اصدر مؤتمر الامم المتحدة للتجارة والتنمية «الاونكتاد» تقريرا حديثا حول مسار الاقتصاد الفلسطيني والحاجة الماسة لتصويب اوضاعه ولم يأخذ التقرير بالاعتبار الاثار الواسعة للوضع الاقتصادي المتأزم، منذ اكتوبر من العام الماضي والذي نجم عن سياسات الحصار الاسرائيلية الهمجية والممارسات العدوانية للحكومة الاسرائيلية ضد شعبنا الفلسطيني واقتصاده الهش. واكد التقرير على ضرورة تصويب مسار الاقتصاد الفلسطيني لتحقيق علاقات اكثر توازنا مع اسرائيل بما ينسجم مع متطلبات خدمة مصلحة الطرفين وذلك من خلال دمجه مع الاسواق الاقليمية، واقامة علاقات تجارية جديدة مع باقي دول العالم، واشارت الدراسة التي حذرت من عمر البنية الاقتصادية الحالية إلى المخاطر الناجمة عن تعجيل عملية الاندماج دون اعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني لما يترتب عن ذلك من زج هذا الاقتصاد في مطب التبعية غير المتكافئة، كما تقدم الدراسة التي صدرت تحت عنوان «الاقتصاد الفلسطيني: انجازات المرحلة الانتقالية ومهمات المستقبل» تقييما لاداء الاقتصاد الفلسطيني وانجازات السلطة الفلسطينية منذ عام 1994 إلى جانب التحديات الخاصة بوضع السياسات الاقتصادية التي افرزتها الاتفاقيات الفلسطينية الاسرائيلية، وعلى الرغم من ان الدراسة لا تأخذ بالاعتبار الوضع الاقتصادي الفلسطيني المتأزم منذ اكتوبر 2000 الا انها تكشف النقاب عن بعض اوجه القصور الهيكلية لهذا الاقتصاد واتجاهات الاداء التي عادت لتسيطر وبوتائر سريعة مؤخرا علما ان التفاؤل كان سائدا قبل اشهر قليلة من اندلاع الانتفاضة. وتوضح الاونكتاد انه في الوقت الذي تبذل فيه السلطة الفلسطينية جهودا حثيثة لاعادة هيكلة الاقتصاد الفلسطيني بما يخدم متطلبات تحقيق تنمية مستديمة فان المعوقات السياسية والاقتصادية لاتزال تقف عثرة امام هذه الجهود محبطة نتائجها وهذا ما اتضح جليا في الزيادة المتنامية في عجز الميزان التجاري والناجمة عن ضعف الصادرات والقفزات الهائلة في الواردات، هذا فضلا عن استمرارية تركز معظم التجارة الخارجية الفلسطينية مع اسرائيل في وضع يجعلها عرضة لاختلالات ومعوقات هيكلية، وتستشهد الدراسة باداء الاقتصاد الفلسطيني الذي سجل تحسنا ملحوظا خلال الفترة الماضية حيث بلغ معدل نمو الدخل القومي الاجمالي 7% فيما وصل معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي 6% خلال العام 98 وسط توقعات بأن يحقق الاقتصاد مزيدا من النمو خلال عام 2000 لكن بمعدلات نمو اقل وعند مستويات ادنى للدخل الفردي وتوضح الاونكتاد ان تعافي الاقتصاد خلال عام 98 و99 انما يعكس اداء مشابها لادائه خلال الفترة 92 ـ 93 ولفترات الانتعاش التي سجلها في فترة ما قبل عام 1998 والتي تلتها فترات تراجع حاد. وتؤكد الدراسة ان التوقعات الاولية للعام 2000 تشير إلى تراجع في الدخل القومي الاجمالي بنسبة 18% بما يعادل 22% من نسبة الخسارة التي سيتكبدها الاقتصاد في مستويات الدخل الفردي فبالنسبة للاونكتاد فان هذا الاداء ينم عن استمرارية حساسية الاقتصاد للتقلبات الخارجية الامر الذي يعكس عدم حدوث اية تغيرات هيكلية تؤدي إلى نقلة نوعية في اتجاهات الاداءات السابقة والتي اتسمت بالاعتماد على مصادر الدخل المحلية لتفعيل مستويات الطلب الكلي وتضيف الدراسة انه على الرغم من تعدد العوامل التي تحول دون تحقيق التنمية المستديمة والخارجية عن سيطرة آليات السلطة الفلسطينية فان جهود السلطة خلال المرحلة الانتقالية تفتقر إلى الشمولية والاستمرارية ووضوح الاهداف في ظل غياب استيراتيجية واضحة للتنمية والتي تعد من ابرز مستلزمات توجيه المفاوضات الثنائية، والمتعددة الاطراف الخاصة بايجاد ترتيبات جديدة للتعاون في المجالين التجاري والاقتصادي. وتعتبر الدراسة ادخال تغييرات جذرية في البيئة القانونية شرطا اساسيا لمعالجة الاختلالات الهيكلية الاقتصادية في طور النمو بعد سنوات طوال من الاحتلال إلى جانب وضع السياسات الملائمة لتوجيه التنمية الاقتصادية كما تفند الدراسة مجموعة من المهمات المستقبلية في مختلف المجالات بما في ذلك حسم القضايا العالقة خاصة مسألة المرحلة النهائية والارتقاء بمستوى الاداء الحكومي والبناء المؤسساتي بما يخدم استقرار الاقتصاد وتجنب الاختلالات التي تؤثر سلبا على هيكلية الاسعار. واكدت الاونكتاد الحاجة إلى سياسات تجارية جديدة وقالت يأتي جوهر العلاقة بين الاقتصادين الفلسطيني والاسرائيلي كأحد ابرز القضايا التي تتطلب المعالجة في المستقبل، تلك العلاقة التي تعززت خلال فترة ما بعد 1994 من خلال آليات تنظيم التجارة الخارجية المستندة على اتفاقيات المرحلة الانتقالية والتي صنفت على انها شبه اتحاد جمركي الا انها تظل في صلب سياسات التجارة الخارجية الاسرائيلية الامر الذي ادى إلى استمرارية العلاقة بين الاقتصادين بنفس النمط الذي كان سائدا من قبل عام 1994 واظهرت الاحداث الاخيرة «الانتفاضة» بشكل واضح التبعات الناتجة عن هذه العلاقة متمثلة بالخسائر الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد الفلسطيني في الدخل والنفاذ إلى الاسواق نتيجة انعزاليته واعتماده الكبير على التدفقات التجارية والمالية وحركة الايدي العاملة مع اسرائيل أو من خلالها، وتوضح الدراسة في هذا الصدد ان مصالح الاقتصاد الفلسطيني قد لا تتم خدمتها من خلال التوصل إلى اتفاقية تجارية مع اسرائيل استنادا على الاتحاد الجمركي القائم لان هذا الاتحاد يتبني الاقتصاد الفلسطيني لجوهر سياسات اسرائيل التجارية بما في ذلك اقلمة نفسه وفقا لمتطلبات تطبيق هذه السياسات دون وجود منافع متبادلة وتؤكد احداث الانتفاضة وما ترتب عنها من وقف دخول العمالة الفلسطينية إلى اسرائيل اهمية هذه الاستنتاجات الامر الذي يعزز من ذلك توجه السلطة الفلسطينية نحو اعادة النظر في البدائل المختلفة في مجالي السياسة التنموية والتجارية. وشددت الدراسة على ضرورة دمج الاقتصاد الوطني بالاقتصاديات الاقليمية والعالمية مؤكدة في نفس الوقت ان هذه الخطوة لن تحقق النتائج المرجوة في ظل المعطيات الراهنة خاصة تلك المتعلقة بالبنية التحتية والاطار المؤسساتي وبنية الانتاج مشيرة إلى ضعف القدرات التكنولوجية للصناعات وتشتت مهارات وكوادر القطاعات المختلفة وغياب مؤسسات تنمية القطاع الزراعي والصناعي لان ذلك يعني ان الاقتصاد الفلسطيني سيتعامل مع الجيران من منطلق الشريك الاضعف والاقل مبادرة الامر الذي سيزيد من حدة الاختلالات الهيكلية القائمة.