حلت الشهر الماضي الذكرى الثالثة عشرة لاغتيال القائد الفلسطيني خليل الوزير «أبو جهاد» لكن المخابرات الاسرائيلية التي اغتالته في 16 ابريل 1988 تجد في ذكرى اغتياله، هاجساً يبعث على الخوف والقلق خاصة في ظل تصاعد الانتفاضة الفلسطينية التي اعتبرته اسرائيل القائد الفعلي لها فدبرت لاغتياله. صحيفة «هآرتس» العبرية حاورت مؤخراً أفراد أسرة «أبو جهاد» وفي مقدمتهم ابنه «جهاد» البالغ من العمر 36 عاما والذي عاد إلى العمل في الأراضي الفلسطينية عام 1994 بعد حصوله على درجة الدكتوراه في الإدارة من جامعة بريطانية. وكان سؤال الصحيفة الأول: ـ اين كنت يوم اغتيال والدك؟ ـ كنت اعمل في شركة امريكية ويومها حدثت مشكلة في تليفون منزلي وفشل الجميع في ابلاغي بالخبر من تونس، لكني عرفت باغتياله من نشرة الاخبار بالراديو. ولم يكن يساورني شك في ان الاسرائيليين هم الذين قتلوه وكان اول ما فعلته بعد سماعي الخبر اتصالي بوالدتي انتصار وما ان انهيت المكالمة حتى فوجئت برجال شرطة يطرقون باب منزلي ليطمئنوا على حياتي!! صرفتهم وسافرت لتونس. ـ إسرائيل حملت ابيك مسئولية قتل نساء واطفال هل يمكنك ان تتفهم اسباب اغتياله؟! ـ لا اريد ان اذكر كم عدد الاطفال الذين قتلتهم اسرائيل، لكني اقول ان والدي كان عدو اسرائيل وحارب من اجل شعبه، وما يغضبني هو ان ايهود باراك لم يقتله في ميدان المعركة، بل في منزله بعد ان انتهك حرمته وهو ما يتعارض مع القتال بشرف لذا لا اوافق على مصافحة يد «ايهود باراك» او «امنون شاحاك» (رئيس الاركان ووزير السياحة الاسبق)، لكن الاهداف الاسرائيلية من الاغتيال لم تتحقق فقد جيشت اسرائيل إمكانياتها من طائرات مقاتلة وهليكوبتر وغواصة ومستشفى ميداني لاغتيال ابي، كان كل الجيش الاسرائيلي مجندا لاغتيال شخص واحد هو ابي لدرجة انهم كانوا على استعداد لاحتلال تونس في حالة فشل خططهم. وفي المقابل اطلق ابي طلقة واحدة سمعها العالم العربي كله وتحول الي رمز للبطولة فتحققت احلامه واهدافه. ـ إلى أي حد كانت مخاوف الاسرة من امكانية اغتياله ؟ ـ كنا نعرف انه يتوجب علينا الانتقال من مكان لاخر لان والدي مستهدف وقد حدثت بالفعل محاولات كثيرة لاغتياله بدأت في السبعينيات عن طريق عملاء او عبوات ناسفة ومفخخة. في عام 1982 كنا نقيم في مبنى سكني قريب من مكتبه فاخلى عدد كبير من السكان شققهم خوفا من قصف اسرائيلي محتمل وقمت أنا بالدخول للمكان لاعدام وثائق سرية ثم غادرت المبني وبالفعل تم قصف المبنى بعد ذلك بدقائق. كما تم قصف منزل سري لنا في لبنان ولا اعرف اذا كان هذا من قبيل الصدفة ام كان مخططا. وفي المقابل كان ابي لا يحب ان تحيط به حراسة قوية. ـ كيف كانت تربيتك وأنت تعيش بجانب اسطورة فلسطينية؟ ـ كنا نتنقل بين سوريا، لبنان والاردن ثم العراق فتونس ومع تغيير المدارس كنت احاول ان اظل متفوقا. وكنت اعتبر نفسي مقاتلا في حرب لبنان بعد ان تدربت على حمل السلاح، وبالفعل شاركت في الدفاع عن عدد من المواقع وتعرضت لقصف بالطيران، كان ابي فخورا بي. لقد كان منزل والدي دائما منزلا طبيعيا برغم غايبه الطويل وحضور القيادة الفلسطينية له فقد كان يلعب معي الشطرنج وكان دائما يهزمني باستثناء مرة او مرتين تركني اهزمه، كما شجعني على القراءة وخصص الكثير من وقته ليروي لنا ذكريات طفولته في رام الله. ـ هل كنتم تتحدثون عن (الهجمات الارهابية) أو «العمليات» حسبما كنتم تصفونها؟ ـ لا، كنا نسمع عن ذلك في نشرات الاخبار، وكانت الامور تسير بطريقة الكر والفر: هجوم جوي يقابله هجوم بري يتبعه اغتيال، كنا نعيش في هذه الدائرة باستمرار، ابي لم يقل لنا ابدا انه مسئول عن عملية ما، وقد نسب لنا الاسرائيليون كثير من العمليات التي لم يكن له علاقة بها مثل عملية اغتيال الرياضيين الاسرائيليين في ميونخ، وفي الواقع لم تكن له أية علاقة بها. انجازات ابي الحقيقية كانت في المجال السياسي والتنظيمي، وقد كانت له رؤى دولية لذا كل الدول العربية ترحب بي بشدة عندما تعرف انني ابن ابو جهاد، وقد التقى ابي بزعماء كوريا الشمالية وفيتنام وكل قادة حركات التحرير، ومن الامور التي لا يعرفها الا القليلون انه التقى بـ «شي جيفارا» في الجزائر في بداية الستينيات. ـ هل كان لوالدك ولمنظمة التحرير تأثير حقا في توجيه الانتفاضة الاولى؟ ـ الانتفاضة ما كانت لتندلع بدون تجهيز الساحة لها، فلولا انشطة ابي لدعم الجمعيات والمنظمات المدنية والاجتماعية داخل فلسطين لما استطاعت الانتفاضة الصمود، بالاضافة إلى ان والدي كان على اتصال طوال الاربع وعشرين ساعة يوميا مع القيادات التنفيذية داخل فلسطين عبر التليفونات والفاكسات والوسطاء. وقد كنت اراه وهو يعد بيانات الانتفاضة في تونس قبل توزيعها في الضفة وغزة. ـ كيف كان الشرق الاوسط سيبدو لو بقي والدك على قيد الحياة ؟ ـ لا اعرف ما إذا كان سيوافق على اوسلو ام لا، لكني واثق من شعبيته الطاغية داخل مدن وقرى فلسطين. ـ الكاتب الامريكي الشهير «توماس فريدمان» ذكر في مقالة له انك رمز للعولمة فما رأيك؟ ـ إنه كاتب امريكي لأقصى درجة فالامريكيون يتعاملون مع الامور بسطحية، وقد قابلني في مؤتمر اقتصادي دولي وفهمت انه يقصد ان يقول: حتى الفلسطينيين اثرت فيهم العولمة، وها هو ابن رجل ثوري قاد نضالا مسلحا يتحول لعالم الاعمال والتجارة. وفي الواقع تجاهل «فريدمان» ان الظروف تغيرت فنحن الان ندخل مرحلة بناء دولة، ولا يعنى وجود «ماكدونالد» في فيتنام ورجال اعمال في فلسطين ان العولمة تسود العالم. ـ ما هي انشطتك في مجال الكمبيوتر؟ ـ عقدت اتفاقية شراكة وتعاون مع شركة هندية كبرى بعد ان لاحظت ان الشركات الاسرائيلية لا تريد التعاون الحقيقي معنا بل تدفعنا نحو السوق السوداء والعمليات المشبوهة. لكن المشكلة حاليا ان الهجمات الاسرائيلية على مكاتب الشركة جعلت الجانب الهندي يخشى تنفيذ اغلب ما تم الاتفاق عليه. ـ والدك ولد في رام الله هل تريد العودة اليها؟ ـ رام الله بالنسبة لي رمز ففيها جدي، وهناك جذوري وحقي ان اعود لهناك ولو قررت الا اعود فمن حقي، وفقا للقانون الدولي، ان احصل على تعويض. ـ هذا الحق الرمزي يهدد ويخيف اسرائيل. ـ اسرائيل تقول انه لو عاد اللاجئون فلن تصبح اسرائيل يهودية، وانا ارد على هذا بقولي ان المشكلة هي مشكلتنا نحن الضحايا حيث تم طردنا من منازلنا لنعاني على مدى سنوات طويلة. ـ لكن اعترافنا بحق العودة يعني قدوم مليوني فلسطيني لاسرائيل فكيف تكون الاوضاع؟ ـ لابد من الاعتراف بالخطأ والاعلان عن حق العودة كجزء من اتفاق التسوية النهائية. ـ زرت إسرائيل عام 94 فما رأيك فيما شاهدته؟ ـ كنت اتخيلها ذات ايقاع غربي اكثر مما شاهدته، لقد اكتشفت ان الدعاية الاسرائيلية تضخم الاشياء داخل اسرائيل، فهي ليست جزءًا من اوروبا، كما انكم لا تنتمون للشرق الاوسط،انتم تعانون من ازمة هوية. وفي رأيي انه يتوجب عليكم الاختيار هل تنضمون لاوروبا أم للشرق الاوسط وانا اعتقد انه من الافضل لكم الاندماج مع الشرق الاوسط. ـ كيف تنظر لتصريح بشار الاسد باننا أسوأ من النازيين، ولانكار كثير من العرب لوقوع المذابح والمحارق النازية؟ ـ سعدت بالغاء رئيس وزراء لبنان لمؤتمر ينكر المشاركون فيه الكارثة النازية. فقد اعتدنا ان نستخدم الكارثة النازية لاغضابكم والمقارنة بينكم وبين النازيين. ـ هل تعتزم العمل كسياسي ؟وهل لديك ابناء؟ ـ نعم اعتزم العمل كسياسي فانا انتمى لاسرة سياسية. ولدى ابناء اكبرهم هو «خليل»، رغم كونه لم يتجاوز السنوات الثلاث من عمره إلا انه يسب الطائرات الاسرائيلية بالعربية والانجليزية عندما يسمع صوتها. حنان الوزير حنان خليل الوزير ابنة «أبو جهاد» التي درست السياسة والاقتصاد في جنيف روت لصحيفة «هآرتس» ولأول مرة تفاصيل يوم اغتيال أبيها فقالت: في يوم 16 ابريل عاد أبي وأمي في الحادية عشرة والنصف مساء ودخل والدي لغرفة نومه حيث كان يوجد ايضا مكتبه وكان يعد نفسه للسفر في اليوم التالي، بينما نامت امي وكنت انا بجواره اتجاذب اطراف الحديث معه وفي منتصف الليل رن جرس الهاتف ورفعت السماعة لكن لم يجب من على الطرف الآخر حتى بعد ان نقلت السماعة لوالدي واعتقدنا ان هناك مشكلة في خط الهاتف. وكنت اروي لأبي حلما شاهدته في الليلة السابقة حيث رأيت نفسي اصلي في المسجد الاقصى وخلفي جماهير فلسطينية غفيرة وفجأة بدأ اليهود يطاردوني فهربت لمنزل سيدة فلسطينية عجوز قالت لي ان هناك شخصا في انتظاري وكان والدي هو هذا الشخص. فسألته الا تخاف فرد لا لدي حصان ابيض سأمتطيه. وبعد ان انتهيت من روايتي قال والدي صدقت سيأتي حصان ابيض ليأخذني. بعد ذلك احتضني وقبلني وطلب مني البقاء واكمال الحديث لكني ذهبت لانام وبعد فترة من القلق الداخلي الذي كان ينتابني هذه الليلة سمعت صوت جلبة بالطريق واعتقدت انها السيارة التي تجمع القمامة في مثل هذا التوقيت لكني سمعت اصوات اشخاص داخل المنزل ورائحة دخان فاعتقدت ان احد الحارسين قد جاء ليبلغ ابي شيئا ما، وبعد لحظات تذكرت ان الباب الخارجي مغلق وعندئذ خرجت من غرفتي لاجد عدداً من الاشخاص ودخاناً يتصاعد فركضت صوب غرفة والدي بينما وجه احد الإسرائيليين سلاحه نحوي وسط صراخ امي حتى دخلت غرفة والدي فوجدته ممدداً على الارض بينما قالت لي امي فلتحمدي الله انك عشتي بجوار ابيك ستة عشر عاما، فهناك ابناء لم يروا اباءهم، وبعدها حاولت الاتصال هاتفيا بالشرطة لكن الهاتف كان معطلا، فركضت انا وأمي نحو الشرفة لنطلب المساعدة والعون وكان يوجد تحت المنزل شرطي تونسي لكنه لم يتحرك من مكانه وقد رجحنا بعد ذلك انه كان اسرائيلياً متنكراً في هيئة شرطي. لقد قتلت إسرائيل والدي لايقاف الانتفاضة، لكنها فشلت في مخططها، فالانتفاضة مستمرة حتى الآن ولن ننسى ولن نغفر للقتلة.