ظلت الصحافة العربية في فلسطين، على مدى قرابة قرن كامل، أعجز من أن تتحول الى سلطة رابعة. وذلك منذ صدر العدد الأول من أول صحيفة عربية مطبوعة في فلسطين (الترقي)، 1907، وقد ترأس تحريرها عادل جبر. لعل من نافلة القول بأن ذلك العجز كان منطقيا لصحافة عاشت زهاء ثلاثة أرباع القرن تحت نير احتلالات مختلفة، بدءا من الاحتلال العثماني، الذي امتد من 1516 وحتى 1918، والاحتلال البريطاني الذي غطى السنوات الثلاثين اللاحقة، فضلا عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاع غزة، على مدى سبعة وعشرين عاما متصلة (1967 ـ 1994). ناهيك عن تسعة عشر عاما في الرقابة الصارمة في الأردن، التي امتدت الى الضفة الغربية (1948 ـ 1967)، والمدة نفسها التي عاشها قطاع غزة تحت الأحكام العرفية. أما السنوات السبع للحكم الاداري الذاتي المحدود في الضفة والقطاع فكانت عجافا، على غير ماتمناه القائمون على الصحافة العربية في فلسطين. أعطى وصول جماعة (الاتحاد والترقي) الى سدة الحكم في استانبول، سنة 1908، واصدارهم دستور جديد، دفعة جديدة للحركة الصحافية العربية في فلسطين، فصدر في الأشهر الأربعة الأخيرة من العام 1908، عشر صحف عربية فلسطينية، وهو أعلى معدل في تاريخ فلسطين كله، ويعكس مدى ماعلقه الشعب العربي في فلسطين على (الاتحاد والترقي) ودستورهم من آمال. وحين خاب أمل الفلسطينيين هذا، تراجع عدد الصحف العربية التي صدرت في فلسطين، سنة 1909، الى مجرد صحيفة واحدة، وفي العام الذي تلاه، صحيفتان، وفي العام 1911، ثلاث صحف، وفي العام 1912، خمس صحف وفي العام 1913، صحيفة واحدة فقط. وانقطع سيل صدور الصحف العربية في فلسطين، الى نشوب الحرب العالمية الأولى، صيف 1914، التي ما أن اندلعت حتى توقفت الصحف العربية الفلسطينية عن الصدور، تحت ضغط شحة مواد الطباعة، وارتفاع أسعارها، واشتداد عسف الرقيب العثماني. على أن هذا لا يعني بأن الرقيب العثماني لم يتعسف الا مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بل أن تعسفه يسبق هذا التاريخ، ويعود الى ظهور الصحف في الدولة العثمانية وولايايتها. وماكان لحرية الصحافة أن تتوفر هنا، دون توفر الحريات الديمقراطية في المجتمع بأسره. عدا استحالة توفر حرية الصحافة دون صحافيين أكفاء، واحرار. ناهيك عن أن ارتقاء الاداء الصحافي يسهم بنسبة كبيرة في توفير حرية صحافة، تتناسب طردياً مع هذا الارتقاء. لعل من نافلة القول ان تدفق المعلومات من شأنه اتاحة تصحيح المعلومات الخاطئة الشائعة. فضلا عن أن الديمقراطية هنا تساوي في تلقي المعلومات، كما أن الشفافية تجعل من كل شيء قابلا للبوح، ومرشحا للتعميم. لقد كان طبيعيا أن تعكس التشريعات الصحافية حجم الاستبداد العثماني، الذي كان مضرب الأمثال، ولا يزال. وحين عجزت الدولة العثمانية عن منع الصحافة من الظهور في بلادها والولايات التابعة لها، فان تلك الدولة لم تستسلم، بل عمدت الى شحذ غدتها التشريعية، لافراز مايكفي لتكبيل الصحافة الوليدة، وتكميم أفواه محرريها. لقد أصدر السلطان العثماني عبدالعزيز (1865 ـ 1876). المعروف بنزعته الاصلاحية، أول قانون ينظم عمل الصحافة، في اغسطس 1865، هو (قانون المطبوعات) الذي نظم حق طبع شتى أنواع الجرائد، وأوراق الحوادث، الملكية، والسياسية، كما ضمن ذلك القانون.. الى حد ما- الحريات الشخصية، في مجاراة متحفظة للغرب، وفي محاولة لردم الفجوة بين العرب والعثمانيين. وأصدر السلطان نفسه سنة 1869، أول تشريع للتعليم الابتدائي، ماأسهم في الاتساع النسبي لمعدلات المتعلمين، ودفع عدد النوادي الأدبية الى الارتفاع، وخلق كتابا للصحف، وقراء لها. ثم أصدر السلطان نفسه، سنة 1872، قانون آخر، ينظم طباعة الكتب، أكثر ديمقراطية من سابقه، ماعزز مسيرة الصحافة، وأطلق يدها في نقد أداء الحكم، والحكام. وفي السياق نفسه أصدر السلطان عبدالعزيز، سنة 1874، قانون (خط الاصلاحات والتنظيمات الجديدة)، مااستحدث نظام الحكم المركزي، على غرار النظام الفرنسي. حين أكملت القوات البريطانية احتلال فلسطين، 1918، وجدت في فلسطين من التشريعات الجائرة مايكفي لتكميم صحافتها وصحافييها، ومع ذلك تساهلت سلطات الاحتلال البريطانية في منح رخص جديدة الى مابعد اندلاع هبة البراق، صيف 1929، والتي انهت المرحلة الاولى من الحركة الوطنية الفلسطينية وأفسحت المجال لمرحلة أخرى. وفي الأخيرة تم اعتبار بريطانيا (أس البلاء) بعد أن جرى في المرحلة الأولى الاحتكام لها في الصراع مع الصهيونية. فكان لابد من تشريعات جديدة. كما أناطت سلطات الانتداب بدائرة التحقيقات الجنائية مهمة الرقابة على المطبوعات، ماأخضع الأخيرة لتقديرات أشخاص غير مختصين. وفيما بين سنتي 1928 و1929 تحمل (مكتب المطبوعات) مسئولية النشر والمطبوعات. وأعيد تنظيمه غداة هبة البراق، صيف 1929. ولطالما وجه هذا المكتب تهمة التحريض لصحف عربية فلسطينية، تجرأت على انتقاد الانتداب، أو الحركة الصهيونية، وكانت العقوبة أما التعطيل المؤقت، أو النهائي، مع معاقبة المحرر المسئول بالسجن أو الغرامة، بكليهما. بل وصل عسف الانتداب الى الصحف الوافدة من الدول العربية، فمنع بعضها من الدخول والتوزيع في فلسطين، بالتهمة نفسها. ردت سلطات الانتداب على النهوض الوطني، على مدى الثلاثينيات، بالترهيب، والتنكيل بالصحف والصحافيين، فأرتفع معدل تعطيل الصحف، والتعسف في منع نشر مواد صحفية. بل ان سلطات الانتداب نسقت مواقفها هذه مع السلطات البريطانية بين دول الجوار (مصر، والأردن، والعراق)، لتشديد الرقابة على مايرسله مندوبو صحف هذه الأقطار في فلسطين. وسرعان مافرضت سلطات الانتداب حظرا على ابراق الأخبار من فلسطين الى خارجها. فيما خضعت الصحافة العربية الفلسطينية في الكيان الصهيوني للأحكام العسكرية، حتى 1966، فإن الصحف الضعيفة في قطاع غزة خضعت للرقابة العسكرية، وتم تضييق منح تراخيص الصحف الى الحد الأقصى، ولضابط المباحث أن يراقب المواد الصحافية ثلاث مرات، قبل صنعها، وبعده، وبعد اخراجها. أما فلسطين الشرقية، فتم ضمها الى شرقي الأردن، في مايو 1950، وظلت صحفها خاضعة لقانون المطبوعات العثماني، حتى 1953، عندما صدر أول قانون مطبوعات أردني، ومن بعده صدر قانون جديد، سنة 1955. وفي مارس 1967 قررت الحكومة الأردنية دمج الصحف اليومية الأربع في صحيفتين. بدأ الاحتلال الإسرائيلي محاولا احتواء صحافة الضفة الغربية، بعد أن ماتت صحافة قطاع غزة بالسكتة القلبية، لضعفها الشديد. لكن تلك الصحافة استعصت على الاحتواء، فعاجلها المحتل بالاوامر العسكرية الجائرة، فضلا عن (قانون الطوارئ) سيئ الصيت. وكلها أوامر تسد أي منفذ في (قانون الطوارئ) فكان الأمر العسكري 50 (11/7/1967)، و101 (27/8/1967)، وقد حظر الأخير 1225 كتابا عن التاريخ العربي، أو الثقافة الوطنية. ثم جاء تعديل الأمر 101، في 6/8/1980، وحمل الرقم 862، ومنع جميع أشكال المواد السمعية البصرية. وألزم الأمر العسكري 1140 (6/6/1985) الصحف بنشر اعلانات المحتل، بدون مقابل. عن الرقيب حدث ولا حرج، الذي منح حق منع، أو شطب، أو تعديل أي مادة تقدم اليه، دون قانون يحتكم إليه وللرقيب حق التدخل في النشرة الجوية، والألوان التي تطبع بها المجلة. دون أن يقدم الرقيب تفسيرا، أو تدبيرا لشطبه المواد. مادفع صحافيا فلسطينيا الى تأكيد (أن مايقطعه مقص الرقيب ربما يكفي لإصدار صحيفة موازية لكل الصحف والمجلات الاسبوعية). الى ذلك جاء منع المراسلين من الوصول الى موقع الحدث، فضلا عن تعطيل وصول العاملين في الصحف والمطابع عن الوصول الى أماكن عملهم، في الوقت المطلوب، ماجعل الرقيب يجلس في دماغ كل صحفي، يحد من ابداعه. فيما تساهل الرقيب الإسرائيلي مع المطبوعات الفلسطينية باللغة الانجليزية، لاهتمام إسرائيل بالرأي العام العالمي، وصورتها لديه. ماجعل (البعثة الدولية لتقصي الحقائق حول أوضاع الصحافة والصحافيين الفلسطينيين) تقرر، ربيع 1991، (إن نظام الرقابة تعسفي، وغير ديمقراطي، وعشوائي). ابان الانتفاضة الشعبية، التي اندلعت في 9/12/1987، تعرض صحافيون لرصاص المحتل، الذي تجرأ على منع استخدام جهاز الفاكسميلي، وتوسع في اعتقال الصحافيين. وفي المحصلة فان رغبة إسرائيل في اغتيال الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني، دفعها الى استدراج الصحافة العربية الفلسطينية الى معركة غير متكافئة. في يوليو 1993، تسلمت أجهزة في منظمة التحرير الفلسطينية مهام سلطة الحكم الذاتي في الضفة والقطاع. لكن ممارسات هذه السلطة خيبت الآمال، فتوسعت في انتهاكاتها الفظة والواسعة لحرية الصحافة، واعتقال الصحافيين، والاعتداء عليهم، ومصادرة الصحف، ومنعها من التوزيع، واغلاق مكاتبها، وتدمير مقرها، ومطابعها لاتفه الأسباب. وفي 25/6/1995 أصدرت السلطة (قانون المطبوعات والنشر) مغتصبة نفسها حقا للسلطة التشريعية فحسب. الى ذلك لم تصف السلطة قانونها هذا بأنه مؤقت، فضلا عن انه افتقر الى مذكرة تفسيرية. ومعظم مواده مفخخة، تنتهي بجملة (في حدود القانون)! وفيما تحكمت إسرائيل في دخول ابناء الشعب الفلسطيني الى مناطق الحكم الذاتي، فإن القانون حظر على من يقيم خارجها من تولى رئاسة تحرير أي دورية هناك. والأنكى أن رئيس التحرير يجب أن يحمل مؤهلا علميا وخبرة في نفس مجال الدورية المعينة. وأعم القانون نشر مقالات باسماء مستعارة! عدا إلزام القانون مالك المطبعة ايداع المطبوعة غير الدورية لدى (دائرة المطبوعات والنشر)، قبل توزيعها، ممايهدد بمنع توزيعها! كما أوكل القانون الى (المحكمة المختصة) محاسبة الصحف والصحافيين، دون أن يحدد طبيعة هذا (الاختصاص) وهل يشمل محاكمة أمن الدولة والمحاكم العسكرية أم لا! يحظر البند (3) من الفقرة (أ) في المادة (37) المقالات التي من شأنها (الاساءة الى الوحدة الوطنية) وهو مفهوم مطاط. ويؤثم البند (5) من الفقرة (أ) في المادة (37) نشر موضوعات تزعزع الثقة بالعملة الوطنية. فيما لا تمتلك مناطق الحكم الذاتي أى نوع من هذه العملة، حتى بعد ست سنوات من صدرو هذا القانون الهمايوني! ـ كاتب فلسطيني