علاقات مع دول الجوار وهو أمر جعل المعارضة بمثابة ورقة للمساومة في سباق العلاقة بين السودان وجيرانه، هذا أمر جديد ففي الماضي كنا ـ في المعارضة ـ نحظى بتأييد من قبل دول الجوار دون قيد أو شرط، إذ انها كانت في مواجهة مع النظام السوداني. مكاسب العودة ـ ما هي المكاسب التي حققتها بعد العودة؟ ـ كما أوضحنا في «كتاب العودة» وهو كتاب أردنا ان يفهم الناس الأسس التي عليها بنيت العودة وهي الوضوح والشفافية كما انتهت إليها ورشة العمل التي عقدناها بالقاهرة في سبتمبر 1999 بمشاركة أعضاء من الحزب في الداخل والخارج. وفي ضوء هذه الرؤية المؤسسة حققنا ما أسميته بـ «التاءات الأربع» وهي التفاوض مع النظام من أجل ايجاد حل سياسي شامل ثم التحاور مع القوى السياسية الأخرى، فنحن نعتقد دائما ان الحل لابد ان يكون قوميا فيكمل هذا التحاور التفاوضي مع النظام، ثم تأتي مسألة التعبئة، فنحن نعتقد ان الغائب الحاضر في المواجهة بيننا وبين النظام هو الشعب السوداني وهو صاحب الشأن والذي ينبغي أن يكون حاضراً بحماسة وبقناعاته. التاء الأخيرة تتمثل في تنظيم حزبنا، أنا أعتقد ان أضعف حلقة في حلقات العمل العام تتمثل في الأحزاب لأنها تعرضت للضرب والحرب وهي محتاجة في الواقع بشكل ملح وجاد إلى إعادة تنظيم نفسها، وإذا لم يحدث ذلك فلن تكون قادرة على الأداء والعطاء سواء ظلت في المعارضة أو انتقلت إلى السلطة. نحن في حزب الأمة نعلم حاجتنا الماسة إلى التنظيم وندرك ان الأحزاب تحتاج إليه أكثر منا، حاجتنا إلى التنظيم تنبع في الواقع من أننا إذا كنا في المعارضة أو الحكم نكون مشغولين عن هذا الواجب، ففي الحكم تشغلنا السلطة ومسئولياتها وفي المعارضة نتعرض لضيق شديد. نقاط الاتفاق والخلاف ـ إذن ماذا حققتم على هذا الصعيد أو ذاك؟ ـ في هذه المجالات الأربعة حققنا انجازات. ـ إلى أين انتهى بكم الأمر فيما يتعلق بمفاوضة النظام؟ وما هي العقبة الأساسية التي اصطدمتم بها؟ ـ التفاوض مع النظام وصل إلى اتفاق كامل حول اتفافية السلام وهي مطابقة لقرارات مؤتمر أسمرة. لم نتفق على الصيغة المطلوبة للتحول الديمقراطي، ففيما يتعلق بالدستور نحن نهدف إلى ان يكون الدستور كامل الديمقراطية واعتماد للمواطنة كأساس للحقوق وضمان عدم وجود تناقض بين هذه الأسس. في الدستور الحالي يوجد ما يناقض هذه الأسس كما توجد قيود على الحريات وطالبنا بتعديل كل القوانين لتواكب ديمقراطية الدستور الكاملة. لا تزال توجد خلافات حول هذا المحور ولهذا رأينا متابعة التفاوض والعمل من أجل تحقيق هذه الأهداف. ـ فيما يتعلق بالتحاور مع القوى السياسية فقد تركت بخروجك عن التجمع القوى السياسية السودانية. ـ لا أبدا، لقد وضح لنا ان التجمع صار غير مدرك للمستجدات وغير مستعد للتعامل معها، وقلنا هذا بوضوح، فنحن لسنا ضد العمل الجماعي بل هو أحد مبادئنا ولكننا ضد الانتحار الجماعي ولما تيقنا ان التجمع لم يعد قادرا على ادراك المستجدات تركناه ولم نترك في الوقت نفسه السعي للتفاهم مع القوى السياسية داخل التجمع وخارجه. التجمع ونداء السودان ـ ألم يراودك في أي مرحلة احساس بأن بقاءك داخل التجمع كان أجدى لصالح المسألة السودانية من الخروج عنه؟ ـ لا. لا، الموقف الذي اتخذه التجمع وأصر عليه هو عدم الاعتراف بالمستجدات. ـ لقد غير التجمع خطابه من الاقتلاع إلى الحوار والوفاق. ـ فعل ذلك بعد خروجنا عنه، كل هذه الخطوات تم اتخاذها بعد مغادرتنا التجمع على أساس انه أدرك ما كنا قد أدركنا بعد خروجنا منه. ـ لقد توصلت مع الميرغني إلى اتفاق «نداء السودان»، فما هو التباين بين «نداء السودان» ومقررات أسمرة وأدبيات التجمع؟ ـ الاختلاف يتمثل في أن التجمع كان مستمراً في تبني العنف كأسلوب للعمل السياسي، ولكننا رأينا انه لايمكن القول بالعمل السياسي في الداخل مع مواصلة تبني العنف، العمل داخل السودان في اطار هامش الحريات يقتضي نبذ العنف، نحن في الأصل قوى سياسية ولسنا قوة عسكرية. صحيح ان حركة قرنق يغلب عليها الطابع العسكري ونحن لسنا كذلك، وقلنا يمكن فهم موقف هذه الحركة، ولكن يجب ان ينسجم موقفنا مع منطقنا وتركيبتنا. ـ الحزب الاتحادي الديمقراطي لم ينبذ العنف. ـ اتفق الحزب الاتحادي معنا على «نداء السودان» الذي يتضمن هذا المعنى ونتوقع منه ان يفعل ما فعله حزب الأمة. ـ أعتبر البعض ان «نداء السودان» محاولة من قبلكم لشرخ التجمع. ـ نحن لم نسع إلى ذلك. ـ واعتبره البعض محاولة جديدة من قبل الحزبين الكبيرين التقليديين للهيمنة على الأحزاب الصغيرة والقوى السياسية الحديثة أو تهميشها. ـ أبدا القوى السياسية الحديثة والأحزاب لا تستطيع ان تسيطر إلا عبر الانتخابات، فليس هناك سيطرة بالوراثة، فاعلية الأحزاب السياسية تكمن فيما تحصل عليه من سند شعبي وإذا لم تستطع الاحزاب الكبيرة ان تحصل على ذلك فلا سبيل لها للسيطرة. صحيح اننا رأينا أحزاباً سياسية جديدة عديدة وقد رحبنا بهذه الأحزاب ولكن رأينا كثيراً من هذه الأحزاب تنقسم كما تتكون ولكن في النهاية لا يوجد في تفكيرنا ما أشرت اليه. النظام وقبول الآخر لابد لهذه الأحزاب ان تمتلك القدرة على التجدد في سبيل البقاء خاصة إذا كانت تريد أن تكون لها قيمة. ـ الى أي مدى أحسست برغبة النظام في قبول الرأي الآخر والتحاور بشأن القضايا السودانية المطروحة؟ لغات النظام مختلفة ـ الآراء داخل النظام مختلفة والمهم فيما يكفي بالتسليم في تراجع الأجندة الشمولية واتاحة الفرصة للرأي الآخر، ليس فقط للقوى السياسية وانما كذلك في منظمات المجتمع المدني والصحافة. ـ لا أرى تراجعاً في الخطاب الايديولوجي للنظام فلا يزال الرئيس البشير أو لسان اعلامه يردد ثوابت النظام بالاضافة الى ممارسة نفي الآخر على أرض الواقع. ـ نعم توجد لغات مختلفة ولكن ذلك لا يناقض وجود هامش حرية في السياسة والصحافة. ـ لا يزال النظام يعتقل خصومه السياسيين سواء أكان من التجمع أو المنشقين عليه. ـ الظروف بين النظام والمؤتمر الشعبي ظروف انقسام وتداعيات داخلية في رأيي ستظل مصدر مشاكل. فيما يتعلق بالقوى السياسية الأخرى فان الاجراءات المضادة مرتبطة بعدم نبذ العنف، ولكن اعتقد ان الاعتقالات الحالية مختلفة عن الاعتقالات في الزمن السابق، فالاعتقالات أصبحت مرتبطة بتحقيقات ومحاكمات وهذا ما نطالب به فنحن ضد الاعتقال التحفظي، فقد دأب النظام على اعتقال أناس سنوات دون اطلاقهم مقابل ضمان. فهناك تغيير في هذه الأمور، وعلى كل حال نحن لا نوافق على هذه الاجراءات بل نعارضها، وكان حزب الأمة أكبر قوة معارضة لمثل هذه الممارسات وطالبنا باطلاق سراح المعتقلين. ـ ولكن هذه الاجراءات لا تمنع العمل السياسي في الداخل وفوق ذلك فإن هذه المسألة يقررها الحزب، وقد قرر حزب الأمة ديمقراطيا قبول العمل في الهامش الديمقراطي المتاح ويتحمل الحزب مسئوليته التاريخية فيما يقرر. ـ أحب أن أوضح ان هذه المسألة لم يقررها الصادق المهدي أو قيادات الحزب وانما تبنتها كل أجهزة الحزب بعد مناقشات. ـ حتى داخل الحزب يوجد تيار معارض؟ ـ ولكن هذه الأشياء يقررها الحزب عبر مناقشات أساسية عبر مؤتمرات الحزب. ـ البعض يعتقد ان اقتسامكم السلطة مع النظام الحالي أكثر جدوى من مراوحتكم بين المعارضة والمشاركة. ـ هذا رأيهم ولكن لحزب الأمة قرار مغاير، لقد بحث الحزب في مناقشة مستفيضة ما هو الأفضل للبلاد واتخذ قرارات أرى انها تجسد مدرسة في الديمقراطية. العلاقة مع التجمع ـ ألا تزال تعتقد ان ما حدث بينكم وبين التجمع طلاق بائن لا رجعة فيه؟ ـ التجمع صيغة ونحن نسأل سؤالاً: ما شأن الاخوة في التجمع بنا؟ بمعنى لماذا لا يقبل الاخوة في التجمع على العمل، فقد نتكامل مع بعضنا إذا عملوا هم كما نعمل نحن. ـ أما كان ممكنا لهذا التكامل ان يتم داخل صيغة التجمع القائمة؟ ـ تلك كانت استحالة نظراً لما كان يجري من مناورات وخلافات، نحن لا نرفض التعاون في النقاط الواردة في الأجندة الوطنية، ولكن حتى اشعار آخر لا نعتقد ان صيغة التجمع الحالية مجدية. بل نسأل الأحزاب داخل التجمع ماذا يفعلون في الخارج، فهم الآن لا يقاتلون!! ـ لقد أعلن التجمع قبل عدة أيام عن عمليات عسكرية. ـ هذا هو الجيش الشعبي وليس التجمع. ـ هذا هو الحال منذ كنتم داخل التجمع. ـ لا ليس هو الشيء نفسه، لقد جاء أوان كانت هناك مساهمات عسكرية من الآخرين والآن لا توجد هذه المساهمة ولا يوجد عمل عسكري للفصائل الأخرى! ـ لكن للتجمع نشاطا سياسيا؟ ـ لا يوجد أي عمل سياسي في رأيي، يوجد البقاء في الخارج. المبادرات والأجندة الوطنية ـ تعددية منابر المعارضة في الداخل والخارج أفرزت ضبابية سياسية حتى فيما يتعلق بالمبادرات. ـ هذا غير صحيح هناك وضوح تام في الرؤية، هناك أجندة وطنية وكل الطرق تؤدي الى هذه الأجندة الوطنية. ـ الأجندة الوطنية من طروحات حزب الأمة وحده؟ ـ نعم. ـ وتوجد مبادرة مصرية ليبية مشتركة ومبادرات سودانية سودانية ومبادرة الايجاد؟ ـ كلها تتكامل. ـ لا توجد مبادرة واحدة لها قدرة على الدفاع أو الاندفاع. ـ ربما ولكن لأن هناك عوامل في مواقف النظام أو المعارضة فهناك عوامل مختلفة. ـ أليس من شأن تعدد مثل هذه المبادرات تطوير عمر الأزمة؟ ـ لا لن تطول الأزمة، غياب العمل السياسي الفاعل هو الذي يطوِّل الأزمة، ولذلك نطالب الآخرين بعمل سياسي فاعل بوضوح تام، اعتقد ان تعددية المبادرات لا تؤثر سلباً. ـ تعدد المبادرات يستنزف الجهد والوقت فلم نعد نعرف ماذا نبحث وعلى أي مبادرات نراهن، المشتركة (ايجاد) المبادرة الوطنية أم الورقة الأمريكية؟ ـ الذين يقولون مثل هذا الكلام هم الذين يتفرجون على السياسة ولا يعملون في داخلها، فالورقة الأمريكية مثلاً تعد تطوراً، فالموقف الأمريكي كان يتمحور في دعم فصيل واحد أما هذه الورقة فتطرح احتمال أن يكون الموقف الأمريكي لصالح الحل السياسي الشامل. ـ نفى الميرغني وجود ورقة تعبر عن موقف الادارة الأمريكية؟ ـ أنت الذي ذكرت تعبير الورقة الأمريكية وأنا أتحدث عن وجود مقترحات أمريكية وهي تدل على كلام جديد هي ليست مجرد كلام فارغ وانما كلام شارك فيه 50 من المشاركين عادة في صنع القرار في أمريكا بينهم اعضاء في مجلس الشيوخ وسفراء سابقون لأمريكا في الخرطوم وبينهم متخصصون وأساتذة جامعات معنيون بالشأن السوداني. ـ ما رأيكم في الاقتراح المضمن في الورقة عن نظامين في وطن واحد؟ ـ لم تقل الورقة كذلك، فهذه واحدة من الأفكار، فهم تكلموا عن نظامين قانونيين وليس نظامين سياسيين وهذا أمر وارد في أي نظام سياسي. تفاصيل لقاء أبوجا ـ توجد زوبعة حول ذهابك إلى أبوجا وسيطاً بين النظام وقرنق؟ ـ نعم هناك غموض أو عدم وضوح رؤيا إزاء سفري إلى أبوجا، لقد تلقيت دعوة من الرئيس النيجيري صاحبها طلب بأن يكون السفر غير معلن ما امكن ذلك ولم يفصح الرئيس النيجيري عن سبب الدعوة. كنت التقيت أوباسانجو وتحدثنا عن ضرورة التعاون بشأن ايجاد حل سياسي شامل في السودان وتسهيل مهمة الحوار بين السودانيين لما يتمتع به الرئيس النيجيري من علاقات واسعة مع السياسيين في السودان. واقتنع الرئيس النيجيري بما طرحت عليه من أفكار كأساس لحل سياسي شامل. عندما جاءت الدعوة الفجائية ظننت انه ربما كان يود الاستوثاق من بعض النقاط قبل سفره الى أمريكا خاصة انه من المتوقع ان يبحث أوباسانجو في واشنطن الملف السوداني ولذلك لم أعلن شيئاً عن طبيعة السفر. الكلام عن الوساطة يقتضي تطابق موقف «الأمة» مع موقف النظام وهذا غير صحيح، ونحن ما زلنا مختلفين ولكن بموجب قرار للحزب وافقنا على التعاون تجاه القضايا القومية مثل السلام والتنمية. أنا نفسي فوجئت بوجود جون قرنق في أبوجا والرئيس النيجيري نفسه قال وهو يرحب بنا «دعوتكما ولم أبلغ أحدكما عن احتمال اجتماعكما». ـ ألم تطلب من أوباسانجو في زيارتك الأولى تهيئة لقاء مع قرنق؟ ـ لم أطلب، لقد تحدثت معه عن وجود احتمال حل سياسي للأزمة في السودان ولدى حزب الأمة رأي ويسعى لاستقطاب الآراء حول «الأجندة الوطنية» وحددت له 3 أشياء، الأول اتفاق سلام وفق مقررات أسمرة، والثاني تحول ديمقراطي كامل، والثالث ايجاد ضمانات لتنفيذ ما يتم الاتفاق عليه. ولعل الرئيس النيجيري رأى في هذه العناصر أساسا محتملاً لاتفاق الجميع ووعد القيام بما يستطيع على هذا الطريق، وكان واضحاً لي انه سيبلغ جون قرنق بذلك ولكن لم يكن لقائي مع قرنق وارداً حتماً. ـ ماذا جرى في اللقاء الثلاثي؟ ـ طرح الرئيس النيجيري بنفسه النقاط الثلاث وقال «أنا سمعت من رئيس الوزراء كلاماً مشجعاً واعتقد ان هذا الكلام يصلح لكم مخرجاً ايها السودانيين، وأطلب من رئيس الوزراء اعادة ما طرح واطلب من جون قرنق ان يوضح رأيه»، وهكذا بدأ الحوار. ـ هل كان هناك تجاوب من قرنق مع النقاط الثلاث؟ ـ قرنق تحدث عن نظام مراوغ واصراره على استخدام الوسائل المتاحة كلها وهي العمل العسكري، الانتفاضة، العمل الدبلوماسي والتفاوضي، وقال قرنق ان خروج حزب الأمة من التجمع أضعفه وأن وجوده في التجمع يشكل ضماناً. ـ ماذا كان ردك على ذلك؟ ـ أوضحت ان حزب الأمة قرر لأسباب واضحة جداً الخروج من التجمع وان الحزب يريد وضوحاً ازاء وقف اطلاق النار. ـ لقد لجأت الى تبني أسلوب الرسائل وتبادلها مع قرنق لمعالجة قضايا في السابق، فلماذا لم تحاول اقناع قرنق برؤيتك الجديدة عبر ذلك الأسلوب ومحاولة ابانة هذا الموقف لقيادة التجمع بالرسائل نفسها؟. ـ حاولنا ذلك ونحن في التجمع. ـ لقد وصلتم الى قطيعة مع قوى التجمع لكنكم استأنفتم الحوار مع الميرغني حتى «نداء السودان» فلماذا لم تحاولوا تطوير هذا الاتفاق لصالح التجمع. ـ نحن نعتقد ان التجمع لم يعد أداة تعمل .. نعم هناك نشاط للحزب الاتحادي ونشاط للحركة الشعبية ولكن لايوجد نشاط للتجمع، فقد بات شكلاً بلا فعل. ـ ولكن صيغة التجمع كإطار للقوى السياسية السودانية اكتسبت مغناطيسية وأنت تريد اعادة تجميع هذه القوى حول «الأجندة الوطنية» فمن الأفضل والأسهل تصدير الأجندة للاطار القائم. ـ لا .. نحن نتكلم عبر «الأجندة الوطنية» عن أسلوب جديد وعمل حديث يركز على الداخل بينما يركز التجمع على الخارج. مخرج الأزمة ـ بعد عودتك الى الداخل من أين ترى المخرج للأزمة؟ ـ المخرج في الديمقراطية والسلام العاجل. ـ لدى قطاع عريض من السودانيين قناعة كما لقرنق بأن هذا النظام مراوغ ومخاتل وان حزب الأمة منحه بعودتكم جرعة اعانته على تمديد عمره. ـ لم نمنح النظام جرعة تعينه على البقاء ولكن الحزب يعمل ضد الأجندة الشمولية مثلما يعمل ضد الأجندة الحربية وموقفنا واضح ونعتقد ان هذا هو أفضل الطرق للعمل لصالح البلد. ـ بعد ان أدرت ظهرك للتجمع الى أي مدى لديك قناعة بقدرة النظام نفسه على التجاوب مع أجندتك الوطنية؟ ـ النظام تجاوب مع بعض الأشياء ورفض أشياء، ولكن قلنا اننا نفاوض من أجل تحقيق الأهداف، ونعبئ الشعب من أجل تحقيقها، أنا لا أتكلم عن النظام. ـ من المهم معرفة مدى تجاوب النظام مع انهاء الأجندة الشمولية والتخلي عن ايديولوجيته. ـ المهم انني أعمل من أجل تحقيق هذه الأهداف بتنظيم حزب الأمة نفسه وتعبئة الشعب وهذا وحده ما أحدث تغييرا في المناخ السياسي. ـ إلى أي مدى استطعتم بناء الحزب نفسه؟ ـ هذا هو ما نعنيه بالتنظيم، والأمة حزب كبير بدأنا تنظيمه بالفعل. ـ إلى أى مدى نجحتم في استقطاب قوى سياسية معكم حول الأجندة الوطنية، ما هي القوى التي تقف معكم؟ ـ معنا كل الشعب السوداني. ـ التجمع حدد المؤتمر الدستوري وسيلة لحل الأزمة فما هي الأداة التي تتبناها الأجندة الوطنية؟ ـ الملتقى الجامع الذي يضم كل الأحزاب. ـ هذا ما قصدت اليه عندما أشرت الى تعدد المنابر التي تبعثر الجهود؟ ـ كلها تصب في اتجاه واحد، فالديكتاتورية تبقى لاستمرار صمت القيود، هناك شرطان لبقاء الديكتاتورية الصمت والستار الحديدي ولكن طالما هناك رأي ورأي آخر فالديمقراطية تحلق معانيها. الممتلكات المصادرة ـ لماذا لم تؤسسوا منبراً اعلامياً للتعبير عن آرائكم، أي تأسيس صحيفة مثلاً؟ ـ ليس لدينا امكانات. ـ ألم تعد لكم الحكومة ممتلكاتكم المصادرة؟ ـ لا، النظام لن يعطي قوى سياسية امكاناتها ما لم يضمن علاقته معها. ـ هذا ما يؤكد رأي من يزعم ان النظام يضبط هامش الحرية وفق مصالحه وشروطه. ـ كل يعمل بشروطه .. نحن نناضل من اجل استعادة اشيائنا السليبة بما في ذلك الحرية، فما الغريب في ذلك؟ ـ ماذا تعيب على الأحزاب الأخرى؟ ـ ما لم تعمل على اعادة بناء نفسها فانها لن تفيد نفسها أو الديمقراطية أو العمل السياسي بشكل عام، اعتقد ان هذه المسألة تشكل المهمة الأولى للأحزاب السياسية السودانية. لقاء نقد ـ لماذا طلبت مقابلة زعيم الحزب الشيوعي المختفي محمد ابراهيم نقد 4 مرات؟ ـ كنت أود أن أحثه على ضرورة الخروج للعلن والتعبئة والعمل باعتباره قائداً لحزب نخبة سودانية، كما ان لقاء القيادات السياسية ممارسة سياسية مشروعة ومطلوبة تتم على مستويات مختلفة وكذلك لقاء القمم.
