لاشك ان السكن شأن على درجة عالية من الاهمية في حياة كل فرد ويعد في صدارة ضرورياته مثله مثل المأكل والمشرب والملبس وبالتأكيد (ليس بالخبز وحده يحيى الانسان) وباعتباره احد ثوابت الحياة اصبح السكن او شكل المسكن يشكل قضية اخضعت لكثير من التشريح والتمحيص لانتقاء سكن يتوافق مع البيئة. هكذا اخضع المؤتمر العلمي الخامس حول الاسكان والتنمية في السودان مؤخرا المسألة للبحث والنقاش من خلال جملة اوراق قدمها الخبراء والمختصون في مجال الاسكان والتنمية. جماع الاوراق هذه يصوب الجهود نحو تنمية عمرانية مستدامة بايجاد مستوطنات بشرية تتوفر لها الكفاءة الوظيفية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وطالبت اوراق كتلك التي قدمتها مريم العاقب (المراصد الحضرية وتنفيذ المقررات العالمية للمستوطنات البشرية) بانشاد برنامج وطني لرصد افضل الممارسات على غرار (اعلان دبي) لافضل الممارسات كما تعرضت اخرى (القوانين والتشريعات والتخطيط العمراني) لمعدها المهندس عدلان الصديق الى ما صاحب تطبيق القوانين بشأن الحكم والادارة والمستوطنات البشرية، من اخفاقات وتجاوزات قعدت بها عن تحقيق الاهداف بالقدر الذي يلبي طموحات سكان الحضر والريف. وترسم لمياء موسى من كلية علوم التقانة معاناة مدينة الخرطوم الكبرى في احيائها التي تفتقر الى هيكلة واضحة للمساحات المفتوحة والخضراء، ويعكس تخطيطها الشبكي المتعامد تفاوتا في تلك المساحات التي اشارت مقدمة الورقة الى اهمال عامل الهوية الاجتماعية والثقافية للمجتمع السوداني، في تصميمها بجانب عدم تأهيلها وتشجيرها، ولخصت الصورة بما يتبين حين النظر الى احياء مدينة الخرطوم ارتفاع نسبة الكثافة السكانية مقارنة بنسبة المساحات الخضراء موضحة ان مفاهيم التخطيط الحضري الحديث، يوجه اغلبها اهتمامه لخلق علاقة تبرز التصميم الحضري كلوحة فنية تعكس فنون التنمية الحضرية لذلك توصي الورقة بأهمية وضرورة ايجاد حلول بيئية لمشكلة القمامة والتخلص من النفايات البشرية، وزيادة وعي المواطن بفوائد المساحات المفتوحة والخضراء. الورقة شددت على وجوب دراسة تحليلية تفصيلية للخروج بخطة شاملة تفضي للسيطرة على ظاهرة استغلال المساحات الممتدة بما يزيد من مستوى الخضرة في التجمعات السكنية دون تأثير سلبي على الطرقات العامة. وجاءت توصيات المؤتمر الذي امتد لثلاثة ايام من السابع عشر حتى التاسع عشر من الجاري، مركزة على ما احتوت عليه الاوراق المقدمة اذ صادق المؤتمر على زبدتها المتمثلة في وضع استراتيجية وطنية تستوعب البرامج المحلية في تنمية المستوطنات البشرية وان تستهدي بمشروع الاستراتيجية العربية للاسكان. التوصيات اكدت الالتزام باعلان اسطنبول 96 فيما يتعلق بالمستوطنات البشرية من ناحية القوانين ومراجعتها وتفصيلها بشأن التخطيط والتصرف في الاراضي ودعت الى هيكلة سوقى الاراضي والعقار الى مؤسسة متخصصة للعقار تعززها خطط اسكانية بمعالم واضحة ومتابعة في التنفيذ. فيما يخص المواطن باعتباره المستهدف اشارت التوصيات الى ضرورة توعيته واعداده لتقبل النموذج الذي يراعي العمليات المعمارية البسيطة بتركيز على ضرورة المساحات المفتوحة والخضراء ولم تنس التوصيات التأكيد على تشجيع البحوث والدراسات في مجال تقليل تكلفة الاسكان وضرورة اصدار القوانين التي تدعم مجهودات الجمعيات الزراعية والبيئية بما يحفظ للرقعة الزراعية سعتها وبما يعكس واجهات مبان عامرة بالتشجير وذات تصميم وتخطيط يفصحان عن حسن التصرف في الاراضي. التوصيات اتجهت كذلك نحو تشجيع صناعة البناء المحلية ودعمها لان في ذلك سدا لفجوة استيراد المواد وان ذلك يتأتى بانشاء مصانع لانتاجها في اماكن توفرها ومراعاة الاستغلال الامثل للموارد الطبيعية مثل الاخشاب وتوفيرها بمواصفات قياسية من شأنها تنفيذ البناء المطلوب بأقل التكاليف. ولان ذلك يدخل في نطاق الخدمات وادارتها والاستفادة منها فان التوصيات رأت انشاء بنك او مؤسسة ضرورة لتمويل تلك المشاريع التي يجب ان تنسجم مع خريطة تخطيط المدن .. وهنا ابرزت التوصيات دور منظمات المجتمع المدني تمثله في المشاركة الشعبية وبتركيز على دور المرأة عبر المنظمات غير الحكومية لرفع الوعي المجتمعي كما شجعت الاسكان التعاوني ودور الجمعيات الطوعية والجهد الذاتي. وأمنت التوصيات على المشروع القومي للمأوى والمستوطنات البشرية كمشروع رائد تتكامل المشاركة فيه بتخصصات مختلفة تجمع الجامعات والمؤسسات العاملة في مجال مشروعات الاسكان والتنمية تخطيطا ومتابعة وتنفيذا. اذن الخلاصة هي ان المطلوب علاقة مدروسة بين المباني وما يحيط بها من طبيعة تبرز تصميما حضريا لا تتحدى فيه الخضرة على مساحة الطرقات وبصرف صحي سالك لما يعيق كفاءة المسكن او المستوطن البشري لتغدو بيئته سليمة معافاة لا تبحث عن حلول في هذا الجانب او ذاك وليس ذلك بمستحيل على مفاهيم التخطيط الحضري الحديث ومن ثم هل تشهد المرحلة المقبلة ذلك النموذج البسيط قليل التكلفة الخالي من المشاكل الذي يراد له التمدد في وعي المجتمع؟