الدولار يتحول إلى ملك الساحة الحمراء المتوج ، جنرالات موسكو يغطون على فضائحهم بشن حرب الشيشان الأولى عندما تولى فلاديمير بوتين رئاسة لجنة العلاقات الخارجية في مجلس بلدية سان بطرسبرج أصبح في عداد أصحاب القرار الرئيسيين بالنسبة لمستقبل هذه المدينة، وكان الارث ثقيلا، والاقتصاد الروسي يعاني أشد المعاناة، ورأى بوتين ان الوسيلة الوحيدة للخروج من ذلك الموقف كانت تتمثل في الانفتاح على العالم الخارجي، لكن المشكلة كانت انه ينبغي البدء من نقطة الصفر، وإذا كان الاقتصاد قد أعطى الانطباع في الأشهر الأخيرة من رئاسة ميخائيل جورباتشوف بأنه قد بدأ بالنهوض، فإن ذلك كان مرده ان المراسلين الأجانب في موسكو اعتقدوا انهم أمام رجال أعمال حقيقيين، بينما لم يكن هؤلاء سوى أدوات في أيدي المتنفذين في الدولة، الذين يتقاسمون معهم المكاسب. في الوقت نفسه انتشرت التجارة غير المشروعة، وخاصة تجارة المشروبات الكحولية، والفساد، والرشوة، والجريمة المنظمة، بحيث انه أصبح يمكن المقارنة بين وضع الاتحاد السوفييتي آنذاك والحالة التي سادت في شيكاغو بالولايات المتحدة في العشرينيات من القرن العشرين، وكما سيطرت العصابات مثل عصابة آل كابوني وغيرها في شيكاغو عرفت المدن السوفييتية الظواهر نفسها تقريبا، بعد أن أظهرت حملات مكافحة الفساد التي شرع بها جورباتشوف، وقبله اندروبوف، انها غير فعالة. احتيال الدولة ان الليبرالية الاقتصادية التي تم تبنيها خلال السنوات الأخيرة من عهد جورباتشوف شهدت تعميم نمط من التجارة قائم على احتيال الدولة الذي مارسته مؤسسات عديدة، وخاصة في قطاع التسليح، حيث كان مدراء المصانع يبيعون أحياناً إلى الخارج، وبالأسعار العالمية وبالدولار، مواد أولية كانوا قد اشتروها من السوق الداخلي بالروبل، أي العملة الروسية التي كانت قد تدهورت قيمتها إلى حد كبير. وعلى سبيل المثال، خلال عام 1991 وقبيل انهيار الاتحاد السوفييتي قام أحد مصانع الطيران والذي كان عهد إليه بعملية تجميع 25 من طائرات السوخوي بإعادة بيع حصصه من مادة الألومنيوم إلى الخارج من خلال شركات وهمية، كان سعر طن الألمنيوم آنذاك في الاتحاد السوفييتي 1500 روبل، وقد تم بيعه بسعر 1500 دولار أمريكي في الأسواق الخارجية، أي ما يعني أن نسبة الأرباح المحققة تجاوزت 10000%. من هنا يمكن فهم بروز طبقة جديدة من الأثرياء الذين تطلق عليهم عادة «الطبقة الاوليجارشية» بسبب قربهم من مراكز القرار في الدولة. وأفضل مثال على هؤلاء الأثرياء الجدد المدعو «بوريس بيريزوفسكي» الذي كان يبدو أكثر المقربين من الكرملين خلال السنوات الأخيرة في عهد بوريس يلتسين، وقد كان بيريزوفسكي هذا عضوا مساعداً في أكاديمية العلوم وباحثاً موهوباً في حقل الرياضيات، لكنه انجذب نحو عالم المال. انه رجل يهودي، وبعد أن عمل لمدة أكثر من عشر سنوات في دراسة النظرية الرياضية لاتخاذ القرار تحول بفضل اللبرالية الاقتصادية إلى عالم المضاربة، لقد فهم قبل غيره من الروس انه يمكن لفرق قيمة العملات بين روسيا وبقية العالم ان يدر أرباحاً طائلة، وقد ساعده موقعه القريب من السلطة على ان يحصل على حقوق تصدير سيارات جيبولي (لادا) ولذلك أسس شركة في سويسرا، كان يبيع هذه السيارات بالدولار ويدفع ثمنها بالروبل، وهكذا كانت تباع سيارة «لادا» بمبلغ سبعة آلاف دولار، بينما لم يكن الثمن الذي تم دفعه للحصول عليها في روسيا يتجاوز 250 دولاراً. ويمكن القول ان البحث الحثيث والتسابق الذي شرع به مسئولو الدولة والحزب من أجل جمع الثروات الطائلة يمثل أحد الأسباب الكبرى في انهيار الاتحاد السوفييتي، كما انه من الصعب فهم الظاهرة التي تتم الدلالة عليها تحت عنوان «المافيات الروسية» إذا لم نأخذ في الحسبان مثل تلك الظواهر، ثم ان العديد من النشاطات التجارية التي كان يتم اعتبارها اجرامية في اطار الاقتصاد الاشتراكي، والتي كان يعاقب عليها أحيانا بأحكام تتجاوز العقاب على جرائم القتل، أصبحت مشروعة تماما في ظل اقتصاد السوق، مما أدى إلى نوع من الاختلاط في أذهان عامة الناس حول التمييز بين رجال الأعمال من جهة و رجال العصابات من جهة أخرى، وعندما تم تحرير الأسواق أصبح «بائع الزهور» في زاوية أحد الشوارع الصغيرة يوصف بأنه من «المافيا» بنظر السكان الذين كانوا قد تعودوا على ان يصفوا أولئك الذين يبيعون بالسوق السوداء بأهم «مافيات». وتبقى النشاطات الرئيسية لعالم الجريمة المنظمة في روسيا تخص القطاعات التقليدية مثل الاختلاس والدعارة والمخدرات، وكانت موسكو قد أصبحت ملتقي لتجارة الهيروين الآتي من الجمهوريات الآسيوية (السوفييتية سابقا) حيث تنتشر زراعة الحشيش بسرعة تنذر بالخطر، وحيث أصبح من المستحيل عمليا القضاء عليها، إذ انها تمثل استثمارات يزيد دخلها بعشرات الآلاف من المرات على مداخيل زراعات أخرى، كالقطن مثلا، وهكتارا من نبات الخشخاش يعطي حوالي خمسة كيلوجرامات من الأفيون، مما يسمح بالحصول على 0.5 كيلو من الهيروين البالغ قيمته مائة ألف دولار في الغرب، وتأتي بعد ذلك عملية «تبييض» الأموال المتأتية من شتى أنواع التجارة والنشاطات غير المشروعة، وقد كانت «لارنكا» في قبرص أحد المراكز الرئيسية لـ «تبييض» الأموال خلال أواسط عقد التسعينيات. هل هذا قانوني؟ لقد تعرف فلاديمير بوتين على عالم الأعمال في فترة كانت تبدو روسيا فيها بالنسبة للكثير من الشركات والمؤسسات الغربية وكأنها «الدورادو» جديدة. أما الروس فكانوا ينتظرون أموال الاستثمارات المقبلة، وهم يتأهبون لسحب الحد الأقصى من المكاسب الممكنة من هؤلاء الغزاة الذين يقدمون بأسلوب جديد، ويؤكد مسئولون في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس بلدية سان بطرسبورج ان مهمتها الأولى كانت توفير الشروط المناسبة لتحقيق تعاون فعال مع الخارج. هكذا تم فتح فروع لعدد من البنوك القريبة في المدينة، وكان في مقدمة هذه البنوك أحد بنوك مدينة درسدن الألمانية، حيث كان فلاديمير بوتين قد عمل عدة سنوات، وبنك باريس الوطني، ثم أيضا مناطق خاصة للمستثمرين. ضمن هذا السياق تم تكليف بوتين بتطوير البنى الأساسية في مدينة سان بطرسبرج، هكذا ربط المدينة بشبكة اتصالات هاتفية دولية، وكان قد تم الشروع في انجاز هذا المشروع اثناء المرحلة السوفييتية، لكن لم يكن هناك أي حماس لتحقيقه كما يجب، وذلك ليس لأسباب مالية فقط وإنما لأن المسئولين السوفييت وحتى في نهاية مرحلة جورباتشوف لم يكونوا حريصين على تسهيل الاتصالات مع الغرب. ومن النجاحات الأخرى التي حققها بوتين ولجنته انشاء كلية للعلاقات الدولية في اطار جامعة سان بطرسبورج، ولاتزال تقوم حتى الآن بتكوين «الكوادر» ذات الكفاءة العالية ممن يتقنون اللغات الأجنبية بطلاقة والقادرين على الاندماج في الأوساط الاقتصادية والمالية الغربية، بل ان هذه الكلية استطاعت التوصل إلى تأمين تمويلها ذاتيا عبر التعاون مع الشركات. هكذا أصبح بوتين بمثابة نوع من رئيس وزراء مدينة سان بطرسبورج، حيث لم تشمل صلاحياته النشاطات الاقتصادية فحسب، لكنها تعدتها إلى ميادين البنى الأمنية للمدينة والعدالة والعلاقات مع الصحافة، بل وحتى مجال ادارة الفنادق، في المحصلة سادت قاعدة «غير مكتوبة» ولكنها مطبقة في الواقع، وهي ان جميع القرارات المهمة ينبغي أن تمر عبر مكتب بوتين الذي كان يطرح مباشرة على كل من يقترح عليه مشروعا أو خطة ما السؤال التالي: «هل هذا قانوني؟». وهذه النجاحات لم تمنع حساده من القول انه كان يتقاضى عمولات كبيرة من المستثمرين الذين كانت لجنة العلاقات الخارجية تساعدهم عبر تقديم بعض التسهيلات لهم للعمل في المدينة.. ويضيفون ان الأموال التي حصل عليها استخدمها في بناء منزل ريفي كبير «داتشا» تبلغ قيمته حوالي نصف مليون دولار. و«بوتين» لا ينكر وجود هذا المنزل، لكنه يؤكد انه أمضى خمس سنوات في بنائه وان قيمته أقل بكثير مما يقال. ويبرهن على ذلك بوجود نوعية سيئة من المواد المستخدمة في البناء، حيث احترق المنزل بالكامل عام 1996 بينما كانت زوجته وابنتاه بداخله، لكن لم يصب أحد بأذى سوى ان بوتين اضطر إلى اخراج ابنته «ماشا» عبر النافذة في الطابق الأول، بكل الأحوال لم تجد جميع الاتهامات الموجهة لبوتين أية وثيقة تثبت تلك الاتهامات. سوبتشاك يخرج من اللعبة لكن في الفترة التي كانت المتاجر تعاني من نضوب السلع، وحيث كان الوضع قد أصبح متدهورا جدا، طرح نائب رئيس البلدية «جيورجي خيجا» فكرة الحصول من الحكومة على حصة من الصادرات البترولية المصدرة إلى الغرب من أجل جلب المواد الغذائية، ووافقت الحكومة التي كان يتولى رئاستها آنذاك ايجور جايدار بالإنابة على منح المدينة (البلدية) حق بيع مائة ألف طن من المازوت من مصفاة «كيريشي» القريبة من سان بطرسبرج وتكلفت أعضاءه باجراء عملية البيع، واحتفظت بالأموال رافضة الالتزام بشروط الصفقة. وجد بوتين على الرغم من ذلك ان الفكرة جيدة، وطلب من جايدار حصصا من تصدير منتجات أخرى بالاضافة إلى المنتوجات البترولية مثل الأخشاب والألمنيوم والأسمنت والمعادن الثمينة، أي ما يؤمن للمدينة مبلغ 122 مليون دولاراً أمريكياً، حيث كان يفترض ألا يتم بيع هذه السلع في الأسواق العالمية وإنما تجرى مقايضتها مع مواد غذائية بحيث لا يتم دفع رسوم على الأرباح المحققة في الخارج والالتفاف على القانون الخاص بدخول العملات الصعبة إلى البلاد، مما يستدعي «قانونًا» تحويلها إلى روبيلات بسعر الصرف الذي تحدده الدولة، وأيضا ومن أجل تجنب مشكلات مثل تلك التي تمت مصادفتها مع مصفاة نفط «كيرييشي» وضع مجمل العمليات تحت اشراف لجنة العلاقات الخارجية. وافقت الحكومة في 5 ديسمبر 1991، وهكذا حصلت بلدية سان بطرسبرج على حق تصدير 150000 طن من المنتوجات النفطية و 750000 طن من الأخشاب و 14000 طن من المعادن النادرة و 20000 طن من الأسمنت.. إلخ. ووقعت اللجنة التي كان يتولى رئاستها بوتين خلال أربعة أيام فقط 19 عقدا مع شركات مختلفة كانت أغلبيتها قد بدأت بممارسة أعمالها في المدينة مستفيدة من الشروط الاقتصادية الجديدة، التي تم تبنيها بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، لكن أخطاء كثيرة في العقود وبالأسعار التي تم الاتفاق عليها خاصة في ميدان المعادن النادرة التي كان سعر بيعها أقل بعشرات المرات من ثمنها العادي، أدت إلى تحقيق نتائج متواضعة جداً. لقد تم تشكيل لجنة تحقيق انتهت إلى تحميل بوتين المسئولية، وطلبت من رئيس البلدية تجريده من وظائفه، لكنه كالعادة دافع عن نفسه، وأبرز الوثائق الضرورية، ويقول اليوم ان الاتهامات التي تم توجيهها له باعتبارها السياق الاقتصادي لتلك المرحلة، وإنما كانت من فعل خصومه السياسيين الذين كانوا يريدون اضعاف موقف رئيس البلدية من خلاله، ورفض أناتولي سوبتشاك أيضا النتائج التي توصلت لها لجنة التحقيق واحتفظ بمساعده إلى جانبه. وفي الانتخابات البلدية لعام 1996 خسر أناتولي سوبتشاك رئاسة بلدية مدينة سان بطرسبرج التي فاز بها أحد مساعديه القدامى وهو فلاديمير اياكوفليف بعد حملة التشهير والتشكيك برئيس البلدية السابق، وكان بوتين هو مدير الحملة الانتخابية لسوبتشاك، وقد احتفظ دائما بالاحساس بالحقد على اياكوفليف، حيث اعتبره خائناً وانتهازيا. ومن جهته قام الحاكم الجديد ـ كان قد تم تبني لقب الحاكم بدلا من رئيس البلدية تماشيا مع تقليد تاريخي ـ وخلفاؤه السياسيون بفتح عدة تحقيقات حول طريقة ادارة البلدية السابقة، وتم استدعاء «سوبتشاك»، الذي كان قد أصيب بمرض في القلب للشهادة في احدى القضايا، ووجد نفسه مهدداً بالسجن، ففضل مغادرة روسيا للعلاج في الخارج، وخاصة في المستشفى الأمريكي بباريس. انتهت التحقيقات كلها إلى البراءة من جميع التهم الموجهة لفريق المجلس البلدي السابق، لكن سوبتشاك لم يعد إلى روسيا إلا في نهاية 1999 حيث كان فلاديمير بوتين قد أصبح رئيسا للوزراء. وتوفي سوبتشاك بعد ثلاثة أشهر فقط، وتحديداً في شهر فبراير2000، وقبل يومين فقط من وفاته صرح فلاديمير بوتقين في مقابلته مع الصحفيين الروس: «انني مقتنع تماماً بأنه رجل خلوق، خلوق مئة بالمئة، فقد عملت معه سنوات عديدة، وأعرف كيف يفكر وما يستدعي تقديره واعجابه، وما هو قادر على أن يفعله، وإذا كان من الصعب القول إذا كان بوتين صادقا كل الصدق فيما يقول فإنه من المستحيل ألا نقر له باحدى الصفات الأساسية المتميزة، وهي اخلاصه في صداقته. الشيوعيون الجدد يطلون تعد اعادة كتابة التاريخ أمراً في غاية الصعوبة، وفي شهر ديسمبر من عام 1991 عندما قررت روسيا المتعثرة ان تتخلص نهائيا من الاتحاد السوفييتي فإن هذا لا يعني أبدا ان النزعة السوفييتية قد انتهت بضربة عصا سحرية، وبالضرورة اخذت قوى سياسية جديدة بالتشكل واحتلال موقعها على رقعة الشطرنج السياسية الروسية، وفي مقدمة هذه القوى «الشيوعيون الجدد الذين كانوا يحملون حقدا كبيراً على بوريس يلتسين، أبرز أيضا التيار القوي المتشدد ممثلا بالحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي تحت زعامة «جيرينوفسكي» ضابط الـ «كى جي بي» السابق. وشهد عام 1992 صراعاً عنيفا بين بوريس يلتسين الذي كان رئيسا لتيار ديمقراطي ليبرالي يريد ان ينتهي تماماً من إرث الماضي ويدفع روسيا نحو الانخراط بشكل كامل في آليات اقتصاد السوق، على الرغم من الثمن الاجتماعي الباهظ لمثل هذا التحول الجذري، وبين تيار آخر اصلاحي أيضا، لكنه كان يقول انه ينبغي قبل كل شيء المحافظة على المكتسبات الاجتماعية للفترة السابقة. كان يلتسين وتياره وحكومته وربع مجلس «الدوما» تقريبا ينضوون تحت راية التيار الأول، بينما كانت الأغلبية البرلمانية وجميع الجهاز القديم الذي كان لا يزال يسيطر على جزء كبير من مفاتيح النشاط الاقتصادي في البلاد يمثلون التيار الثاني، الذي كان من أبرز رموزه «رسلان حسب اللاتوف»، رئيس مجلس السوفييت الأعلى، الذي من الصعب معرفة مدى تأثير طموحاته الشخصية في دفع البرلمان إلى الانخراط نحو تبني اطروحات متطرفة ظهرت أكثر فأكثر خلال مطلع عام 1993، لكن من المؤكد انه قد ساهم في ذلك الانحراف، لكن وفيما هو وراء الخلاف بين الأشخاص كان الرهان الحقيقي هو معرفة نحو أي انضمام كان ينبغي توجيه روسيا؟ وفي مطلع اكتوبر 1993 انفجرت الخلافات بشكل احداث عنف، وصل إلى حد قصف مجلس الدوما بالمدفعية حيث كان يعتصم المعارضون ليلتسين، واضطروا للاستسلام بعد مقاومة استمرت اثنتي عشرة ساعة. لم يكن يخطر ببال يلتسين، وربما في أحلامه الأكثر عقلانية ان يقوم يوماً بإعطاء الأوامر لقصف مجلس «الدوما» لكن وقع صور القصف كان قويا إلى درجة ان الأمن استتب بسرعة، وانتهى الأمر بيلتسين إلى اتخاذ قرار حل مجلس «الدوما» مما دفع بخصمه الرئيسي الكسندر روتسكوي المدعوم من حسب اللاتوف إلى ان يعلن انه سوف يمارس مهام رئيس الفيدرالية الروسية في مواجهة انقلاب يلتسين الذي حسم الأمر لصالحه بقذائف المدفعية ليصبح رئيساً لروسيا ويغير الدستور وينظم انتخابات جديدة للبرلمان أوصلت أغلبية شيوعية ـ جديدة وقومية متطرفة عبر تحالف ضمهما وأوجد وزنا مقابلا لسلطة يلتسين الذي بقي صاحب الكلمة العليا على صعيد السياسة الدولية، كما ينص الدستور. لكن النزاع بين السلطة التنفيذية ممثلة بالجهاز الرئاسي وبالحكومة، وبين السلطة التشريعية ظهر على الساحة منذ الاجتماع الأول لمجلس «الدوما» الجديد. وكان من بين القرارات الأولى التي اتخذها هذا المجلس ذو الأغلبية الشيوعية الجديدة والقومية المتطرفة، قرارا باصدار عفو عام عن المسئولين عما جرى من احداث العصيان في مقر البرلمان وقصفه بالقنابل، هكذا عاد كل من روتسكوي وحسب اللاتوف إلى الحياة السياسية الروسية، حيث باشر روتسكوي بالدعوة إلى اسقاط الحكومة وفاز في انتخابات 1996 نسبة كبيرة من الأصوات كحاكم لمنطقة كورسك وانتهى به الأمر إلى المصالحة مع يلتسين، أما حسب اللاتوف فقد حاول أن يستأنف نشاطه السياسي في جمهورية الشيشان، موطنه الأصلي، والتي يسكنها شعب مسلم شديد الاعتزاز بنفسه، وكانت روسيا قد أخضعته خلال القرن التاسع عشر، بعد حرب طويلة وصعبة. حكاية جروزني كان يلتسين بعد وصوله إلى رأس السلطة، قد قد أراد ان يجعل من نفسه حامي الوحدة التراثية لروسيا، ولذلك اتخذ موقفا متطرفا ضد جمهورية الشيشان، ولكن العالم الاقتصادي كان له في الواقع دور كبير في تحديد توجهات السياسة الروسية حيال الجمهورية الشيشانية، ذلك ان البترول يمثل الثروة الأساسية لهذه الجمهورية الصغيرة، وإذا كانت حقولها تسير في طريق النضوب فإنها تمتلك مع ذلك ورقة مهمة جدا تتمثل في مرور خط أنابيب القوقاز الشهير في أراضيها. أجرت الحكومة الروسية مفاوضات مستمرة مع الجمهورية الشيشانية لمدة ثلاث سنوات، ولكن حكومة جروزني أصرت على مواقفها وعلى مطالبها في الاستقلال والسيادة، ومع ذلك تكفي مجرد نظرة إلى خارطة جغرافية للمنطقة من أجل ادراك انه لولا وجود تعاون روسي على مستوى عال فإنه قد يكون من شبه المستحيل على الجمهورية الشيشانية استثمار امكانياتها البترولية إذ لابد ان تمر صادراتها عبر المرافئ البترولية الروسية على البحر الأسود. ومن جهة أخرى ونظراً للامكانيات المتواضعة لآبارها فإنه كان من الصعب تحديد المصدر الدقيق للبترول الذي تبيعه ويرى الخبراء الغربيين بأن قسما من النفط المباع ليس مصدره الجمهورية الشيشانية، وإنما التجارات غير المشروعة بالتواطئ مع منتجي النفط الروس وخاصة في سيبيريا الغربية. لكن مهما كانت حقيقة العلاقات بين موسكو وجروزني، العاصمة الشيشانية، فإن عام 1994 قد شهد قطيعة في هذه العلاقات، وتشير بعض المصادر إلى ان خلافا قد نشب بين الجنرال جوهر دوداييف وبين منتجي البترول السيبيريين حول مسائل مادية، لكن ربما كان هناك تفسير آخر هو ان فترة القطيعة شهدت مفاوضات حول استثمار حقول بترولية ضخمة على بحر قزوين بين حكومة أذربيجان ومجموعة من الشركات البترولية الغربية تترأسها شركة «بريتش بتروليوم» وبمشاركة شركات «أموكو» و«ايكسون» الأمريكيتين و «لوك اويل» الروسية، ولم يكن البترول الاذربيجاني موضع المفاوضات، يمكن ان يمر سوى عبر الفيدرالية الروسية، ويجتاز بقسم كبير منه الأراضي الشيشانية، كانت موسكو تريد ان تحصل على مئات الملايين من الدولارات كرسوم مرور، وكان الشيشانيون أيضا يريدون حصتهم من هذه المكاسب، لا سيما وان من يسيطر حقيقة على أي شيء هو ذلك الذي يستطيع تدميره و «دوداييف» كان يمتلك مثل هذه الامكانية. من جهة أخرى أوجد إعلان الجمهورية الشيشانية استقلالها وضعاً مزعجاً لموسكو في لحظة كانت تزعم انها قد سيطرت على البلاد، بعد ثلاث سنوات من «التأرجح» كما قيل أيضا ان السبب الحقيقي للحرب التي قامت في شهر ديسمبر من عام 1992 كانت من أجل طمس عدة فضائح تمس وزير الدفاع الروسي آنذاك بافيل جراتشيف وعدد من جنرالاته كانوا قد قاموا بعمليات بيع أعتدة عسكرية بطريقة غير مشروعة، وهكذا سمحت لهم الحرب بتغطية اختفاء عدد من المدرعات الروسية التي كانت موجودة في ألمانيا. لكن مثل هذه المقولات مهما كانت مصداقيتها، فإنها لا تستطيع وحدها ان تقدم تفسيرا للحرب الشيشانية عام 1992.