فجأة وجد بوتين نفسه في مواجهة البطالة ، ورقتان رابحتان تكفلان ليلتسين الفوز في انتخابات 1996 لم تكن الحرب الشيشانية تحظى بتأييد شعبي في روسيا، وبمقدار ما كانت تستمر المعارك كان الروس يتعذر عليهم بشكل متزايد فهم الاسباب التي تؤدي بأولادهم الى جبهات القتال من اجل الاحتفاظ بجمهورية صغيرة، غير ذات اهمية ظاهرة، بينما كانت جمهوريات كبيرة، مثل اوكرانيا وبيلوروسيا واثنتي عشرة جمهورية اخرى، قد حصلت على استقلالها، وليس بدون قتال فحسب، وانما بمباركة السلطات الروسية نفسها كذلك. حقق الجيش الروسي انتصارات سريعة في البداية، لكنه وجد مقاومة باسلة عند بوابات العاصمة الشيشانية جروزني، التي استعصت عليه ولم يستطع دخولها سوى بعد شهر من المقاومة وقد دخلها في مطلع يناير 1995 بعد ان تكبد خسائر كبيرة في الارواح والمعدات وايضاً بعد ان دكها بآلاف القذائف ودمر اجزاء كبيرة منها وعلى عكس توقعات الاستراتيجيين الروس لم يؤد الاستيلاء على القصر الرئاسي الشيشاني الى انتهاء المعارك اذ لجأ الجنرال دوداييف الى الجبال، حيث كان قد قرر متابعة الحرب من هناك ولو كان بواسطة حرب عصابات هكذا وجد الجيش الروسي نفسه في مواجهة وضع شبيه بالذي كان قائماً في افغانستان، اثناء وجود القوات السوفييتية هناك مع فارق كبير هو ان افغانستان بلاد شاسعة مترامية الاطراف. لا تنخدعوا! وتبنت قيادة الاركان الروسية استراتيجية مشابهة لتلك التي كانت قد سمحت للجيش السوفييتي بتأمين استمرار سلطة محمد نجيب الله في كابول اي دفع المقاتلين «العصابات حسب القاموس الروسي» الى الجبال، والسيطرة على السهول وايجاد حكومة موالية لروسيا في جروزني، لكن السياق لم يكن هو نفسه في الشيشان، حيث كان يمكن للمعارضة ان تعبر عن آرائها بصراحة في موسكو، على عكس ما كانت عليه الحال في ظل النظام الشيوعي. هكذا ارتفعت الاصوات في العاصمة الروسية نفسها تعلن شجبها للتدخل العسكري في الجمهورية الشيشانية، وبرز في اواسط يونيو 1995 القائد الشيشاني شامل باساييف حيث نقل المعارك الى داخل الاراضي الروسية على بعد حوالي 200 كيلومتر عن العاصمة الشيشانية جروزني وحيث تم احتجاز عدد من الرهائن في احد المستشفيات وجرت بهذا الصدد وللمرة الاولى مفاوضات بين رئيس الوزراء الروسي والمقاتلين الشيشانيين وتم التوصل الى اتفاق افرج باسييف ومجموعته عن الرهائن بموجبه مقابل عودتهم سالمين الى الجمهورية الشيشانية ثم تم الوصول الى وقف لاطلاق النار بين الجانبين. وفي اطار التحضير للانتخابات التشريعية الروسية في شهر ديسمبر 1995 وبعدها الرئاسية في شهر يونيو 1996 كانت شعبية بوريس يلتسين متدنية الى حد كبير، بينما بدا رئيس وزرائه تشيرنوميردين كوريث محتمل للسلطة، لا سيما وان رئيس بلدية موسكو لوجكوف كان قد تخلى عن خوض المعركة الرئاسية ذلك لان منصب رئيس بلدية موسكو كان نقطة ضعف لصاحبه في اي انتخابات على مستوى روسيا كلها وخاصة فيما يتعلق بالوصول الى الكرملين، ذلك لان المناطق والارياف الروسية كانت لا تحبذ ذلك بل وان «البلاد تمقت موسكو» حسب تعبير للجنرال الروسي السابق الكسندر ليبيد الذي يضيف: «كان مثل هذا الشعور سائداً زمن الاتحاد السوفييتي فموسكو كانت هي المدينة التي تتمتع بوجود مواد غذائية لم تكن متوفرة في المناطق والارياف الاخرى وكان ذلك امراً لا قيمة كبيرة له، لكنه كان يثير حنق روسيا العميقة ـ البعيدة عن المركز ـ واليوم تمثل موسكو مدينة تتمركز فيها رؤوس الاموال وهي تصادر كل الثروات ان الحنق كبير جداً حيال هذه المسألة فلا تنخدعوا». وفي مجال التحضير للانتخابات الرئاسية الروسية لعام 1996 استفاد بوريس يلتسين من ورقتين رابحتين اساسيتين الاولى هي تعاون رجال الاعمال الروس معه بفضل وجود المليونير بيريزوفسكي الى جانبه بل انه كان المهندس الحقيقي لحملته الانتخابية ولقد كان الشيوعيون قد اعلنوا صراحة بأنهم في حال فوزهم فسوف يلغون جميع قرارات الخصخصة مما كان يثير قلق من جمعوا ثرواتهم بفضلها وهكذا ابدوا استعدادهم للدعم المالي لحملة يلتسين. الورقة الرابحة الثانية تمثلت بوجود بعض المؤشرات التي افادت بامكانية الوصول الى حل سلمي للنزاع في الجمهورية الشيشانية وكان الوصول الى مثل هذا الحل يصب في خدمة يلتسين وحاشيته انتخابياً، لان الرأي العام الروسي لم يكن مؤيداً لتلك الحرب وتمثل احد تلك المؤشرات بوجود انقسامات كانت قد استجدت في صفوف الشيشانيين انفسهم فالجنرال دوداييف وانصاره لم يكونوا مستعدين ابداً لأي مساومة اذ لم يعد الاستقلال هو هدفهم فحسب وانما اعلان جمهورية اسلامية بالمقابل كان قادة شيشانيون آخرون يعتقدون ان المعارك عقيمة وفادحة الخسائر وانه قد آن الاوان للاهتمام من جديد بمصالحهم الاقتصادية، اذ ان عمليات استثمار حقول النفط في بحر قزوين كانت على وشك البدء، وحيث ان مجموعة الشركات الدولية المشرفة على تلك الاستثمارات النفطية، كانت بصدد التفكير في طرق اخرى غير خط انابيب شمال القوقاز، وذلك تحديداً بسبب الحرب الشيشانية وكان من بين الذين يميلون الى الوصول لحل عن طريق المفاوضات كولونيل سابق في الجيش السوفييتي اصبح قائداً لأركان القوات الشيشانية وهو اصلان مسخادوف. في 31 مارس 1996 اعلن يلتسين عن وقف اطلاق النار وانسحاب القوات الروسية وبدء المفاوضات وفي ذلك السياق قام صاروخ روسي بقتل الجنرال دوداييف في مخبئه بالجبال القريبة من جروزني وقيل آنذاك انه امكن اكتشاف مكانه بواسطة الذبذبات الصادرة عن هاتفه النقال لكن يبدو ان مثل هذا التفسير لم يكن صحيحاً وانما رمى الى تبرير الاكتشاف «المفاجئ» لشخص كان يقال انه لا يمكن الوصول الى معرفة مكانه ولربما ان التفسير الاكثر منطقية لذلك الحدث يكمن بواقع ان الحملة الانتخابية الروسية قد شجعت على التخلص من المسئول الشيشاني. ضمن السياق الجديد تم التوصل بتاريخ 27 مايو 1996 الى توقيع اتفاق لوقف اطلاق النار اي قبل ثلاثة اسابيع فقط من موعد الانتخابات الرئاسية الروسية وبرز آنذاك الجنرال الكسندر ليبيد كمرشح محتمل قد يشكل خطراً على انتخاب يلتسين للرئاسة، فما كان من هذا الاخير سوى ان التقى بالجنرال ليبيد، غداة اليوم التالي للدورة الانتخابية الاولى التي حصل فيها هذا الجنرال على نسبة 14.8% من اصوات الناخبين مقابل 35% ليلتسين و32% لمنافسه الاساسي الشيوعي جينادي زيجانوف كان يلتسين اذن بحاجة الى اصوات مؤيدي الجنرال الكسندر ليبيد في الدورة الانتخابية الثانية «النهائية» وهكذا قام اعتباراً من 18 يونيو 1996 بتعيينه اميناً عاماً لمجلس الدولة ومستشاره الخاص للمسائل الدفاعية والامنية. ربط الجنرال الكسندر ليبيد تحالفه مع يلتسين بأن يعطيه هذا الاخير الصلاحيات المطلقة من اجل اصلاح الجيش والشرطة ومكافحة الفساد وكان هذا يعني اقالة وزير الدفاع بافيل جراتشيف في اليوم نفسه، وهكذا فاز يلتسين في الدورة الانتخابية الثانية بنسبة 53.7% من اصوات الناخبين مقابل 40.4% لمنافسه الشيوعي جينادي زيجانوف وقد شهدت الاشهر التالية صعود مجموعة من الشخصيات اصبح لها تأثيرها الكبير في تحديد المنحى الذي حدد سياسة البلاد خلال سنوات لاحقة وتطلق على مثل هذه المجموعة صفة «الاوليخارشيه» بسبب صلاتها الوثيقة مع الحكم القائم. من جهة اخرى، كانت الحرب بين الليبراليين الذي يؤكدون على تبني اقتصاد السوق بدون اي تحفظ وبين الاقل ليبرالية ممن ظلوا يركزون على الدور الاساسي للدولة في ضبط آليات السوق نفسها قد ادت الى سقوط بعض الضحايا من التيارين وكان من بين هؤلاء الضحايا اناتولي سوبتشاك الذي انهزم في الانتخابات البلدية بمدينة سان بطرسبرج قبل اسبوعين فقط من الانتخابات الرئاسية الروسية وفلاديمير بوتين الذي كان قد ربط مصيره بسوبتشاك ووجد نفسه فجأة «عاطلاً» عن العمل لكن عمله في اطار الحملة الانتخابية للرئيس يلتسين اتاح له الاحتفاظ بمكتبه في مقر البلدية حتى نهاية الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية حيث طلب منه فريق رئيس البلدية الجديد مغادرة المقر. انساني.. انساني جداً كان بوتين قد نال خلال تلك الفترة شهرة واسعة تجاوزت حدود دوائر مدينة سان بطرسبرج بأنه بارع في التنظيم كما ان من التقوا به او تعاملوا معه في اي مناسبة احتفظوا دائماً بصورة ايجابية لذلك الشاب النشيط والفعال واستمروا باقامة علاقات جيدة معه بعيداً عن الاختلافات السياسية وكان من بين هؤلاء ميخائيل جورباتشوف الذي كان قد امضى ثلاثة ايام في مدينة سان بطرسبرج اثناء الحملة الانتخابية الرئاسية حيث كان احد المرشحين فيها، وحيث اناب سوبتشاك مساعده بوتين للقائه حيث لم تكن لديه هو شخصياً اية رغبة بمثل ذلك اللقاء وكان اعجاب جورباتشوف كبيراً بالسهولة التي استطاع بوتين ان ينسج بها علاقات انسانية جداً معه. وكان الرئيس الروسي المقبل على صلات جيدة مع مسئولين في ادارات الرئاسة والحكومة في موسكو حيث كان يعمل العديدون منهم سابقاً في سان بطرسبرج من امثال نائب رئيس الوزراء الكسي بولشاكوف وعدد آخر من الليبراليين مثل تشوبايص الذين كانوا بمعظمهم ممن كانوا قريبين من اناتولي سوبتشاك لكن الغريب هو ان الاقتراح الاول الذي تلقاه فلاديمير بوتين للعمل في موسكو لم يكن من دوائر اصدقائه قدماء سان بطرسبرج وانما من بافيل بورودين مدير مكتب بوريس يلتسين حيث تدخل لدى رئيس الادارة الرئاسية كي يوكل مهمة للمساعد السابق لأناتولي سوبتشاك وكان قرار التعيين على وشك التوقيع عندما استبدل يلتسين رئيس تلك الادارة نيكولا ايجوروف واحل محله شخص آخر هو اناتولي تشوبايص. اثناء الحملة الانتخابية الرئاسية اصيب بوريس يلتسين بعدة نوبات قلبية عابرة لكن فحوصاً طبية جديدة اظهرت انه كان بحاجة الى عملية جراحية خطيرة في القلب، وكان تعيين «تشوبايص» في المنصب الجديد يرمي الى «ضبط» الادارة الرئاسية، وادت عملية اعادة تنظيم بين هذه الادارة الى حذف المنصب الذي كان بوتين على وشك تسلمه لكن وساطة من قبل الكيس كودرين الذي كان قد سمي رئيسا ل«الادارة المركزية للرقابة» جعلت تشوبايصيقترح على بوتين ادارة العلاقات العامة في الادارة الرئاسية ولقد قبل ذلك المنصب، لكنه أسر فيما بعد قوله إنه لم يكن «قدح الشاي» الذي يريده. مع ذلك وعندما سمع «الكسي بولشاكوف» نائب رئيس الوزراء، بالامر اتصل على الفور ببافيل بوردوين من جديد وكان هذا التدخل حاسما، اذ تم تعيين بوتين في ادارة الشئون العامة للادارة الرئاسية «مكتب الرئيس يلتسين» كنائب لوردين نفسه للشئون القانونية ولممتلكات روسيا في الخارج. كان ذلك في اغسطس 1996 وكان الجنرال الكسندر ليبيد يحاول ان يضع حدا نهائيا للحرب الشيشانية، حيث كانت المعارك قد استؤنفت بعد الجولة الانتخابية الرئاسية الثانية، وكان استئنافها يعود الى تشدد «الصقور» في المعسكرين، اذ كان بعض العسكريين الروس لايزالون يعتقدون بامكانية تحقيق انتصار عسكري، وكان يدعمهم بعض المسئولون الحكوميين من امثال الجنرال «كوليكوف» وزير الداخلية وكان المتشددون الشيشان يعتقدون ايضا ان استمرار الحرب يشكل السبيل الى اقامة الجمهورية الاسلامية الشيشانية وقد توصل الجنرال «ليبيد» و«اصلان مسخادوف» الى اتفاق يحدد المباديء العامة لتسوية النزاع يتضمن انسحاب القدرات الروسية واجراء انتخابات حرة، وبحيث تستفيد الجمهورية الشيشانية خلال خمس سنوات بوضع قانوني خاص داخل الفيدرالية الروسية، قبل ان تحدد مصيرها النهائي في منظور حق تقرير المصير عام 2001 واذا كان الجنرال ليبيد قد خسر الحرب فإنه كسب السلام، واخرج الجيش الروسي من مجزرة، كانت اعداد ضحاياها تتزايد كل يوم. واكتسب شعبية كبيرة جعلته المرشح الأوفر حظا في الفوز في اي انتخابات رئاسية مبكرة قد تفرضها الحالة الصحية للرئيس يلتسين وكانت العملية الجراحية المرتقبة له تجعل مثل تلك الفرضية ممكنة التحقيق. لكن كما حدث للكثيرين من قبل في اطار الصراع على السلطة جاء دور الجنرال ليبيد ليدفع نحو الهامش، وفي 15 اكتوبر 1996 خسر الجنرال المنصبين اللذين كان قد تولاهما قبل اربعة اشهر فقط بعد ان كان قد انجز بشكل تام المهمتين الاساسيتين المطلوبتين منه، اي تأمين فوز بوريس يتلسين في الانتخابات الرئاسية وتحقيق السلام في الجمهورية الشيشانية وبعدئذ لم يكن يمثل بالنسبة للكرملين ورقة رابحة بل كان مصدر ازعاج. ولم يكن تشوبايص الذي كانت تطلق عليه انذاك تسمية «الوصي» يريد ان يقدم الكستناء ساخنة لذلك الجنرال المعروف عنه مزاجيته المفرطة ومن الصعب ضبط ايقاع تحركه، وبالمقابل كان يفضل التعامل مع «تشرنوميردين» رئيس الوزراء انذاك وحكومته الضعيفة، حيث ينص الدستور الروسي على ان يتولى رئيس الحكومة مهمة تسييد البلاد بالنيابة في حال خلو المنصب الرئاسي، وبحيث يتم تنظيم انتخابات جديدة للرئاسة خلال ثلاثة اشهر، وهذا يعني ان تشرنوميردين كان في موقع جيد لخلافة بوريس يلتسين، بينما لم يكن امام «تشوبايص» الذي لايحظى بأية شعبية اي حظ في الفوز بتلك الانتخابات، في حال حدوثها. كان خلف بيليد على رأس مجلس الدولة للمسائل الامنية هو إينان ربكين الشيوعي السابق، الذي تولى ايضا مناصب ومهمات الجنرال ليبيد، بما في ذلك مهمة الممثل الشخصي للرئيس يلتسين في الحلف الشيشاني في حين تابع بهذه الصفة المفاوضات مع مسخادوف، الذي كان قد تولى رئاسة حكومة الائتلاف الشيشانية المكلفة بادارة شئون البلاد حتى الانتخابات المرتقبة في يناير من 1997 والتي اصبح فيها مسخادوف رئيسا للجمهورية الشيشانية بعد ان حاز على نسبة 59.3% من الاصوات مقابل 23.5% لمنافسه الرئيسي شاميل باساييف لكن التنافس بين هذين الرجلين انهى جميع الآمال التي كانت قد انبثت اثر توقيع اتفاقيات السلام مع الجنرال الكسندر ليبيد. واليوم، وفي نظرة الى الوراء يمكن اعتبار ان عام 1997، كان هو افضل سنة في عهد الرئيس بوريس يلتسين كله، اقتصاديا حيث ثبت سعر الروبل الروسي بالنسبة الى الدولار الامريكي وانخفض التضخم الى 11% سنويا وارتفع اجمالي الانتاج الداخلي بنسبة 1.2% كما ان القطاع المصرفي وقطاعات اخرى تنتمي للقطاع الخاص في ميادين التجارة والخدمات شهدت تقدما ملحوظا وبدأت طبقة وسطى بالظهور خاصة في المدن الكبرى حيث استجد تحسن واضح على مستوى الحياة اليومية للناس وباختصار ظهرت دلالات مشجعة كثيرة على صعيد الاستثمارات الخارجية وزيادة معدل الاستهلاك والنجاح الذي حققته بعض الشركات الروسية من مختلف ميادين النشاط الاقتصادي. وعلى الصعيد السياسي بدا ايضا ان الاوضاع تميل نحو الاستقرار، فصحة الرئيس يلتسين قد تحسنت بسرعة والتدخل الجراحى، كان ناجحا على الرغم من الاثار النفسية التي تركتها عليه، والتي وجدت ترجمتها في تفاقم توتره النفسي واعتماده اكثر فأكثرعلى الادوية، والعقاقير التي يتناولها،و لكن ومع استمرار الاشاعات حول صحة الرئيس كان الفريق الرئاسي يدرك ان وضعه لم يعد منذرا مباشرة. هكذا حسم مصير بوتين في اللحظة التي بدا خلالها ان روسيا قد تخلصت من «اللعنة» التي كانت قد حكمت عليها بالجمود بين النظام القديم والجديد في هذه اللحظة برز خصم جديد بدا اكثر خطورة من الخصوم السابقين بالنسبة لتشوبايص، واصدقائه لانه ينتمي الى اللون السياسي نفسه الذي ينتمون له، حيث يتمثل في رجال الاعمال الذين كانوا قد دعموا يلتسين وقاموا بتمويل حملته الانتخابية الرئاسية، وعلى رأسهم بيريزوفسكي، والذين كانوا يريدون الحصول على دور سياسي والمساهمة في اتخاذ القرارات السياسية التي تتعلق بهم، حيث ان البارزين منهم كانوا يمتلكون وسائل الاعلام الخاصة بهم، فانهم كانوا قادرين على التأثير بالرأي العام وبالتالي كانوا يشكلون وسائل ضغط حقيقية على الحكومة وهكذا كان موقعهم في الدوائر الحميمة للسلطة قد اعطاهم بسرعة صفة «الاوليجارشيه». كان هدفهم الاول بالطبع، هو المحافظة على مكاسبهم المادية (وخاصة احتكارات قطاع الطاقة) والتي كانت تريد الحكومة اي تحد منها، اضف الى هذا واقع ان اولئك الذين كانوا قد جمعوا ثرواتهم من المضاربات المالية وفرق اسعار العملات بين روسيا والخارج ادركوا بأن آفاق مكاسبهم مهددة بالاول بمقدار مايتضاءل التضخم وتقترب الاسعار الداخلية من المستوى العالمي، وعلى قاعدة تقارب المصالح وتمايزها قام نوع من التحالف بين رئيس الوزراء «تشرنوميردين» والملياردير الروسي «بيريزوفسكي» ونوع من «الحرب الباردة» بين هذا الاخير وتشوبايص بعد فترة من الوفاق، وظهرت بعض المقالات التي يهاجم اصحابها تشوبايص ويوجهون له تهمة محاولة «السيطرة الكاملة على روسيا كلها، وباختصار بدأ الاليجارشيون هجومهم ضد اللبراليين الذين لم يكونوا يهددون اعمالهم فقط وانما سلطتهم الوليدة ايضا. لم يتأخر رد تشوبايص طويلا، اذ صدر قرار بعزل الملياردير الروسي من منصبه في مجلس الامن الفدرالي لكنه بقى نافذا في اطار حاشية الرئيس عبر دياتشنكو ابنة يلتسين «لوماشيف» الذي تولى رئاسة الادارة الرئاسية بعد تشوبايص وقد وصفت الاشاعات الملياردير بيريزوفسكي بانه «الجيب» الذي تغرف منه العائلة الرئاسية ـ الرئيس وابنته ـ الاموال. ثأر بيريزوفسكي بدوره من تشوبايص عبر مقال نشره الصحافي لكسندر مينكين وكشف فيه بأن تشوبايص وستة اخرين من زملائه في الحكومة والادارة قد تقاضى كل منهم مبلغ 90000 دولار من اجل تأليف كتاب عن الخصخصة في روسيا كان يفترض ان يتم اصدار خمسة الاف نسخة منه، لكن هذا الكتاب لم ير النور ابدا، وهو مبلغ ضئيل ولاشك بالقياس الى الرشاوي الكبرى التي كانت تعرفها روسيا انذاك، ولكن نتائجه كانت خطيرة اذ تمت اقالة زملاء تشوبايص الستة من مناصبهم، ورأى هو نفسه مرغما على التخلي عن وزارة الاقتصاد مع احتفاظه بمنصب نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية. استمرت المعركة بين الرجلين المتنافسين عبر الصحافة كي يفاجيء الرئيس يلتسين الجميع باقالة رئيس الوزراء تشيرنوميردين، وتعيين وزير البترول والطاقة سيرجي كيريينكو خلفا له وكان ذلك في 28 مارس 1998 وكان رئيس الوزراء الجديد الشاب ينتمي الى فريق اللبراليين الملتف حول تشوبايص، كما كان قد عمل مع نيمشون واذا كان تشوبايص غير بعيد عن التشكيلة الحكومية المنسجمة سياسيا، فإنه لم يكن احد وزرائها، بل اصبح رئيسا لاحدى اكبر الشركات الروسية ووجد بيريزوفسكي نفسه بعيدا عن موسكو عبر تعيينه امينا تنفيذيا بامر مجموعة الدول المستقلة، التي كان مقرها في بيلوروسيا. بدا ان اللبراليين في طريقهم الى الانتصار في حربهم ضد الاوليجارشيين لكن ذلك لم يكن سوى الظاهر فحسب، اذ بعد فترة بسيطة تحولت المناوشات الى معركة حقيقية حددت نهائيا مصير فلاديمير بوتين.